الحاكم بأمر «الشرف»: مقابلة مع المتصرف حجازي عساف

الأربعاء 11 شباط 2015
women-jordan-detention

أكثر من عشر سنوات قضاها متصرف لواء الرصيفة حجازي عساف في الحكم الإداري، تنقل خلالها بين عدة مناطق أردنية، وأوقف خلالها العديد النساء بحجة حمايتهم من جرائم قد تقع عليهن «بدعوى الشرف»، وزوّج العديد من النساء اللاتي كشفت أسرهن علاقات لهن خارج إطار الزواج.

في مقابلة له مع حبر، يتحدث عساف عن تجربته في ما يتعلق بـ«قضايا الشرف»، خلال سنوات حكمه الاداري، شارحًا العملية التي تنتهي بزجّ النساء «المهددة حياتهن» في السجن بتوقيفهن إداريًا، استنادًا إلى قانون منع الجرائم لعام 1954.

عادةً ما تبدأ الحكاية إما بتبليغ الأهل عن ابنتهم المتغيبة عن منزلهم، ومن ثم عثور الشرطة عليها وتسليمها للمتصرف المسؤول عن منطقة سكنها، أو بوصول المرأة «المعرضة للخطر» إلى إدارة حماية الأسرة، بعد تقديمها لشكوى تفيد بذلك أو بعد تسليمها لحماية الأسرة من قبل أحد ذويها، لتقوم إدارة حماية الأسرة بدورها بتحويلها إلى مكتب المتصرف.

هناك، يرتبط مصيرها عادة بثلاثة احتمالات: الزواج ممن يرى المتصرف أنها أقامت علاقة معه بعد موافقة الأهل على ذلك، أو تعهد الأسرة بعدم إيذائها وتوقيع ولي أمرها لتعهد مالي بذلك، وفي حال عدم توفر ما سبق أو رفض الفتاة لذلك، يقوم المتصرف بإيقاف الفتاة في السجن الى أن يتوفر أحد الخيارات السابقة.

يدافع عساف عن «الصلاحيات» التي يمنحه إياها قانون منع الجرائم، معتبرًا أنه «يضمن أمن المجتمع». «إذا كنتم تريدون كحقوقيين أن نجرب إلغاء هذا القانون، فأنا أوافق أن يلغى شهرًا للتجربة، وانظروا بعدها ما الذي سيحدث في البلد. أنت نفسك لن تجرؤ على الخروج من بيتك».

لكن المحامية في مركز العدل للمساعدة القانونية إلهام أبو لبدة، قالت إن إيقاف الحاكم الإداري للفتاة بحجة حمايتها من جرائم «الشرف»، غير قانوني أساسًا، إذ لم ينص عليه قانون منع الجرائم صراحةً، واصفةً أحكامهم بغير الدستورية وبأنها «اعتداء على السلطة القضائية».

تزويج الفتاة «المعرضة للخطر»

خلال عمله السابق لمدة عامين ونصف متصرفا للواء الأغوار الجنوبية يخبرنا المتصرف عساف أنه قام بتزويج عشرات الفتيات دون وقوع جرائم. « لم أسمع أن أيهنّ تعرضت لأذى بعد الزواج. هناك كفالات وترتيبات معينة بموافقة البنت وأهلها، وموافقة الشاب وأهله (..) من باب السترة».

«من ينوي أن يقتل سيفعل حتى لو وضعت عليه كفالة بالملايين».

لكن عساف يتهم معظم النساء بـ«اللجوء» لهذه العملية مع شركائهن لإرغام أهلهما على الموافقة على زواجهما ووضعهم تحت الأمر الواقع.

«يكون الاثنان يحبان بعضهما ويريدان بعضهما، لكن أباها أو أخاها لا يوافقان، فيلجآن [الشاب والفتاة] إلى هذه الطريقة. هذه باتت ثقافة سائدة حتى للأسف عند الفتيات تحت سن 18 سنة كسبيل للزواج. مرّ علي قضايا كثيرة كهذه».

الآلية التي يتبعها عساف للتزويج تعتمد بحسبه على الكثير من «الفراسة» و«الإحساس» ثم «التوكل على الله»، على حد قوله، للتأكد من أن أهل الفتاة لا ينوون شرًا. هذه العملية تعود بشكل كامل للمتصرف نفسه، فلا لجنة خاصة بتقييم الموقف في التصرفية ولا دراسة حقيقية للموقف. «الدراسة» التي يجريها المتصرف لتقدير الخطر هي نقاشه مع موظفيه ومع ذوي الفتاة.

«ومن ثم إذا كانوا متفقين [على الزواج] نستدعي شيخًا لعقد القران، وتذهب جاهة أمام الناس دون أن يعلموا بكتب الكتاب في المتصرفية. في ديننا الإسلامي، السترة جدًا مطلوبة».

التعهد والكفالة المالية والموت المحتمل

عام 2012، سلّم المتصرف حجازي عساف فتاة تغيبت عن المنزل لذويها بعد توقيع والدها لتعهد مالي يضمن سلامتها، وبعد أن وصلت المنزل قام الوالد بقتلها.

عند سؤال عساف عن قيمة التعهد الذي يوقعه ولي أمر الفتاة في حالة كهذه أجاب: «من ينوي أن يقتل سيفعل حتى لو وضعت عليه كفالة بالملايين». اتفاقًا مع هذا الاعتقاد، لا يرى المتصرف جدوى من تحصيل الكفالة بعد وقوع الجريمة.

«أنا وكل زملائي من الحكام الإداريين، لا نسلم فتاة إلا عندما نقتنع بنسبة 99% بأنها في أمان. لكن أحيانًا قد نصادف الـ1% بحيث يستطيع والدها أن يخدعنا، أو يكون ابنه أو أخوه أو ابن عمه حرّضه على الجريمة، حتى لو كان ينوي السترة».

صلاحية مطلقة في التفسير

في محاولة منه لشرح آلية عمله، تطرق المتصرف عساف إلى قضية مرت به في 2014، تظهر حجم الصلاحية الأخلاقية التي يمنحها الحاكم الإداري لنفسه بتفسير المعطيات أمامه. حيث استقبل عساف فتاة كانت قد توجهت بشكوى لإدارة حماية الأسرة، تفيد بتعرضها للتحرش على يد والدها.

استدعى عسّاف الأم والأب إلى مكتبه، ليخبره الأب أن ابنته «ملبوسة» وأنه «أصلًا» يعاني من الضعف الجنسي، وهو ما قالته كذلك والدة الفتاة. هذا كان كافيًا لعساف ليعتبر أن الفتاة كاذبة في ادعائها.

«ناديت البنت ومسحت الأرض بها. قلت لها أنت حيوانة، كيف تقولين ما قلت عن والدك؟ عندها صمتت. لو لكان كلامها صحيحًا لما صمتت. (..) عمرها 17 سنة. تخيل لو لم أتكلم معها؟ لكانت الأسرة كاملة تدمرت. (..) لا بد أن أحدهم حرّضها، حتى يتم توقيف والدها عن طريقي أو عن طريق المحكمة لتأخذ راحتها بعد ذلك كما تشاء».

السجن لحماية الضحية

بعد اتخاذ قرار التوقيف الإداري، لا يتبقى أمام الموقوفة إلا الانتظار. لكن سارة -اسم مستعار- الموقوفة إداريًا في سجن الجويدة للنساء منذ عدة أشهر بحجة حمايتها من والدها، بقرار من حجازي عساف، رفضت ذلك. إذ قررت سارة في تشرين الأول 2014 الإضراب عن الطعام احتجاجًا منها قرار توقيفها تحفظيًا، بعد أن رفض والدها تكفيلها، قبل أن تفكّ إضرابها لتدهور صحتها.

عساف أكد محاولات سارة للضغط عليه من أجل الإفراج عنها، لكنه فضّل ألا يجازف بأن يتعرض لها والدها أو إخوتها بسوء. «قلتهم دعوها تموت مضربة عن الطعام، ولا تموت عن طريقي أنا».

حين سألنا عساف عن حق الفتاة في تقرير مصيرها دون الارتهان لتكفيل والدها أو إخوتها لها، قال: «انظر، هذه المجاملات كلها كلام فارغ. يقولون منظمات حقوق وما حقوق (..) لا يهمني. نحن نظل مسلمين، نظل أولاد بلد وتربطنا أمور عشائرية. الأمور الاجتماعية عندنا أقوى حتى من الدين».

* تم الوصول إلى جزء من مصادر وبيانات هذه السلسلة بتيسير من برنامج «تعزيز الحوار العام حول حقوق الإنسان من خلال الإعلام» والذي تنظمه مؤسسة «صحافيون من أجل حقوق الإنسان» مع معهد الإعلام الأردني.