«نعمة» ترحل بعد انتصار للأردنيات وخسارة في معركتها الخاصة

الإثنين 09 شباط 2015
nimah-habashneh

توفيت صباح أمس نعمة الحباشنة منسقة حملة «أمي أردنية وجنسيتها حق لي»، بعد أن قضت شهورًا تصارع مرض السرطان في «الحسين». بدأت قصة نعمة عام 2006 بعد وفاة زوجها المغربي إثر إصابته بمرض السرطان أيضًا، تاركًا لها أربع بنات وولدين، واحدٌ منهم فقط يحمل الجنسية المغربية، أما الآخرين فلا يملكون أي أوراق ثبوتية، ذلك أن زوجها قبل وفاته لم يكن قد استكمل أوراق أولاده الثبوتية بعد.

بعد وفاة زوجها، بدأت معاناتها مع أولادها في تجديد إقاماتهم، ومراجعة السفارة المغربية ووزارة الداخلية والديوان الملكي وكل دائرة حكومية يمكن أن تساعدها في حل مشكلتها. قدمت الحباشنة للسفارة المغربية شهادة وفاة لزوجها مكتوبة بخط اليد لتستكمل أوراق أولادها، إلا أن الورقة ضاعت وأنكرت السفارة استلامها للشهادة، فسافرت إلى المغرب لترفع هناك قضية تُثبت فيها أن أولادها مغربيين، وقبل نحو شهر انتهت القضية وما تزال الإجراءات فيها تجري وفق تسلسل روتيني.

منذ ذلك الوقت، وبعد أن سُدت كل الأبواب في وجه نعمة، المواطنة الأردنية التي تزوجت من جنسية أخرى، قررت الخروج في أول اعتصام للمطالبة بحق أولادها في الحصول على جنسية أمهم الأردنية، وحيدة تحمل معها قصتها وعزيمتها، ولا تريد سوى إيصال صوتها كمواطنة أردنية ولها حقوق.

في العام 2007 نعمة أطلقت مبادرة «أمي أردنية وجنسيتها حق لي»، حيث انضمت لها أصوات نساء وأمهات وناشطات وناشطين. وفي 29/7/2010 أطلقت الصفحة الخاصة بالحملة على فيسبوك، وكان أول ما كتبته فيها نص المادة المادة السادسة من الدستور الأردني «الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين».

 
 

استطاعت الحملة أن تشكل نواة حقيقة لحراك يطالب بحقوق الأردنيات، وبدأت أصوات رسمية وغير رسمية تلتفت لهذا الحراك وتنضم له وتشيد به، فقد كانت الحملة حراكًا مدنيًا خالصًا، يسلط الضوء على معاناة أبناء الأردنيات، ولم تكن حراكًا سياسيًا على الرغم من أن قرار تنفيذه سياسي.

كانت نعمة تردد أن الحملة جاءت «لتوقظ الآلاف من النساء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين من سبات عميق، ليخرجن إلى الشارع ويقفن على الرصيف مطالبات بحق مشروع بالعيش الكريم مع أبناءهن في وطنهم الأردن بكرامة وبدون تمييز أو تضييق مثلما هو حادث الآن؛ ومنذ بداية تأسيس المملكة التي لم تعترف في يوم من الأيام بأي حق للمرأة الأردنية المتزوجة من غير أردني أسوة بالرجل الأردني الذي حصل على كل الحقوق وحسب الدستور الذي ساوى في المادة السادسة منه بين الأردنيون وان اختلفوا في العرق أو اللون أو الدين»

بعد أن خاضت حربًا لأبناء الوطن جميعًا، خسرت في معركتها في الحصول على حقوق أولادها.

قبل عدة أشهر أقرت الحكومة الأردنية «منح» أبناء الأردنيات مجموعة من المزايا، وهو ما اعتبرته نعمة حقوقًا منقوصة، إلا أن المرض ودخولها المستشفى منعاها من خوض حروب أخرى للحصول على الحقوق الكاملة للمرأة الأردنية وأولادها.

وعلى الرغم من الإنجاز الذي استطاعت تحقيقه بعد سنوات من العمل المثابر، والإصرار على العدالة والمساواة في الحقوق والمواطنة، إلا أن القانون الذي تم إصداره لم يشمل أبناءها، ذلك أنه يشترط ما يُثبت جنسية الابن من جواز سفر أو ما يقوم مقامه، وهو ما لا ينطبق على أبنائها، فبعد أن خاضت حربًا لأبناء الوطن جميعًا، خسرت في معركتها في الحصول على حقوق أولادها.

الناشطة الحقوقية المحامية هديل عبد العزيز ترى أن أكثر ما يميز نعمة أنها كانت «إمرأة بسيطة إلا أنها قررت ألا تتنازل. ودون أن يدربها أحدٌ على التنظيم او قيادة الحملات، بدأت حملة من معاناة، وكانت مدركة للمنظور الحقوقي من عدة زوايا، لا من زاوية نظرية، فقد كانت تتكلم من منظور العدل وقناعتها أن عليها التغيير من أجل أن يعيش أولادها حياةً أفضل‎».

يقول رامي الوكيل، الناشط في الحملة: «قبل أن تدخل نعمة إلى المستشفى الإيطالي تحدثت معها، وقالت: أنا تعبت وآخر شي ما أخذت شي، شعرتُ بالحزن عليها». رامي تعرف على نعمة بعد وفاة والدته التي كانت ناشطة في الحملة وتشارك بالاعتصامات، وصار منذ ذلك اليوم يشارك معها في كافة أنشطة الحملة ويدير صفحتها على الفيسبوك، ويصف شعوره حين كان يعمل معها «كنت كثير سعيد إني بتعلم منها، لأنها إنسانة رائعة ومخها وتفكيرها كبير، وكانت إنسانة قوية».

الإعلامي محمد شمّا اختصر مشهد إنجازات نعمة قائلاً:

أي ألم هذا الذي عاشته «نعمة» في حياتها، تلك الأم التي جعلت من وجعها الخاص وجعًا عامًا اشتبك مع أواجع أمهات أخريات يطالبن بحق «المساواة مع الرجل في الجنسية لأبنائهن». أي طاقة تلك التي كانت عليها تلك السيدة التي عاشت حياتها ببساطة. امرأة استطاعت أن تجعل كثير من أمهاتنا المتشابهات بحالها مصدر ضغط مدني حقيقي على الدولة ومن ثم المجتمع المدني. كم كان حراكها صامدًا أمام عظمة ألمها وآلام أمهاتنا وفي أن تصبح قضيتهن قضية «رأي عام» فهو أول انتصار «والقادم أعظم يا محمد» هكذا كانت تقول لي دومًا.

رحلت نعمة الحباشنة، إلا أنها تركت وراءها إرثًا من الإنجازات والانتصارات المتراكمة، وبنَت جيلًا بوعيٍ جمعيٍ يدرك أهمية العدالة والمساواة كحجر أساس في المواطنة الحقّة، ليكمل من بعدها معركة استكمال حقوق أبناء وبنات الأردنيات كجزء من نسيج هذا الوطن، يعيش فيه بكرامة، ويحظى بحقوقه كإنسان ومواطن.