women-administrative-detention

حبس الضحية: توقيف النساء إداريًا بحجة حمايتهن من جرائم «الشرف»

حبس الضحية: توقيف النساء إداريًا بحجة حمايتهن من جرائم «الشرف»

الأربعاء 21 كانون الثاني 2015

بحجة الوقاية من جرائم «الشرف»، يصدر الحاكم الإداري في الأردن قرارات التوقيف بحق نساء تَعرّضن للتهديد من قبل أُسرهنّ، أو قدّر أن حياتهن في خطر، دون أي ضوابط لصلاحياته في ذلك، بموجب قانون منع الجرائم الصادر عام 1954.

الحاكم الإداري -أي  المحافظ أو المتصرف- يجمع صلاحيات السلطة القضائية والتنفيذية معًا، إذ يستطيع إرسال المواطنين إلى السجن دون مثولهم أمام القضاء ودون تحديد مدة للاحتجاز. كل ما يلزم الحاكم الإداري لإرسال شخص إلى السجن هو توقيعه أسفل ورقة تحمل الاسم وقرار الإيقاف الإداري مبرَّرًا بدافع يراه الحاكم مقبولًا، لتتراوح فترة التوقيف من عدة أيام إلى عشر سنوات وأكثر.

بحسب قانون منع الجرائم، فإن الحاكم الإداري يملك الصلاحية القانونية في إرسالك إلى السجن إذا «اعتقد» أن حريّتك قد تؤدي إلى وقوع جريمة ما، سواء كنت مقترف هذه الجريمة المحتملة أو ضحيتها. وبحسب تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان، «عادة ما يتم بناء هذا الاعتقاد لدى الحاكم الإداري دون الاستناد إلى الأدلة أو إجراء تحقيق أو محاكمة عادلة». وفي حالة استخدامه بحجة حماية النساء من جرائم «الشرف»، يصبح التوقيف عقوبة سهلة موجهة للضحية بدلًا من الجاني المحتمل.

Untitled-1-02

وبحسب إحصائيات إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل لعام 2014، أكثر من 69% من حالات سجن النساء في الأردن تتم عبر التوقيف الإداري، أي بدون أي عملية قضائية، مقارنة مع 27% من حالات سجن الرجال في الأردن.

«حماية» إجبارية

حين توقف امرأة إداريًا بحجة منع موقوع جريمة ضدها، فإن الخيارات التي يضعها الحاكم الإداري أمامها لاستعادة حريتها تساوي بعضها في السوء، وليس من بينها الخروج من السجن على مسؤوليتها الشخصية.

فالخيار الأول هو الموافقة على الخروج من السجن برفقة ولي أمرها والذي عادة ما يكون هو من يهدد حياتها، حيث تنال الموقوفة تحفظيًا حريتها في حال توقيع ولي أمرها تعهدًا لدى الحاكم الإداري بعدم المساس بها، إضافة إلى موافقتها على العودة برفقته.

أما الخيار الثاني قليل الحدوث فهو موافقة الموقوفة تحفظيًا على الزواج من شخص قد لا تعرفه وأن يتم ذلك الزواج عبر مكتب الحاكم الإداري -الذي يختار الزوج بنفسه في بعض الأحيان- لتخرج الموقوفة في تلك الحالة بضمانة زوجها الجديد، حسبما وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش في تقرير لها. هذا ما حدث أيضًا في حالة عائشة، التي ساعدتها جمعية معهد تضامن النساء الأردني على الزواج بشخص لم تكن تعرفه قبلًا حتى تستطيع الخروج من توقيفها الإداري الذي استمر سبعة أشهر.

وفي حال عدم توفر أحد الخيارات السابقة أو عدم موافقة الموقوفة تحفظيًا على ما سبق، لن يكون أمامها إلا أن تبقى في السجن إلى أجلٍ غير مسمى.

هذا ما رفضته سارة -اسم مستعار- الموقوفة إداريًا في سجن الجويدة للنساء منذ عدة أشهر بحجة حمايتها من والدها. حيث قررت سارة في تشرين الأول 2014 الإضراب عن الطعام احتجاجًا منها قرار توقيفها تحفظيًا، بعد أن رفض والدها تكفيلها لدى الحاكم الإداري.

تقول سارة، التي قابلها حبر داخل سجن الجويدة، أن والدها توجه إلى الحاكم الإداري بعد خلافات وقعت داخل الأسرة، وأبلغه برفضه لاستقبالها في منزله، ليقرر الحاكم الإداري توقيفها. بعد أكثر من شهرين في السجن، أعلنت سارة إضرابها عن الطعام سعيًا لاستعطاف الحاكم الإداري أو أيّ جهة رسمية أو حقوقية أُخرى للإفراج عنها، لكن إضرابها استمر 10 أيام دون جدوى. «فكّيت إضرابي عن الطعام بعد ما حكالي الدكتور رح يصير معك فشل كلوي إذا كملتِ».

«قلت لهم خليها تموت مضربة عن الطعام أحسن ما أسلمها وتموت عن طريقي أنا»

متصرف لواء الرصيفة حجازي عسّاف كان الحاكم الإداري الذي قرر توقيف سارة، ورفض الإفراج عنها بعد إضرابها عن الطعام. يقول عساف: «هذه الفتاة جاءني أبوها وقال لي إذا خرجت سيذبحها إخوانها». ورغم أنه أكد أن إدارة سجن الجويدة أرسلت له كتابًا تبلغه فيه أن الموقوفة سارة قد أضربت عن الطعام وأنها تطلب الخروج من السجن، إلا أنه أكد رفضه بنبرة صارمة قائلًا: «قلت لهم خليها تموت مضربة عن الطعام أحسن ما أسلمها وتموت عن طريقي أنا».

عسّاف أكد لحبر إصداره قرارات التوقيف الإداري بحق العديد من النساء المهددة حياتهن، وذلك خلال فترة حكمه الإداري في عدة مناطق في الأردن. يدافع عسّاف عن قانون منع الجرائم الذي يمنحه صلاحية التوقيف بوصفه «مهمًا جدًا»، وإلا «ستسمع عن انفلات وجرائم كثيرة في المجتمع».

وحول إجراءات توقيف فتاة أو سيدة لحمايتها، يبين عسّاف أن قرار الحاكم الإداري يعتمد على إذا ما ارتأى أنّ هنالك خطورة تقع على حياتها من قبل أحد أفراد أسرتها، وأن الفتاة لا تخرج من السجن إلا عند تأكده من أنّ حياتها لم تعد مهددة من قبل الأسرة، حيث يقوم بعد «تأكده» من ذلك باستدعاء «ولي أمر» الفتاة وتوقيعه على تعهد مالي يكفل من خلاله حماية الفتاة وعدم التعرض لها، وفي حال لم يتم ذلك تبقى الفتاة أو السيدة «المهددة» داخل السجن إلى أن «يزول» الخطر والتهديد.

لكن قدرة الحكام الإداريين على تقدير وجود الخطر أو زواله ليست دومًا كافية. عام 2012، سلّم عساف فتاة كانت موقوفة إداريًا لوالدها، بعد أن وقّع الوالد تعهدًا ماليًا يضمن عدم التعرض لها.

يقول عساف: «سألتها إنتِ لو روحتِ، في خطر على حياتك؟ حكت لأ». ولكن وما أن وصلت الفتاة إلى منزل ذويها حتى أطلق والدها عليها ثماني رصاصات بواسطة مسدس أعده مسبقا لهذه الغاية .

عند سؤال عساف عن فائدة التعهد المالي الذي وقعه الوالد وإن كان قد تم استيفاؤه أم لا أجاب عساف: «يعني فوق البلاء بلاء!»، في تعاطف واضح مع القاتل الذي رأى عساف أنه  قد «ابتلى» بجريمته.

الخريطة أدناه توضّح توزيع 55 أردنية موقوفة إداريًا على المحافظات التي تم توقيفهن فيها، والجهة التي أصدرت قرار التوقيف بناءً على كشف حصل عليه حبر بالموقوفات إداريًا في سجن الجويدة للنساء بتاريخ 10 تشرين الثاني 2014، من إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل، علمًا بأن هذا الإحصاء يشمل جميع الأردنيات الموقوفات إداريًا في ذلك التاريخ، كون إدارة السجون لا تحتفظ بأي توثيق لسبب توقيفهن، أكان لحمايتهن أم لأسباب أخرى.

 

 

لكن حتى عند وجود خطر حقيقي على حياتهن، فإن السجن بالتأكيد ليس الحل في نظر النساء المهددات. وفق مقابلات أجراها حبر مع عينة من سبع موقوفات إداريًا بحجة حمايتهن في سجن الجويدة ستنشر خلال أيام، لم تكن أي منهن تفضل البقاء في السجن، بل كنّ إما على استعداد للخروج من السجن على مسؤوليتهن الشخصية، أو بتكفيل شخص من خارج أسرهن أو من أقاربهن ما عدا من هددّهن منهم.

هؤلاء النساء اللواتي امتدت فترات توقيفهن بين أسبوعين وأربعة سنوات، أبلغن حبر بتقديمهن لعدة «استرحامات» للحكام الإداريين الذين أوقفوهن للإفراج عنهن أو السماح لغير آبائهن أو إخوتهن بتكفيلهن، لكن هذه الاسترحامات قوبلت بالرفض أو التجاهل.

موقوفة لحمايتها أم متهمة؟

رغم أن توقيف النساء إداريًا لحمايتهن من جرائم «الشرف» لا يعني ارتكابهن لأي جريمة، إلا أنهن على أرض الواقع يعاملن داخل السجن كغيرهن من الموقوفات أو المحكومات، أي كمجرمات.

مديرة مركز إصلاح وتأهيل الجويدة للنساء، العقيد كفاح كرادشة، أكدت ذلك بالقول إن حياة الموقوفات إداريًا لحمايتهن داخل السجن «توازي حياة أي موقوفة أو محكومة أخرى»، معتبرة أن «جميع من هنَّ داخل السجن متساويات في الحقوق والواجبات».

أحد المهاجع داخل سجن الجويدة للنساء

توضح كرادشة انعدام سلطة إدارة السجن في حالات التوقيف الإداري التحفظي، إذ أن إدارة السجن تتسلم الموقوفات المحالات من الحكام الإداريين دون أي توضيح لسبب توقيفهن، ليبقين موقوفات إلى أن يصدر قرار الحاكم الإداري بالإفراج عنهن، دون أي تدخل أو مراجعة من إدارة السجن نفسها.

كرادشة أكدت لحبر خلال زيارة ميدانية لسجن الجويدة للنساء أن الموقوفات لحمايتهن يمكثن في مهجع مخصص للموقوفات إداريًا، أي لا يتم دمجهن مع الموقوفات قضائيًا والمحكومات، لكن إدارة السجن لا تفصل بين الموقوفات إداريًا لحمايتهن، أو الموقوفات إداريًا لأي سبب آخر.

بعد إطلاق سراحها، أكدت عائشة، الموقوفة سابقًا في سجن الجويدة للنساء، هذا الدمج بين الموقوفات تحفظيًا وباقي الموقوفات إداريًا. بعد قرار من محافظ الزرقاء بتوقيفها إداريًا للحفاظ على حياتها، أمضت عائشة سبعة أشهر في السجن، إثر خلافات حادة مع إخوتها تعرضوا لها فيها بالضرب ورفضوا بعدها السماح لها بالمبيت في منزل العائلة.

تتحدث عائشة لحبر عن تجربتها، واصفة خوفها من الاختلاط مع باقي نزيلات السجن: «كنت أنا وأكم بنت معي [موقوفات] تحفظي، كانت معي بنت مسجونة تحفظي إلها 4 سنين. وكان معي موقوفات على سرقة وعلى قضايا قتل. كنت طول الليل ما بنام، بظلّ خايفة». وأكملت عائشة حديثها مؤكدة على أن المعاملة التي تتلقاها الموقوفات المهددة حياتهن، لا تختلف عن معاملة النزيلات الأُخريات، سواء كنّ موقوفات إداريًا أم قضائيًا أم محكومات.

تمسّك الحكومة بقانون منع الجرائم

وزارة الداخلية، المسؤولة عن الحكام الإداريين، رفضت عام 2009 فكرة إلغاء قانون منع الجرائم وأكدت على ضرورة استمراره، موضحة آنذاك إيقاف النساء إداريًا «يكون ذلك بطلب شخصي منهنّ، أو للمحافظة على حياتهن».

جاء هذا الرد من وزارة الداخلية بعد نشر المركز الوطني لحقوق الإنسان تقريره الصادر تحت عنوان «صلاحيات قضائية بأيدي تنفيذية» والذي أوصى بضرورة إلغاء قانون منع الجرائم لما فيه من انتهاك لحقوق المواطنين.

خلال الأعوام القليلة الماضية، كثفت منظمات حقوقية محلية ودولية جهودها لإلغاء قانون منع الجرائم، أو حتى تعديله بما يقلِّص صلاحيات الحاكم الإداري. وفي ظل إعلان وزارة الداخلية رفضها الغاء القانون، أعلنت الحكومة عام 2011 عن المشروع المعدل لقانون منع الجرائم  الذي احتوى على مقترحات وتعديلات جديدة، شملت استحداث المادة 6 التي نصّت على أن «للحاكم الإداري أن يقرر الاحتفاظ بأي شخص يخشى من وقوع اعتداء عليه في أماكن أو مراكز تحدد بمقتضى نظام خاص يصدر لهذه الغاية يراعى فيها تامين الرعاية والحماية لذلك الشخص لحين زوال الأسباب الداعية لذلك».

لكن مديرة مجموعة القانون من أجل حقوق الإنسان (ميزان) المحامية ايفا أبو حلاوة أكدت بأن المشروع المعدل لقانون منع الجرائم لم يقرّ وأن قيمته القانونية هي عبارة عن «أفكار على ورق».

قرارات مخالفة للقانون؟

لكن حتى مع الصلاحيات الواسعة التي يمنحها، إلا أن قانون منع الجرائم أعطى للحاكم الإداري صلاحية التوقيف في حالات حدد بعضًا منها، ولم يكن أحدها الاحتجاز التحفظي بهدف الحماية.

المحامية إيفا أبو حلاوة اعتبرت «إيقاف الفتاة تحفظيًا من قبل الحاكم الإداري إجراءً غير قانوني، وذلك لعدم احتواء قانون منع الجرائم على ما ينص بصلاحية الحاكم الإداري في ما يتعلق بالإحتجاز التحفظي أو الوقائي للنساء المعرضة حياتهن للخطر».

وتبيّن أبو حلاوة أن «للموقوفة إداريًا الحق في الإعتراض على القرار الإداري الصادر بحقها، وذلك عن طريق الطعن بقرار الحكم عبر محكمة العدل العليا»، لكنها قالت إنها خلال تجربتها القانونية لم تشهد أيّ طعن قانوني من سيدة أو فتاة أوقفها الحاكم الإداري لحمايتها من التهديد الواقع عليها.

«إن عدم قيام السيدات بالاعتراض قانونيا على قرارات التوقيف الإداري عادة ما يكون بسبب حساسية موقفهن، حتى بوجود منظمات حقوقية مساندة، فإن الفتاة أو السيدة تكون ضعيفة جدًا أمام لفت نظر مجتمع كامل إلى فتاةٍ مهددة بالقتل».

بدائل غير مفعّلة

بالرغم من تغني الأردن بكونه أول دولة عربية تسنّ «قانون الحماية من العنف الأسري»، سنة 2008، إلا أنّ القانون ومنذ إقراره لم يتم تطبيقه بالطريقة التي أُقرَّ لأجلها، والتي كانت ستحدّ من التوقيف الإداري التحفظي.

فقد قدمت مواد قانون الحماية من العنف الأسري إجراءات قانونية، كان من المفترض أن تقوم بحماية النساء المعرضة حياتهن للخطر من قبل أسرهن. حيث وظّف القانون المحكمة بسُلطتها القضائية، ووزارة الداخلية بسُلطتها التنفيذية، إضافة إلى وزارة التنمية الاجتماعية ضمن اختصاصها الاجتماعي، من أجل توفير الأمان للضحية والعمل على إيجاد حلول تضمن سلامتها.

ففي حال تعرّض الضحية للتهديد من قبل إسرتها، يضمن القانون في المادة 11/أ «تعهد من المشتكى عليه بعدم التعرض للمتضرر أو أي من أفراد أسرته»، كما نص القانون على إجراءات وتدابير موسعة تبدأ بمنع المشتكى عليه من دخول المنزل لمدة معينة، وتمتد إلى احتجاز المشتكى عليه وتغريمه ماليا في حال تعرضه للضحية.

مؤسسات رسمية ومجتمعية تؤكد أن قانون الحماية من العنف الأسري لم يطبَّق منذ إقراره، وهو ما بينته أيضًا وزيرة التنمية الاجتماعية ريم أبو حسان التي أكدت في منتصف عام 2013 أن قانون الحماية من العنف الأسري لا يحمي الأسرة بشكل متكامل.

المحامية إيفا أبو حلاوة أوضَحت أنّ سبب عدم تطبيق القانون بعد إقراره هو «غياب فهم فلسفة القانون، حيث يتم إقرار بعض القوانين بشكل غير واضح أو غير مُلزِم، أو دون نية جدية مسبقة لتفعيله». وأكدت أبو حلاوة أنها وخلال عملها على قضايا العنف الأسري لم تشهد أمر حماية واحدًا صادرًا من القضاء بالرغم من وجود القانون الذي يسمح بذلك، إضافة «إلى عدم تفعيل لجان الوفاق الأسري كما نصَّ القانون، والتي كانت ستساهم في إحتواء حالات العنف الأسري وإيقاف إرسال الحكّام الإداريين للنساء والفتيات» إلى السجن بحجة حمايتهن.

تم الوصول إلى جزء من مصادر وبيانات هذه السلسلة بتيسير من برنامج «تعزيز الحوار العام حول حقوق الإنسان من خلال الإعلام» والذي تنظمه مؤسسة «صحافيون من أجل حقوق الإنسان» مع معهد الإعلام الأردني.