رأي | Opinion

ألم يحن الأوان لينصف الإصلاح القانوني النساء المطلّقات في الأردن؟

الخميس 19 آذار 2015
Rula Amin

بقلم نسرين العلمي*، ترجمة دعاء علي

يوم الإثنين 16 آذار، اعتقلت في عمّان إحدى أبرز الصحفيات العربيات، رولا الأمين، على خلفية قضية حضانة ابنتها ذات الستة أعوام، ليُطلق سراحها في اليوم التالي بعد حملة مناصرة واسعة النطاق محليًا وإقليميًا وعالميًا. استند الاعتقال إلى استئناف لقرار قضائي  بالضم المستعجل كان قد  منح الحضانة للأم، وقرارات الضم المستعجل تستخدم عادة كإجراء لحماية مصلحة الأطفال، نظرًا إلى أن قضايا الحضانة قد تمتد لفترات طويلة في محاكمنا الشرعية. إطلاق سراح رولا تم بعد سلسلة من الإجراءات القانونية لإبطال الاستئناف، ولا تزال القضية منظورة أمام المحكمة في انتظار الحكم النهائي.

لم يكن الاهتمام العام بهذه القضية منطلقاً الحرص على سلامة الطفلة فحسب، أو في التعاطف مع حقوق أم مطلقة، بل كان ذلك بسبب التجاوزات الواضحة في تعامل المؤسسات القضائية مع هذه القضية، تلك المؤسسات التي وجدت لتثبيت سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين. لقد تبين أن استئناف قرار المحكمة «الضم المستعجل»لم يكن قانونيًا، لكنه رغم ذلك صدر عن قاضٍ شرعي ومُرر إلى جهاز التنفيذ القضائي في المحكمة، الذي أصدر بدوره إخطارًا للأم بتسليم ابنتها للأب خلال سبعة أيام من 15 آذار. إلا أن الشرطة اعتقلت الأم خلال أقل من 24 ساعة من التبليغ.

ضجّت شبكات الإعلام الاجتماعي والصحف والقنوات العربية حالما انتشر خبر اعتقال الأم. أصدقاء رولا، والناشطون لحقوق المرأة، وصحفيون بارزون، وسياسيون عبروا عن قلقهم تجاه خروقات العدالة في هذه القضية والأذى الواقع على الطفلة، فيما اختار آخرون الانسياق وراء شائعات أطلقها طليق رولا في مسعى لخدش سمعتها ومصداقياتها.

كمستشارة سابقة لشؤون النوع الاجتماعي في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، لدي إيمان كبيرباهمية أنظمة الحكم والمحاسبة كسبيل لتحقيق الحقوق القانونية للنساء. وخلال متابعتي لهذه القضية منذ آب 2013، لطالما أذهلني الغياب الكامل لأي رقابة ومحاسبة في أنظمة المحاكم الشرعية. لقد صعقت لمعرفة أن للقضاة سلطة لا يمكن التشكيك بها حتى في الحالات التي يسيئون فيها تطبيق القانون، عن قصد أو عن غير قصد. من الواضح لي، رغم الإصلاحات الملموسة في قانون الأحوال الشخصية الأردني، أن هذه الإصلاحات ستظل ناقصة وبلا معنى طالما أنها لا تتضمن آليات رقابة ومحاسبة تحمي النساء من الأحكام الخاطئة والممارسات التي تميّز ضدهن. إن تقدمنا تجاه قانون أحوال شخصية أكثر إنصافًا للنساء سيظل بلا قيمة إذا لم يعالج مسألتين أساسيتين: أولًا، الرقابة والمحاسبة، وثانيًا الاعتراف بتبني الكثير من القضاة والمسؤولين في محاكمنا الشرعية -وجميعهم ذكور- لمبادئ أبوية تميز ضد النساء. زيارة واحدة لأي محكمة شرعية كفيلة بإظهار آلاف حالات الظلم التي تعيشها النساء يوميًا، في قضايا تمس حياة أطفالهن وعائلاتهن وحقوقهن.

حين اعتقلت رولا، رأى كثيرون أن اعتقال «أم» همها الوحيد هو سلامة طفلتها وجريمتها الوحيدة هي ضغينة رجل ذكوري ذي مال وأصدقاء في مواقع سلطة، هو سابقة في تاريخ القضاء الأردني، لكنني أشك في ذلك. لقد أدّى صيت رولا ومصداقيتها العالية في الأردن والمنطقة وخارجها إلى تسليط الضوء على النظام القضائي الأردني، لكن النساء في قضايا أخرى مشابهة لن يكن محظوظات بذات القدر.

أدّى صيت رولا ومصداقيتها العالية في الأردن والمنطقة وخارجها إلى تسليط الضوء على النظام القضائي الأردني، لكن النساء في قضايا أخرى مشابهة لن يكن محظوظات بذات القدر.

بعض التعليقات على فيسبوك أشارت إلى أن رولا خرقت أمر المحكمة، مما يبرر اعتقالها. ورغم أن هذا الادعاء قابل للنقاش نظرًا إلى أنقرار الاستيناف لم يكن قانونيا وان الشرطة لم تحترم مهلة السبعة أيام المنصوص عليها في قرار التنفيذ، فمن المهم أن نفهم أن قوة النظام والقانون تكمن في نزاهته. حين تُفقد هذه النزاهة، لا يمكن مطالبة المواطن بالانصياع واحترام القانون وتنفيذه. ومن الواضح أن في قضية حضانة هذه الطفلة قصور كثيرة فيما يخص النزاهة. إن الاضطراب في استصدار قرارات المحكمة، والأحكام المتناقضة، ورفض النظر في الأدلة المتعلقة بمزاعم سفر الأم المتكرر، وإصدار استئنافات من محاكم لا صلاحية لها في القضية، والإجراءات غير القانونية، والملفات المفقودة، والتنفيذ المتأخر أو المعجل – كل هذه الخروقات تثير تساؤلات حقيقية تجعل قرارات المحكمة غير جديرة بالامتثال لها ما لم يتم معالجها.

هذا الخرق للعدالة تم في آذار، الشهر الذي يتحفل فيه الأردن بحماس شديد بيوم المرأة العالمي، الشهر الذي تجتمع فيه حكومات العالم بما فيه الأردن في نيويورك أمام الأمم المتحدة لتؤكد التزامها بحقوق المرأة وسرد الإنجازات التي حققتها للقضاء على التمييز ضد النساء في قوانينها وممارساتها وخدماتها وموازناتها. وهو كذلك الشهر الذي نحتفي فيه بأمهاتنا، كل الأمهات؛ مطلقات وأرامل، عاملات وفقيرات، أميات ومتمكنات. لكن في الأردن هذه السنة، سوف تنغّض قصة رولا الاحتفالات الوطنية بيوم المرأة العالمي وعيد الأم؛ وتذكر هذه القصة بآلاف الأمهات التوالي خذلهن النظام القضائي الأردني.

أملي في آذار هذا العام هو أن يتم مراجعة كيفية تعامل القضاء مع قضية رولا وأن يُحاسب المسؤولون عن الأخطاء التي ارتكبت. وبعيدًا عن هذه القضية، آمل أن نتعلم من قصة رولا ما ينبغي أن يكون شكل الإصلاح الحقيقي المطلوب في نظامنا القضائي، وأن نعترف أن حتى أكثر مؤسساتنا احترامًا قد تحركها أفكار تعارض حقوق المرأة وتقلل من شأن سيادة القانون. ما من مؤسسة يجب أن تستثنى من احترام سيادة القانون وحماية المواطنين الأردنيين، وخصوصًا النساء والفتيات منهم.

* نسرين العلمي عملت كمستشارة سياسات الحكم والتخطيط الوطني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة. بين عامي 2002 و2012، قادت العلمي عمل صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة في مجال موازنات نوع الاجتماعي.