pay-gap-education

المدارس الخاصة: تمييز ضد المعلّمات ورواتب دون الحد الأدنى

المدارس الخاصة: تمييز ضد المعلّمات ورواتب دون الحد الأدنى

الإثنين 09 آذار 2015

عندما حصلت شروق الشوابكة على وظيفة معلمّة في مدرسة خاصة في منطقة سحاب براتب 190 دينارًا في الشهر، لم تفكر مطلقًا أن تفاوض للحصول على راتب أعلى، على الرغم من قناعتها «إنه قليل جدًا عالمعلم».

«حسّيت إنه (..) أحسن من مدارس خاصة أخرى حوالينا في المنطقة، لأن الرواتب كتير متدنية»، تقول الشوابكة، وتضيف أنها عملت من قبل في مدرسة براتب 140 دينارًا، «وما زالوا زميلاتي متعينين بـ140 دينار. عشان هيك في المنطقة حسّيت إنه هاي أحسن مدرسة كراتب».

قد تكون الشوابكة محظوظة فعلًا مقارنة بغيرها من معلمّات المدارس الخاصة لتلقّيها 190 دينارًا شهريًا، وهو الحد الأدنى للأجور في الأردن. فبحسب دراسة حول فجوة الأجور بين الجنسين في قطاع التعليم الخاص في الأردن شملت 214 موظفًا وموظفة في 20 مدرسة خاصة موزعة على مناطق المملكة المختلفة، أجابت 27 بالمئة من النساء المشمولات بالدراسة بأنهن يتلقّين راتبًا شهريًا أقل من 190 دينارًا، فيما تتلقّى 37 بالمئة من النساء في العيّنة 190 دينارًا بالضبط.

تبيّن هذه الدراسة التي أطلقتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع اللجنة الأردنية للإنصاف في الأجور عام 2013 أن فجوة الأجور بين الذكور والإناث في المدارس الخاصة في الأردن تبلغ 42 بالمئة. ومع أن الفجوة في الأجور بين الجنسين لا تقتصر بأية حال على قطاع التعليم، إلا أن اللجنة اختارت التركيز بداية على قطاع التعليم الخاص «لأن الفجوة فيه كبيرة، وللوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من النساء العاملات في القطاع الخاص لأنهن متمركزات في التعليم»، بحسب ريم أصلان، مستشارة منظمة العمل الدولية في موضوع الإنصاف في الأجور والناشطة في مجال التمكين الاقتصادي للمرأة.

schools780-03

المشاركة الاقتصادية للمرأة في الأردن ضعيفة أساسًا، إذ يبلغ معدّل البطالة بين الإناث 22.2 بالمئة، ولا تشكل النساء سوى 15.6 بالمئة من العدد الكلي للمشتغلين الأردنيين، معظمهن في قطاع التعليم، إذ تبلغ نسبة العاملات فيه 41.7 بالمئة من جميع النساء المشتغلات في الأردن.

خيارات محدودة وخوف من الاحتجاج

schools٢-01«نحن في بيئة محافظة، فش مجال الواحدة تشتغل إلا معلمة»، تقول الشوابكة، وترى أن هذا أحد الأسباب التي تمنعها وزميلاتها من المطالبة بأجور أعلى. «نسبة المتعلمين كتير كبيرة، خاصة الإناث، فإذا وحدة اعترضت بجيبوا غيرها عادي، في طلبات كثيرة في المدارس الخاصة».

هذا ما واجهه رئيس مديرية تفتيش عمل عمَّان في وزارة العمل، كمال المعاني، لدى محاولته تحريض عدد من المعلمات اللواتي يتقاضين رواتب أقل من الحد الأدنى للأجور على التقدم بشكاوى رسمية أو التوقف عن العمل احتجاجًا. يقول المعاني إن «ما كان يردعهن هو الخوف من الاستبدال، وبرأيي لو توقفت 15 معلمة معًا، سيكون من الصعب على المشغل أو صاحب العمل تأمين 15 بديلًا في الفترة ذاتها».

يقول المعاني أن معظم المعلمات في المدارس الخاصة لا يستلمن الحد الأدنى للأجور، خصوصًا في محافظات الشمال وفي شرق عمّان، مضيفًا أن وزارة العمل اتخذت إجراءات قانونية في أكثر من مدرسة «ولكن للأسف في المحاكم أسقطت القضايا بسبب توقيع المعلمات على عقود أنهن يستلمن الحد الأدنى». وحتى بعد ضغط الوزارة على المدارس لتسليم الرواتب حسب نظام التحويلات البنكية لضمان الالتزام بالحد الأدنى للأجور، «بعد أن يستلمن الرواتب يقمن بإرجاع نسبة معينة منه حسب الاتفاقيات معهم».

في إحدى المدارس الخاصة في الرمثا، قابل فريق «حبر» عددًا من المعلمات اللواتي أكّدن أنهن يتقاضين أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور على الرغم من توقيعهن على عقود تضمن الحد الأدنى. شاهدوا الفيديو.

المعلمة نهى ميّاس، التي تدرّس مادة الرياضيات للصف العاشر، تقول إن عقد العمل الذي وقّعت عليه ينص على راتب 190 دينارًا شهريًا، «بس هاي شكلية، عالورق، استلام الراتب ١٠٠ دينار».

تعاني ميّاس أيضًا، كغيرها من المعلمات في كثير من المدارس الخاصة، من أن عقد العمل ينتهي في حزيران من كل عام مع بداية العطلة الصيفية، فلا تستلم المعلمات أجر شهري تموز وآب، ليُجدد العقد مرة أخرى مع بداية السنة الدراسية اللاحقة.

مديرة المدرسة شمّة حداد تقول أن هذه الممارسة سائدة في معظم المدارس الخاصة، وفي الوقت الذي تبرر فيه ذلك بتدني الأقساط وارتفاع تكاليف إنشاء المدرسة، إلا أنها تعود وتؤكد أن «المعلّم مظلوم.. لكن هذا الموجود بالسوق».

تحتج المعلّمات في هذه المدرسة الخاصة في الرمثا، لكن الأمر لا يصل بهن للتقدّم بشكوى رسمية، وأقصى ما يطالبن به هو «بدل مواصلات».

«أنا تمسّكت بهاي الوظيفة مشان الخبرة»، تقول ميّاس. «الخبرة ضرورية للمعلّم عشان في حال تعيّن دوام حكومي، تقتطع منه سنوات الخبرة».

يعلو معدّل الأجور في القطاع العام في الأردن على المعدل في القطاع الخاص، ورغم وجود فجوة في الأجور بين الجنسين في القطاع العام، إلا أنها أقل حدة من القطاع الخاص، وهي ناتجة في الغالب عن العلاوة العائلية التي يحصل بموجبها الموظف المتزوج على عشرين دينارًا شهريًا «إذا كان له أولاد لا تزيد أعمارهم عن 18 سنة» بحسب المادة (25) من نظام الخدمة المدنية، فيما تحرم الموظفة المتزوجة من هذه العلاوة إلا «إذا كان زوجها مقعدًا أو كانت معيلة لأولادها أومطلقة لا تتقاضى نفقة شرعية عن أولادها وكانت أعمارهم لا تزيد على (18) سنة».

مبررات المالكين والتمييز بين الموظفين والموظفات

في مدرسة خاصة ابتدائية في منطقة أم البساتين قرب مادبا، عملت منى أبو الروس لمدّة عشرين عامًا كمديرة ومعلّمة قبل أن تتقاعد في عام 2009، وبلغ راتبها الشهري قبل التقاعد 100 دينار.

تقول أبو الروس إنها لم تطلب يومًا زيادة في الراتب. «كنت مرتاحة نفسيًا، المواصلات مؤمنة، إضافة إلى الضمان الاجتماعي». وتضيف أن جميع المدارس في المنطقة «أقساطها قليلة ورواتبها متدنية»، موضحة أن السبب الذي يدفع الآباء لتسجيل أبنائهم وبناتهم في هذه المدارس الخاصة عوضًا عن الحكومية هو أن «المدرسة الحكومية الوحيدة بعيدة وعلى الشارع الرئيسي الذي يمر فيه قلابات لذلك كان الأهل يخافون على أولادهم».

صاحبة مدرسة خاصة أخرى في مادبا فضّلت عدم الكشف عن اسمها تقول إن «الحد الأدنى للأجور لا ينبغي أن يكون متساويًا في جميع المدارس، بل يخضع لتصنيف حسب أقساط المدرسة. المدرسة اللي أقساطها 1000 دينار في السنة مش زي اللي أقساطها 250».

المعلمات يقبلن بأجور تقل عن بقية الموظفين في المدرسة ذاتها، من سائقي باصات، عاملي النظافة أو الإداريين.

كمال المعاني يرفض هذا المبرر. «أنا واثق 100% أنه لا يوجد مدرسة خاصة خاسرة اقتصاديًا، والغريب أن المعلمات يقبلن بأجور تقل عن بقية الموظفين في المدرسة ذاتها، من سائقي باصات، عاملي النظافة أو الإداريين».

يضيف المعاني أن هناك فجوة عالية جدًا بين رواتب المعلمين والمعلمات، فلا يوجد معلم يقبل بأقل من 300 دينار كحد أدنى، «هذا بالإضافة إلى استفادة بعض المعلمين الذكور من إعطاء الدروس الخصوصية للطلبة وذلك حسب المادة التي يدرسها وخبرته العملية».

لا تقبل المعلّمات بأجر أقل فحسب، بل يتولّين مجموعة من المسؤوليات الإضافية في المدرسة إلى جانب للتدريس. «ما أتوقع أي معلم يقبل»، تقول الشوابكة. «يعني أنا كمان مسؤولة إذاعة، مسؤولة جولات، مسؤولة انتظار».

وتضيف أن «الرجل هو المسؤول الأول عن الصرف على البيت، مستحيل الـ190 بكفّوه. أما الأنثى (..) مجرد مساعدة، عشان هيك بتقبل 190».

تعديلات تشريعية وحملات تمكين

تعمل نقابة المعلمين مع المؤسسات المعنية مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة العمل ونقابة أصحاب المدارس الخاصة ونقابة العاملين في القطاع الخاص من أجل تعديل النظام الخاص بالمؤسسات التعليمية الخاصة، بحسب رئيسة لجنة التعليم الخاص في النقابة عبير الأخرس.

تقول الأخرس إن «أهمية هذا النظام تكمن في وضع إطار تشريعي موحد لكافة المؤسسات التعليمية الخاصة في المملكة، بعيدًا عن الكثير من التجاوزات والانتهاكات التي لامسها ميدان المعلمين». وتؤكد أن النقابة تعمل مع وزارة العمل من أجل تعديل عقد العمل الموحد بما يضمن حقوق المعلمين في القطاع الخاص.

المسودة المقترحة للنظام تتضمن مادة حول العقد الموحد، ليست موجودة في النظام الساري، وتنص على أن تكون مدة السنة التعاقدية بين المعلم والمؤسسة التعليمية الخاصة اثني عشر شهرًا.

قانون العمل الأردني لا يتضمن نصًا صريحًا يتعلّق بمبدأ «المساواة في الأجر بين الرجال والنساء عن العمل ذي القيمة المساوية» المنصوص عليه في اتفاقية منظمة العمل الدولية للمساواة في الأجور لعام 1951 (رقم 100) والتي صادق عليها الأردن عام 1966.

schools٢-04في مراجعة قانونية للتشريعات الوطنية الأردنية المتعلقة بالإنصاف في الأجور نشرتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع اللجنة الأردنية للإنصاف في الأجور، قُدّمت توصيات لتعديلات على قانون العمل ونظام الخدمة المدنية والتشريعات الأخرى ذات العلاقة من أجل ضمان عدم التمييز في الاستخدام وتعزيز حماية الأجور. لكن التحدي الأكبر ليس في التشريع بل في ترجمته على أرض الواقع، بحسب أصلان. «في السابق كان هنالك حالة إنكار لوجود مشكلة الفجوة في الأجور، الآن هنالك اعتراف رسمي بالمشكلة لكن ينبغي العمل على القاعدة».

لتحقيق هذا الهدف أطلقت اللجنة الأردنية للإنصاف في الأجور نهاية الشهر الماضي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ومؤسسة «أهل» للتنظيم المجتمعي حملة في مدارس خاصة في إربد لتمكين معلّمي ومعلمات هذه المدارس من التفاوض على أجور عادلة وظروف عمل أفضل.

تسعى الحملة لـ«نشر ثقافة الوعي بالحقوق والواجبات»، بحسب المعاني. «للأسف، إن من يتملكهن الخوف هنّ نساء مثقفات ومربيات أجيال ومتعلمات وخريجات جامعات، ولكن هناك جهل وعدم وعي في معرفة الحقوق والمطالب التي يوفرها لهن القانون».