رأي | Opinion

جرائم «الشرف» في الإعلام الأردني

الخميس 02 نيسان 2015
honor-crimes-in-media-jordan

تمخضت جهود الأردنيين والأردنيات المناهضين للعنف ضد المرأة منذ تسعينات القرن الماضي عن إظهار ما يسمى بجرائم الشرف على الساحة المحلية بصفتها آفة ينبغي استئصالها. حيث أثمرت جهود العديدين، على مدى عشرين عامًا أو يزيد، عن إنجازات لا ينبغي التقليل من شأنها: أولها وربما أهمها وسم هذا النوع من العنف ضد النساء بالجريمة والكشف عن تفشي هذه الظاهرة في المجتمع الأردني. فتسمية الأمور بأسمائها وكشف الطابع المنظّم – أي غير الفردي – لأنماط العنف ضد المرأة فعل سياسي بامتياز. وإن كنا اليوم لا نزال نرزح تحت وطأة جرائم «الشرف» وغيرها من ألوان العنف ضد المرأة، وإن كنا لا نزال نخوض معركة تغيير الفكر المجتمعي السائد حول مفهوم الشرف وحقوق المرأة عامة، إلا أننا شهدنا تحولًا إيجابيًا في هذه القضية حيث دخلت جرائم «الشرف» الأجندة السياسية والإعلامية بإلحاح وغدت قضية وطنية يصعب تجاهلها، تفرد لها الأعمدة الصحفية والمساحات الإخبارية.

إلا أن دخول جرائم «الشرف» إلى الخطاب العام وخاصة الخطاب الإعلامي يمثل فارقة تستدعي الوقوف عندها. فمن جهة، تتصدر هذه الجرائم الأخبار المحلية باستمرار وبوتيرة دائمة، ونلحظ ما يشبه التوسيم العالمي للأردن كبلد يعاني من هذه المشكلة (جنبًا إلى جنب مع باكستان حيث تحصد جرائم «الشرف» أرواح المئات سنويًا) – ولا إنكار لأهمية الخطاب الإعلامي لرفع الوعي وحشد التأييد لمناهضة مثل هذه الجرائم، لا سيما وأن الإعلام الأردني قد تخلى عن دوره السابق كطرف صامت ومتستر على العنف ضد المرأة واتخذ له دورًا جديدًا كمنصة لإظهار هذا العنف. إلا أن علينا أن نعاين هذا الدور بتجرد يأخذ بعين الاعتبار المعطيات الأهم في عمل الإعلام: فالإعلام، بحكم ميله للروتينية كقيمة وظيفية طاغية في مؤسساته، قد حوّل جرائم «الشرف» إلى مجرد تقارير مقتضبة في قسم المحليات، تتبع نموذجًا محددًا وموحدًا في الصياغة والأسلوب، يمكن للقارئ أن يعيده عن ظهر قلب. وينتج جراء هذه الروتينية الحاصلة في التغطية الإعلامية ترتيب غير معلن للجرائم بناء على قيمتها الإعلامية واستقطابها للقراء. لذا نجد اهتمامًا واسعًا بأخبار الجرائم بالغة العنف (أو تلك التي ترتكب بطرق غير مألوفة) منذ لحظة حصولها وحتى النطق بالحكم، في حين لا نجد نفس الاهتمام بالجرائم التي تعد أقل عنفًا أو أكثر اعتيادية في أسلوب ارتكابها (وإن أفضت إلى الموت هي الأخرى). تنتهي بنا ثنائية الروتينية-الانتقائية في تغطية جرائم «الشرف» إلى الحال الذي نحن عليه الآن، حيث يصعب تتبع تطور الكثير من القضايا إعلاميًا1، وتغدو أغلب هذه الجرائم مجرد أخبار ضمن أخبار أخرى يضج بها القراء والقارئات ولا تستثير أي رد فعل يذكر.

الخطاب الإعلامي يساهم أيضًا بإعادة إنتاج الخطاب الأبوي السائد حول مفهوم الشرف، مختزلًا إياه في عذرية الجسد الأنثوي.

من جهة أخرى، علينا أن لا نغفل حقيقة أن هذا الخطاب الإعلامي ذاته يساهم أيضًا بإعادة إنتاج الخطاب الأبوي السائد حول مفهوم الشرف، مختزلًا إياه في عذرية الجسد الأنثوي. يتجلى هذا الدور بوجود ما أسمّيه «سطر حالة غشاء البكارة» في التقارير الإخبارية أو الأعمدة التي تصر على إظهار تضامنها مع ضحايا جرائم «الشرف» من خلال التأكيد على عذريتهن، أي بعبارة أخرى من خلال التأكيد على ذنب غيرهن في حال لم ينطبق شرط العذرية عليهن2. هذا السطر، «وأظهر تقرير الطب الشرعي أن الضحية كانت عذراء» أو «أظهرت التقارير أن أغلب الضحايا عذراوات»، يختصر التناقضات الكثيرة حول قضية جرائم «الشرف» وقضية المرأة الأردنية ككل. ففي ضوء قصور الجهود الرسمية للتصدي لهذه الجرائم من خلال بدء حوار وطني جاد حول حقوق المرأة والعنف ضدها، بل وتماهي الدولة مع النظام الأبوي كوجهين لعملة واحدة، وهيمنة الخطاب الديني والاجتماعي الرجعي، ورغبة الإعلام والدولة الأردنيين بإضفاء صفة مناصرة قضايا المرأة على أنفسهما، والضغوط الحقوق-إنسانية المحلية والدولية باتجاه إيجاد حل لمشكلة العنف ضد النساء الأردنيات، في ضوء هذا كله يولد «سطر حالة غشاء البكارة» (كما التعديلات القانونية على المادة ٣٤٠ من قانون العقوبات في عام ٢٠٠١)3 مسخًا مدللًا على عدم نضج الوعي العام بما يكفي لرفض العنف جملة وتفصيلًا.4

بيد أن «سطر حالة غشاء البكارة» ليس إلا عارضًا آنيًا من عوارض قصور المعالجة الإعلامية الأردنية، والتي هي نتاج النظام الأبوي الذي نرتع فيه دولة ومجتمعًا وأفرادًا، لجرائم «الشرف». حيث أن متابعة الخطاب الإعلامي الأردني تكشف عن انحسار استخدام هذا السطر وتغير في صياغة أخبار العنف المفضي للقتل ضد النساء ليصبح ناتجًا عن «خلافات عائلية». وإن كان من الصعب تحديد أسباب هذه الجرائم بسبب غموض الصياغة الإعلامية وانعدام المتابعة إلا في الحالات الاستثنائية، فلنا أن نتساءل إن كانت لغة «الخلافات العائلية» تخفي تحت ستارها جرائم بداعي الشرف وتؤشر لعودة هذه الجرائم إلى الظل، أي خارج التغطية الإعلامية. وإن تأكدت هذه الشكوك، نعود إلى نقطة الصفر ويدور القصور الإعلامي نحو جرائم «الشرف» دورته كاملة: فتتحول هذه من جرائم لامرئية ترتكب بحق نساء كثيرات بلا تغطية إعلامية تذكر، إلى جرائم «شرف» روتينية يختزل الإعلام في تغطيتها حق الضحية في الحياة في غشاء بكارتها، إلى جرائم «عائلية» خاصة، غير ممنهجة وغير ذات وقع خارج نطاق العائلة الضيق.

على الرغم من نجاح الجهود الرامية لإدخال جرائم «الشرف» في قاموس العنف المنظم ضد المرأة في الأردن كممارسة ينبغي محاربتها، إلا أن تعاطي الإعلام الأردني معها لا يزال مقيدًا بتعاطف الإعلاميين ضمنياً أو صراحة مع القاتل، وتماهي التغطية الإعلامية مع الثقافة الأبوية السائدة. فبين الانتقائية والروتينية في التغطية، والتركيز على مسؤولية الضحية في إثبات براءتها والتوجه نحو تحييد الجريمة تحت غطاء «الخلافات العائلية»، يتضح دور الإعلام الأردني كناطق باسم النظام الأبوي وكمرآة لفشل -بل رفض- الدولة الأردنية الالتزام بسلامة مواطناتها وحقهن في الحياة بلا خوف من عنف أو تمييز.

——-

1 تبذل القائمات على مجموعة «لا شرف في الجريمة» مجهودًا ينبغي الإشادة به من حيث توثيق الجرائم في أرشيف متوفر على الإنترنت، كما العديد من المشاريع الأخرى فائقة الأهمية من جهة تحديها للخطاب السائد حول مفهوم الشرف وتوثيق قصص ضحايا هذه الجرائم ومتابعة التغطية الإعلامية.

2 عالجت الصحفية دلال سلامة هذا القصور الإعلامي بوضوح وبلا مواربة في مجلة السجل، في مقال بعنوان «جرائم الشرف: الإعلام يساند القاتل محاباة للمجتمع» نشر عام 2008.

3 وسّعت هذه التعديلات تطبيق العذر المخفف ليشمل الزوجة، فلم يعد حكرًا على «من فوجئ بزوجته او احدى أصوله او فروعه او أخواته» وبذلك حققت التعديلات أمرين: سمحت للمشرع الأردني بالظهور بمظهر المساوي بين الرجل والمرأة (سطحيًا وفي حالة ارتكاب الجريمة — أي بتوسيع مفهوم جريمة «الشرف» تقنياً لتشمل المرأة وفي حالة واحدة فقط) مع التأكيد على الحق المطلق للرجل الأردني بقتل المرأة المرتبطة به بأي شكل من الأشكال المذكورة، أي مع إبقاء المشكل الأساسي وهو العذر المخفف.

4 يظهر «سطر حالة غشاء البكارة» بشكل واضح في المقالات والأعمدة التي قمت بتحليلها خلال تحضيري لأطروحة الدكتوراة في دراسات المرأة والتي ركزت على التحليل النقدي لتغطية الإعلام الأردني للقضايا المتعلقة بالعذرية، مثل فحوص العذرية وإعادة ترقيع غشاء البكارة وجرائم «الشرف»، في الأعوام 2008-2010.

—–

الصورة من موقع shutterstock