رأي | Opinion

الغارات الجوية ليست السبيل لتكريم معاذ الكساسبة

السبت 07 شباط 2015
moath-kasasbeh-air-strikes

ترجمة دعاء علي

(نشرت نسخة إنجليزية من هذا المقال على موقع الجزيرة في 6 شباط).

الأردن في حداد. يمكنك رؤية ذلك في شوارع عمان، وخارج سفاراتها في واشنطن ولندن، وفي الإعلام، وعلى تويتر. الصحفي في النيويورك تايمز، نيكولاس كريستوف، امتنع عن نشر صور تظهر معاذ الكساسبة وهو يحترق حتى الموت، بل نشر صورة الطيار ذي الستة وعشرين عامًا مبتسمًا، ملحقةً بالتعليق: «هكذا يجب أن نتذكر معاذ».

يوم الخميس، نفذت المقاتلات الأردنية غارات جوية ضد مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). لم يتم تحديد المواقع التي تم ضربها، لكن صحيفة الجوردان تايمز نقلت أن معظم القذائف سقطت في محافظة الرقة السورية. قد يكون ذلك بداية تحقيق الوعد بالسعي العنيف للانتقام لطيارنا الأردني.

كأردنية، أرفض أن يتم استخدام معاذ الكساسبة كذريعة لشرعنة حرب. أرفض أن يعتبر موت معاذ فرصة لجرّ شعب كامل نحو دعم تدخل عسكري لم نختره نحن؛ تدخل عسكري كنا من البداية نراه مثيرًا للجدل، كونه يطلب منا ضرب بلد عربي آخر هو وطن للعديد من المدنيين قبل أن يكون مكانًا للإرهابيين.

ألم لا مناص منه

طيلة الأشهر الستة الماضية، شنّت الولايات المتحدة وقوات تحالفها، التي تشمل الأردن، 1,689 غارة جوية في العراق وسوريا. وفقًا لبحث نشره معهد بروكنيغز، فإن عملية «العزيمة الأصيلة»* شملت حتى الآن هجمات ضد أكثر من 3,200 هدفًا لـ«داعش». قبل موت طيارنا، كنا نعتبر الاستراتيجية الأمريكية في القضاء على التطرف بالقصف ساذجة وقصيرة النظر.

دعونا نتذكر أن بلدنا، طيلة الأشهر الست الماضية، كان في حالة حرب؛ حرب لم تكن عامة شعبنا جزءًا منها، جزئيًا لأننا لم نوافق عليها، وجزئيًا لأننا اعتدنا كشعب على الانفضاض عن السياسة.

يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نحن كشعب جاهزون للذهاب للحرب؟ إن كان الجواب هو نعم، فعلينا أن نهيئ أنفسنا لخسارة المزيد من الجنود.

لقد كنا جزءًا من هذا التدخل العسكري منذ الثامن من آب الماضي، ولم نفهم تمامًا ما معنى أن نكون جزءًا من تدخل عسكري. خوض الحرب يعني أن الخسائر ستسقط لا محالة. مهما كانت التكنولوجيا الخاصة بنا متطورة، فمعاني الحرب والفقد مترادفة. لقد كان فقدان معاذ مؤلمًا، لكنه كان حتميًا كذلك.

لذا، حين نطلب الثأر ونسير في المظاهرات هاتفين لقصف المناطق التي تسيطر عليها «داعش»، فلنتذكر أننا بذلك نوافق على المشاركة في الحرب. هذا لا يعني فحسب مجموعة جنود يقصفون مناطق صماء من علوّهم الآمن، بل يعني حقيقةً إرسال شباب أردنيين ليخاطروا بحياتهم ويواجهوا الموت؛ يعني المخاطرة باحتمالية هجمات إرهابية انتقامية في المستقبل، ويعني السماح للحكومة في مساعدة الولايات المتحدة في إحدى محاولاتها لـ«محاربة» قوة لا تستطيع فهمها أساسًا.

هل نحن مستعدون للحرب؟

حين مرت الولايات المتحدة بتجربة 11 سبتمبر، استغلت إدارة بوش حزن العامة لصالحها وروّجت للتدخل العسكري في أفغانستان والعراق. بحلول 2004، بدأ الإعلام الأمريكي يصف الحرب بأنها كانت «خطأ». لذا، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نحن كشعب جاهزون للذهاب للحرب؟ إن كان الجواب هو نعم، فعلينا أن نهيئ أنفسنا لخسارة المزيد من الجنود.

الأهم من ذلك، دعونا نكون صادقين مع أنفسنا ونسأل: هل باستطاعنا أن نثق في حكومتنا وفي استعدادها لإبقائنا جزءًا من هذا النقاش بعد أن تحصل على دعمنا للتدخل العسكري؟ هل سيستطيع إعلامنا إبقائنا على اطّلاع على حقائق أرض المعركة؟ هل سيستطيع مواطنوننا الضغط من أجل إنهاء الحرب إذا ارتكبنا نفس الخطأ الأمريكي واكتشفنا بعد بضع سنوات أن حربنا لم تفعل شيئًا سوى توليد المزيد من التطرف؟

فلنتذكر أيضَا أن خوض الحرب سيعني اتخاذ خطوات عملاقة للوراء في حرياتنا المقيدة أصلًا. سيعني ذلك تراجعًا في الشفافية السياسية (أو ما تبقى منها)، وازديادًا في مبررات تقليص حرية الصحافة والمشاركة السياسية. هل نستطيع تحمل كلفة هذا الاتجاه؟

شرعنة حرب أخرى

حين نطلب الانتقام ونهلل للضربات الجوية، فهل نحن نتذكر معاذ الكساسبة؟ هل نوقف بذلك حقًا الموجة المقززة من الفظائع التي ترفع شعار التطرف الإسلامي؟ أم أننا ببساطة نشرعن حربًا أخرى ليس لدى سكان المنطقة طاقة لخوضها؟

العراقيون في محافظة الأنبار-حيث تقع قرية ساجدة الريشاوي التي باتت اليوم أحد معاقل «داعش»- كانوا يومًا جزءًا من مليشيات الصحوات التي أُسست لمساعدة قوات نوري المالكي في محاربة التطرف الإسلامي. قبل أن يقرروا تغيير صفوفهم والانضمام إلى «داعش»، كانوا قد تحملوا قرابة ست سنوات من الاجتياح العسكري الأمريكي ومن حكومة لم تستطع الدفاع عنهم. هؤلاء كانوا المتلقين المباشرين للمسعى الأمريكي للثأر بعد 11 سبتمبر.

معاذ الكساسبة جمع الأردنيين بمعزل عن دياناتهم، أو خلفياتهم، أو عقائدهم السياسية. فلنكرّمه بوسائل تعكس التزامنا بالتعددية والتسامح والعدالة. ففي النهاية، هذه المبادئ الثلاثة هي ما يقف ضد كل ما تؤمن به «داعش».

* الاسم الذي أطلقه البنتاغون على العملية التي تشنها قوات التحالف ضد «داعش».