تطبيقات الاحتلال: ليست تحررية، بل طريقة لجني المال

الإثنين 27 نيسان 2015
qalandia-checkpoint

بقلم هيلغا طويل – صوري، ترجمة عمر الريّس

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة Jacobin الشهر الماضي).

أرسل «Q» إلى رقم 37117 على شبكة جوال لتحصل على ملخص سريع لأوضاع السير على حاجز قلنديا.

يبدو ذلك مفيدًا، فحاجز قلنديا ما زال أكثر الحواجز حركة في الضفة الغربية، فهو يخدم عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعبرونه يوميًا. بني الحاجز عام 2001، وبدأ الجيش الإسرائيلي بتشغيله على مدار الساعة منذ أواخر عام 2002، و تمت إعادة تصنيفه كمحطة في عام 2005.

بالنسبة للجيش، يعتبر ذلك المرفق معبرًا حدوديًا، وبالطبع، فإن هذا الوصف لا معنى له لأن إسرائيل لم تعلن حتى هذه اللحظة أين تقع حدودها بالضبط. تصل قلنديا جميع مناطق شمال ووسط الضفة الغربية – بما فيهم مدن مثل رام الله ونابلس – بالقدس ومناطق أخرى في إسرائيل، ولكنها لا تقع على أي خط حدودي بل تقع على الجانب الفلسطيني من الخط الأخضر، وتفصل فلسطينيي جنوب الضفة الغربية، في مدن مثل بيت لحم، أريحا، والخليل، عن المناطق الأبعد شمالًا.

يجبر حاجز قلنديا العابرين على المرور بتقنيات إسرائيل الأمنية. من الدخول من ممرات محصنة، إلى المرور في أبواب دوارة يتحكم بها عن بعد، إلى مسح بطاقات التعريف الممغنطة بأجهزة خاصة، إلى عرض المعاملات الورقية على مرآة أحادية الجهة، إلى تمرير الجسم والحاجيات في أجهزة كشف مختلفة: فالتفاعل بين المشاة الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي افتراضي ومجرد بالكامل. التواصل يكون باتجاه واحد، باستخدام مكبر للصوت.

يكون التواصل شخصيًا أكثر لمن يمر بباص أو سيارة خاصة: فبين الحواجز المتحكم بها عن بعد، والأسياج الشائكة، والأبواب الحديدية التي يصل طولها لثمانية أقدام (2.5 متر تقريبًا) المبنية في الحاجز الأمني، هناك فرصة للتعرض للاستجواب من قبل جنود وحرس حدود وشرطة وحرس خاص.

مقابل هذا «الأمن» المنظم هناك بيئة فوضوية من الزوامير والشتائم والتلاكم، وبائعي الطرق الذين يعرضون سلعهم، وبحشود (أغلبها ذكور) متدافعة مع بعضها ومع الأسوار الحديدية، وسط جو مليء بالغبار والكؤوس البلاستيكية المستعملة وطبقات متراكمة من الكتابات الجدارية وقطع الجدران المحطمة وأعقاب السجائر ودخان عوادم السيارات.

لذلك من المفيد لمستخدمي شركة جوال من المتوجهين للمعبر أن يعلموا مسبقًا إن كانوا سيقضون ساعة أم ثلاث.

يمدح خبراء التكنولوجيا والمستثمرين الجدد والصحفيين التقنيات المماثلة لخدمة «Q»، ويصفوها بمحررة للفلسطينيين. جاءت خدمة جوال هذه متأخرة مقارنة بسوق التطبيقات الهاتفية التي تستهدف تنقل الفلسطينيين.

ففي عام 2010، ظهرت خدمة رسائل نصية باسم «أزمة» سمحت لمستخدمي الهواتف النقالة أن يرسلوا ويستقبلوا رسائل حول الأوضاع المرورية في كل مكان في الضفة الغربية. وأطلق في غزة مؤخرًا تطبيق مستوحى من تطبيق «Uber» باسم «وصّلني» سمح للمستخدمين بإيجاد من يشاركهم بركوب سيارة أجرة. أما خدمة «Q»، المقدمة من قبل أول وأكبر شبكة اتصالات فلسطينية (جوال)، فهي فقط تستهدف السوق المتخصص للحواجز المتخصصة.

 وجود خدمة رسائل نصية بهدف جني الأرباح من حاجة الناس للمرور بحاجز عسكري إسرائيلي  يؤشر إلى إمكانيات الإبداع التقني والاقتصادي تحت الاحتلال وقيوده في آن واحد.

في عام 2012، أُسست مجموعة على الفيسبوك باسم «Qalandia Conditions». تعتمد على مشاركة أعضاء المجموعة لتجاربهم المرورية وتسمح لهم بنشر الأخبار المرورية والصور ومقاطع الفيديو، بالإضافة إلى النكات والشكاوى.

هناك فروقات تكنولوجية واقتصادية بين هاتين المبادرتين. فـ«أزمة» متوفرة فقط لأصحاب الهواتف النقالة، و«Q» متوفرة فقط لأصحاب هواتف بخط جوال. «وصّلني» عبارة عن نتاج لمجموعة «Gaza Sky Geeks»، وهي مجموعة ممولة من العديد من المنظمات غير الحكومية الغربية الباحثة عن الروح التكنولوجية الاستثمارية في قطاع غزة.

ولدت «أزمة»، وهي مشروع تجاري ربحي، في فعالية «نهاية أسبوع المشاريع الناشئة» المنظم من مركز بيريز للسلام، الذي يفتخر بجمع المستثمرين والمبرمجين الإسرائيليين مع قلة مختارة من الفلسطينيين لإنشاء مشاريع «مشتركة». أما «Qalandia Conditions» فهي عبارة عن مجهود محلي قاعديّ لا يبحث عن التمويل أو الربح.

لا يمكن إنكار أن كل هذه المشاريع تبرهن عن روح الفلسطينيين الاستثمارية، وتكشف عن الانتشار الأشمل للتكنولوجيا النقالة في المجتمع، وتحاكي رغبة لعيش حياة طبيعية عند الفلسطينيين. وهي أمثلة عن محاولات الفلسطينيين الخلاقة للتعامل مع التحكم الاسرائيلي بأراضيهم.

لكن وجود خدمة رسائل نصية من أكبر موفر لخدمات الاتصالات في فلسطين بهدف جني الأرباح من حاجة الناس للمرور بحاجز عسكري إسرائيلي داخل الضفة الغربية يؤشر إلى إمكانيات الإبداع التقني والاقتصادي تحت الاحتلال وقيوده في آن واحد.

التجوال المقيد

يمثل حاجز قلنديا نفسه أحد أكثر النتائج الكاشفة لحيقية مفاوضات «السلام» التي رعتها الولايات المتحدة. ظهر الحاجز في نهاية المرحلة المؤقتة (التي دامت خمس سنوات) ما بين اتفاقية أوسلو 2 والانتفاضة الثانية في أواخر عام 2000، ويقع في المنطقة «ج» المحددة في أوسلو، التي تشكل 60% من الضفة الغربية، وتقع تحت السيادة الإسرائيلية العسكرية الكاملة وتحت السيادة المدنية الإسرائيلية-الفلسطينية المشتركة.

بعد 14 عامًا على إنشائه، يعتبر حاجز قلنديا شاهدًا ملموسًا على عملية تقسيم الأراضي الفلسطينية وعلى الوجود المستمر للجيش الإسرائيلي، وعلى فشل حل الدولتين.

يمثل الحاجز أيضًا الهاجس الإسرائيلي بـ«تأمين الحدود»، الذي يمكن فهمه على أنه خلق لحدود مؤمّنة بدلًا من اتفاقية لتحديد أماكنها. الفرق هنا ليس جيوسياسيًا أو دلاليًا فحسب، بل تكنولوجيًا أيضًا. فقد أحرزت إسرائيل نجاحها في كونها دولة متقدمة تقنيًا عن طريق الاحتلال.

تسوَّق منتجات وخدمات إسرائيل الأمنية/المراقبية/العسكرية – من طائرات بلا طيار إلى جدران، ومن كاشفات أشعة جاما إلى الحواجز الإلكترونية، وتباع كحلول فعالة في محاربة الإرهاب وتأمين الحدود وفي الحروب المدنية والرقابة الإلكترونية، لأنها مجربة ومثبتة الفاعلية ميدانيًا على الفلسطينيين.

يصنف حاجز قلنديا كحاجز «ذكي»، فهو مجهز بأحدث التقنيات الإسرائيلية الصنع التي تعرض بدهاء أساليب جديدة للمراقبة وتنتج أنواعًا جديدة من الحدود ومواقع التحكم.

بالتأكيد، شكلت المراقبة المكانية والتحكم بالسكان جوانب محورية من الممارسات الرقابية الإسرائيلية منذ عقود. وهي ممارسات متجذرة في تاريخ من السيطرة على الشعوب المقموعة، حيث نجد أن التفاعل ما بين المتحكم والمتحكم يصبح أكثر تجريدًا ويمارس عبر وسيط أكثر فأكثر، وحيث العنف الحكومي يتنقل ما بين الإيذاء الجسدي المباشر إلى استخدام القوة المخفية «المقيدة» أحيانًا. هذا الحاجز ليس مجرد لحظة من العنف، بل هو موجود بهدف تعطيل الحياة اليومية. ووجود أمثال «Q» و«وصلني» و«أزمة» ما هو إلا رد على هذا التعطيل.

فقطاع الاتصالات، وخاصة الخلوية، نتيجة أخرى للعملية «السلمية» ذات الرعاية الأجنبية. فقد حددت الجولة الثانية من إتفاقية أوسلو (الموقعة عام 1995) شروط بنية تحتية محتملة لشبكة اتصالات مستقلة وذات سيادة، حيث يسمح للفلسطينيين بإنشاء شبكة اتصالات خاصة بهم، ولكن كل ما يتعلق ببنيتها التحتية سيخضع في نهاية المطاف للسيطرة الإسرائيلية.

قيود إسرائيل الرقمية في الضفة الغربية وقطاع غزة تماثل مادية الاحتلال وتوفر تلميحًا لماهية أهداف إسرائيل الجيوسياسية للمنطقتين.

باعت السلطة الفلسطينية حقوق قطاع الاتصالات للقطاع الخاص. ووُصفت شركة Paltel المنشأة حديثًا وقتها – ولاحقًا شركتها الفرعية المختصة بالخدمات الخلوية، جوال – بأنها إحدى أولى المؤسسات الوطنية. تماشى هذا السيناريو مع إدعاءات عدة للسلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأن المؤسسات الوطنية ستؤدي إلى دولة قومية. نشأة جوال وPaltel توضح أيضًا السطوة الفكرية لاقتصاد نيوليبرالي سياسي لا يتحدى السلطة الاقتصادية الإسرائيلية على الفلسطينيين.

تمسكت إسرائيل بقوة إصدار القرار فيما يخص نوعية المعدات المسموح بشرائها، وكمية الطيف الترددي التي ستزود الفلسطينيين بها، ونوع رموز المناطق وسرعات التحميل الموزعة، ومدى طول أبراج النقل الخلوية المسموح به، بالإضافة إلى الأماكن التي يسمح بها ببناء وصيانة والوصول للبنية التحتية. ما نتج عن هذه السيطرة كان وما زال بنية تحتية هشة ومحدودة بسعتها التقنية ومعتمدة كليًا على حسن نية نظام الاحتلال.

قيود إسرائيل الرقمية في الضفة الغربية وقطاع غزة تماثل مادية الاحتلال وتوفر تلميحًا لماهية أهداف إسرائيل الجيوسياسية للمنطقتين.

بالنسبة لغزة، يماثل المشهد التكنولوجي «انسحاب» إسرائيل العسكري منها. فمنذ إزالة المستوطنات في صيف 2005، لم يعد المزودون الإسرائيليون يعرضون خدماتهم في غزة. ولكن تبقى بنية غزة التحتية معتمدة على بنية إسرائيل التحتية، فهناك كابل ألياف ضوئية واحد فقط يصل كل غزة مع العالم الخارجي، وهو يمر بإسرائيل وهي من يتحكم به.

كل مكالمات غزة الهاتفية – كانت أرضية أو خلوية – تحوّل على موجهات (routers) موجودة ماديًا في إسرائيل. وتحدد سرعات الإنترنت من قبل وزارة الاتصالات الإسرائيلية. وتستمر قائمة القيود.

منذ عام 2005، استباح الجيش الإسرائيلي الكثير من مواقع البنية التحتية الفلسطينية بالقصف والتدمير. كما أكد في آخر اعتداء عسكري على غزة، حقيقة أنه قادر على قطع الإشارات اللاسلكية، وعلى تحديد مواقع إشارات البث، وعلى الاتصال بأرقام محددة في أي منطقة يريدها «ليحذر» من قنبلة وشيكة، وعلى إبطاء أو حتى إيقاف القدرة على الاتصال بالإنترنت: كل هذا ناتج عن أن مجمل البنية التحتية خاضع تحت السيطرة الإسرائيلية.

مقارنة بقطاع غزة، يبدو المشهد التكنولوجي في الضفة الغربية أكثر تبعثرًا. فيسمح للفلسطينيين ببناء بنيتهم التحتية الخاصة بهم في منطقة «أ» وفي بعض من المنطقة «ب»، ولكن دائمًا تحت قيود مشددة تحدد نوع التقنيات المسموح باستخدامها. فمثلًا في مرة واحدة فقط – بعد سنوات من المفاوضات – سمحت إسرائيل للفلسطينيين ببناء هوائي خلوي في منطقة «ج».

كما في غزة، كل خطوط الهاتف والإنترنت في الضفة الغربية متصلة في النهاية مع موجهات إسرائيلية تدفع الشركات الفلسطينية لاستخدامها أسعارًا أغلى – تسمى «برسوم الإلغاء» – من نظيراتها الإسرائيلية. أعطيت جوال حصة من الترددات من قبل وزارة الاتصالات الإسرائيلية في عام 1998 لدعم 120,000 مشتركًا على شبكة الجيل الأول والنصف. اليوم، تدعم جوال أكثر من 2،5 مليون مستخدمًا خلويًا، ولكن ما زالت سعة بنيتها التحتية تتسع لـ120,000 فقط.

تستخدم هذه الشبكة المثقلة تقنيات يزداد عمرها على 15 عامًا، فالجيل الثاني والثالث غير مسموح بهم، مما يعني أن الخدمات الخلوية الحديثة كالخدمات الاقتصادية (مثل PayPal والخدمات المصرفية عبر الإنترنت) والـGPS معدومة. بعد ضغط من البنك الدولي لتحرير سوقها الخلوية، سمحت السلطة الفلسطينية في عام 2006 لمزود خلوي ثاني أن يعمل في الأراضي الفلسطينية.

تفاوضت شركة «الوطنية» مع وزارات إسرائيلية لأكثر من أربع سنوات قبل أن تتمكن من الحصول على حصة تردادات تمكنها من العمل في الضفة الغربية، وفقط بعد تدخل طوني بلير كمبعوث خاص للجنة الرباعية الدولية، تمكنت الوطنية من الحصول على حصة ترددات كافية بالكاد لإطلاق شبكة جيل ثاني بسيطة. ما زالت الوطنية تنتظر الموافقة على العمل في قطاع غزة.

هناك العديد من الطرق التي تستخدمها إسرائيل في تكبيل تنمية قطاع الاتصالات الفلسطيني، لكن توزيع حصص الترددات هو أوضح مثال على قدرة إسرائيل على تحجيم التنمية الرقمية الفلسطينية في مراحلها الأولى.

لا يمكن للاتصال الخلوي، ولا للـWi-Fi، ولا للاتصالات الإسعافية والشرطية، على سبيل المثال، أن يوجد بدون ترددات تسمح بذلك. يجب تعديل توزيع الحصص بعد كل تكنولوجيا جديدة، من موجات المايكروويف لأجهزة الـGPS المحمولة. يستغل توزيع الترددات أيضًا كأداة مفاوضات، فمثلًا في كل مرة هددت بها السلطة الفلسطينية بالمضي قدمًا في طلبها المقدم للمحكمة الجنائية الدولية، توقف إسرائيل إمدادها بالترددات.

طيف الترددات ليس موردًا غير محدود، ولكن إدعاءات إسرائيل بأنها لا تملك ما يكفي منه لمشاركته مع الفلسطينيين مغلوطة تكنولوجيًا. في واقع الأمر، ما يسبب «مشكلة» طيفية هو أن الشركات الخلوية التجارية الإسرائيلية الأربع تخدم ما يقارب شمول الضفة الغربية.

ففي المستوطنات، والقواعد الأمامية والمنشآت العسكرية والمناطق العازلة المحددة من قبل الجيش، وفي كل المناطق على طول حائط الفصل وغيرها، تبث الأبراج الخلوية الإسرائيلية إشارات قوية (تتمتع الشركات الإسرائيلية بألفي ضعف حصة الترددات المعطاة لجوال والوطنية معًا، ويسمح لهم باستخدام كل التقنيات الحديثة بأسعار أرخص). مما يعني أن المناطق التي تشمل أعماق رام الله لنابلس لشمول المنطقة «ج» بما فيها حاجز قلنديا، تسمح للفرد باستقبال إشارة من «Pelephone» و«Cellcom» و«Orange» (أكبر ثلاث شركات خلوية إسرائيلية).

على الرغم من أن الشركات الإسرائيلية تعمل تحت مسمى توفير الخدمة للمستوطنين والجيش، فهي أيضًا تجني الربح الوفير من السوق الفلسطيني «عديم التكلفة». فهم لا يحتاجون لأي إستثمار إضافي لبيع الخدمة للفلسطينيين، سواء عن طريق شراء الفلسطينيين لهواتف إسرائيلية أو عن طريق «التجوال» على الشبكات الإسرائيلية.

التجوال يعني التنقل بين مناطق مختلفة (يفترض أنها مستقلة). وهو يعني أنك غير قادر على الاتصال بالبنية التحتية لشبكتك بل أنت منتقل إلى مساحة مزود آخر، حيث الخدمة قادرة على العمل فقط بوجود بنية تحتية للمزود الجديد وفقط إذا كان هناك اتفاق يسمح لمزودك باستخدام تلك الخدمة.

في عام 2005، اتفقت جوال وأحد المزودين الإسرائيليين، أورانج، على السماح لجوال بالدفع مقابل القدرة على بيع امتيازات التجوال لمستخدميها، وبذلك «فتحت» المجال لاستخدام تقنيات متقدمة لجزء كبير من الضفة الغربية. في الوقت ذاته، لا يدفع المزودون الإسرائيليون الضرائب للسلطة الفلسطينية – كما هو المتفق في أوسلو – مقابل العمل في المنطقة «ج» وجزء كبير من المناطق «أ» و«ب». فهو سوق أسير بكل معنى الكلمة.

وفي نفس الوقت، تستمر هيئات مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في الضغط على الفلسطينيين لتحرير أسواقهم وفتح سوق الاتصالات الخلوية (وغيرها من الصناعات) للمنافسة الأجنبية، دون التطرق للمنافسة الإسرائيلية غير القانونية أو الهياكل الأساسية للأوضاع الاقتصادية غير المتساوية.

لسنوات، لم تكن هناك أي خدمة هاتفية في منطقة قلنديا ومناطقها المحيطة. بحكم وقوعها في منطقة «ج»، فإن المنطقة التي تعد أكبر محور نقل في الضفة الغربية لا تعتبر جزءًا من شبكة الاتصالات الفلسطينية. إشارات جوال القريبة ليست قوية بما يكفي للوصول للحاجز، ولا يسمح لجوال بالبناء هناك. فقط في الأعوام الأخيرة أصبحت الإشارات الإسرائيلية من المستوطنات القريبة قوية بشكل يكفي لوصولها للحاجز. إمكانية إستخدام «Q» على هاتف جوال أو القدرة على تسجيل الدخول على صفحة الفيسبوك تتطلب منك أن تستخدم إشارات إسرائيلية وتدفع لاستخدامها.

خدمة «Q» و«أزمة» و«Qalandia Conditions» وغيرها عبارة عن نتائج لتبعثر الأراضي الفلسطينية وتمثل محاولات للتعامل مع الواقع الذي ينص على أن التنقل الفلسطيني مكبل. الأمثلة الربحية مدعومة دائمًا – في أغلب الحالات من وراء الكواليس – من قبل مصالح أجنبية دافعة لتحرير الأسواق ولزيادة شراء الفلسطينيين لمعدات أمريكية وأوروبية ولدعم الاستثمار التكنولوجي.

ليس هناك ما هو ثوري في خدمات تساعدك على قياس الأحوال المرورية في حاجز ما، فهي موجودة بالأساس بسبب وجود الحاجز وبسبب واقع الاضطهاد الفلسطيني.

ما يثير السخرية هنا هو أن كل هذه الأمثلة المذكورة هي رد فعل لحاجة جغرافية، لكن أيًا منها لا تستطيع توفير خدمات خرائطية، على سبيل المثال. في الدول الأخرى لا توجد حاجة لمجموعات على الفيسبوك أو لخدمات رسائل نصية لجس النبض المروري، ليس فقط لعدم وجود الحواجز، بل لأن للناس يستطيعون استخدام خدمات مثل «Google Maps» والملاحة الإلكترونية عن طريق ال«GPS»، أو عن طريق خدمات مثل «Waze»، وهي خدمة ملاحة جماعية وتطبيق مروري خُلق في إسرائيل.

الاتصالات تسمح للفلسطينيين بالتواصل مع بعضهم البعض ومع العالم الواقع خارج جدرانهم، وهي جانب مهم في النمو والتطور الاقتصادي الفلسطيني. في الواقع، شركة «Paltel» الأم تساهم في ما لا يقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وقطاع غزة، وبـ30% من دخل السلطة الفلسطينية الضريبي.

لكن الاتصالات هي أيضًا بالمقابل وسيلة لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي – بطرق ديناميكية ومتغيرة – كشكل من أشكال التحكم والمراقبة. وكما تثبت خدمة «Q» لجوال ومجموعة «Qalandia Conditions» على الفيسبوك، ينتهي المطاف بالاتصالات أن تعتمد على نفس واقع الاحتواء المساحي التي تحاول أن تلغيه. وجوال وغيرها ممن يبحث عن الربح من الأسر الفلسطيني يمثلون الأوضاع الاقتصادية-السياسية للاحتلال.

ليس هناك ما هو ثوري في خدمات تساعدك على قياس الأحوال المرورية في حاجز ما، فهي موجودة بالأساس بسبب وجود الحاجز وبسبب واقع الاضطهاد الفلسطيني. خدمة «Q» هي أيضًا شاهد على مجالات الانتهازية الاقتصادية، فالأرباح تجنى هنا من نواحي حياة معتمدة على الاحتلال وأصبحت يائسة بسببه.

الشركات الإسرائيلية هي أكبر جناة الأرباح هنا. فلا تستطيع الشركات الناشئة الربحية المدعومة من منظمات غير حكومية أن تواجه الهيكل الشمولي للاحتلال الإسرائيلي والتوسع الجغرافي والأفضلية التكنولوجية والاقتصادية التي تعتمد على احتواء الفلسطينيين وهدم تطويرهم.

لم تزدد هذه المنظومة سوى تكريسًا منذ بدايات اتفاقية أوسلو ووعود السلام المتعددة التي تبعته، المدعومة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد أنشأت الاتفاقيات هذه اتحادًا جمركيًا أدى إلى غياب الحدود الاقتصادية وبالتالي حافظ على العلاقات الاقتصادية غير المتساوية التي كانت موجودة في الأصل. ولهذا، فأغلب المشاريع، ربحية كانت أم غير ربحية، لا تتحدى فكرة اقتصاد فلسطيني ضعيف مدمج مع الاقتصاد الإسرائيلي ومعتمد عليه.

إلى أين؟

لقد مرت أكثر من ساعة على وصولك، واستنشقت ما يكفيك وأكثر من أول أكسيد الكربون والغبار. لقد شتمت كل أم وأب وطفل يمر من أمامك. سيأخدك الوصول للجندي نصف ساعة أخرى، الجندي نفسه الذي قد يجبرك على العودة من دون إخبارك بالسبب.

ترسل رسالة لـ«Q» على رقم 37117 على هاتف جوال الخاص بك وتستقبل رسالة تخبرك أن الأوضاع المرورية «خفيفة» اليوم، والأحوال «طبيعية». تدفع تكلفة الرسالة القصيرة بالإضافة لرسوم التجوال على هاتفك القديم. لا يمكنك الإتصال بزوجك/زوجتك لإخبارهم بتأخرك لأن الإشارة تختفي مع اقترابك من الحاجز.

تعتبر نفسك محظوظًا لأن زميلك الذي اختار ركوب سيارتي أجرة (واحدة لكل جانب) والمشي في المحطة عالق في الباب الدوار المتحكم به عن بعد. يا له من وغد مسكين. ربما كان عليه البقاء في المنزل.