معركة طويلة في تونس ضد الإرهاب

الأربعاء 08 نيسان 2015

(نشر هذا المقال باللغة الفرنسية على موقع MediaPart بتاريخ ١٩ آذار ٢٠١٥)

بيار بوشو، ترجمة نور عزالدين

ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف تونسي قادهم التطرف للذهاب إلى سوريا والعراق، 500 منهم عادوا، و400 أوقفتهم السلطات التونسية، بناءاً على الأرقام والتقديرات الرسمية لتقييم التهديد الإرهابي في تونس.

أما في ليبيا، فإن أكبر قوّة أجنبية بين المجاهدين هي من المقاتلين التونسيين، لا سيما بين صفوف الفرع الليبي من تنظيم الدولة الإسلامية.

ومع أنه لا يوجد داخل تونس تنظيم تابع لتنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن هنالك مجموعة مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، تدعى كتيبة «عقبة بن نافع».

على التراب التونسي، لم تبدأ ظاهرة الإرهاب بالهجوم الذي استهدف متحف باردو الشهر الماضي وأودى بحياة  21 شخصًا، مسجلًا أكبرَ عدد من الضحايا في هجوم إرهابي في تاريخ تونس، ولا بدأ التهديد الإرهابي بعد ثورة 2011 بحسب ما يشيع بعض المحللين. وعلى عكس الصورة التي كان الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي يروّج لها عن الأمن أثناء حكمه، فقد كان الإرهابيون نشيطين في تونس خلال عهده وقبله.

لم تبدأ ظاهرة الإرهاب بالهجوم الذي استهدف متحف باردو الشهر الماضي، ولا بدأ التهديد الإرهابي بعد ثورة 2011 كما يشيع بعض المحللين.

فقبل بضعة أشهر من انقلاب بن علي على الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وتوليه منصبه، في ليلة الثاني من آب 1987، وقعت أربعة انفجارات في أربعة فنادق مختلفة من تونس، في سوسة، والمنستير، والساحل السياحي، أصيب فيها ثلاثة عشر شخصاً. وفي شباط 1995، قامت الجماعة الإسلامية الجزائرية بتنفيذ هجومٍ مسلح في تمغزة، جنوب تونس، بعد أن عبرت الحدود وذبحت سبعة جنود من حرس الحدود التونسيين. وفي عام 2000، قامت نفس المجموعة الجزائرية بتنفيذ هجوم آخر في مدينة القصرين التونسية. في 11 نيسان 2002، قام انتحاري بتفجير شاحنة مفخخة قرب الكنيس اليهودي، راح ضحيتها 19 شخصاً، في جربة جنوب شرق تونس. وفي شتاء 2006-2007، تمكنت جماعة «أسد بن الفرات» من التسلل الى بلدة سليمان، والقيام بمواجهات عنيفة مع قوات الأمن التونسي.

منذ رحيل بن علي عام 2011، ظهرت حركات إرهابية جديدة. إحداها مجموعة جهادية تقودها الجماعة الإسلامية المتطرفة «أنصار الشريعة»، والتي يُعتقد أنها تضم في صفوفها آلاف المجاهدين. في أعقاب الثورة التونسية، عندما دخلت تونس في حقبة جديدة من حرية التعبير، أصبح بإمكان هذه التنظيمات الجهادية المتشددة فجأة أن تروّج لنفسها علنًا. يقول جهادي قابله ميديابارت في تشرين أول 2014 إنه «قبل ثلاث سنوات استطعنا أن نخرج إلى الشوارع ونكون مؤثرين. قمنا بإيصال رسالتنا عبر المساجد، ودعينا قليلاً للظهور عبر التلفاز. اليوم لم يعد الوضع هكذا. تمت السيطرة على غالبية المساجد. لم يتبق سوى حوالي عشر مساجد لنا في كل أرجاء تونس».

اليوم تفككت جماعة أنصار الشريعة بشكل شبه كامل بعد أن غادر أغلب مقاتليها للانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، بينما غادر البعض إلى ليبيا. لكن فترة صعودها السابقة ترافقت مع عودة الإرهاب إلى تونس عام 2013.

في نهاية 2014، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن عمليتي اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد براهيمي في شباط وتموز 2013. وفي 30 تشرين أول 2013، تم إحباط هجومين في مدينتين تعدان من رموز السياحة التونسية، واحد في سوسة، نحو 140 كيلومتر جنوب تونس، حيث قام رجل بمحاولة تهريب قنبلة كان يحملها داخل الفندق، لكن رجال الأمن طاردوه حتى الشاطئ حيث قام بتفجيرها دون أن يقتل أحدًا سوى نفسه. تم إحباط عملية أخرى في مدينة المنتسير، حيث ألقت الأجهزة الأمنية القبض على الانتحاري قبل تنفيذ عمليته بالقرب من ضريح الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.

اعتباراً من 2013، بدأت مجموعة «لواء عقبة بن نافع»، المرتبطة بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي والتي يعتقد أنها تضم مقاتلين سابقين من شمال مالي، بالإعلان عن نفسها.  هذه المجموعة الصغيرة من المقاتلين المسلّحين نشيطة تحديداً حول جبل الشعانبي، أعلى جبل في تونس والذي يقع قرب الحدود الجزائرية (وسط غرب البلاد) بالقرب من مدينة القصرين. في تلك المنطقة، في 29 تموز 2013، تم العثور على العديد من الجنود التونسيين على الحدود بعد أن تم ذبحهم وسرقة أسلحتهم وزيّهم العسكري، مما أدّى إلى عملية عسكرية واسعة للقضاء على الجماعة الإرهابية، بحسب الناطق باسم الجيش التونسي، توفيق رحموني.

على الرغم من هذا، في 16 تموز 2014، تسبب هجومان إرهابيان جديدان ضد مواقع للجيش التونسي قرب القصرين في مقتل 14 جنديًا، في أثقل خسارة يتعرض لها الجيش منذ استقلال تونس عام 1956. تبنّت كتيبة عقبة بن نافع المسؤولية عن الهجومين الذين وقعا حوالي الساعة السابعة وأربعين دقيقة مساءً، في موعد الإفطار في شهر رمضان. قالت السلطات التونسية بأن الهجوم تم «بالرشاشات وقاذفات الصواريخ»، وأشارت أن عددًا من الجزائريين كانوا ضمن منفذّي العملية.

الجيش التونسي، الذي عانى من الإهمال وقلّة الجاهزية في عهد زين العابدين بن علي، لم يتمكن حتى الآن من السيطرة على هذه المجموعة الإرهابية التي لا تزال نشطة في جبل الشعانبي. وقد استفاد صعود الإرهاب في تونس من حالة الفوضى التي تعاني منها الأجهزة الأمنية، الأمر الذي تدفع البلاد ثمنه حتى اليوم.

إعادة هيكلة فوضوية

بعد عام 2000، قام الرئيس السابق بن علي بتهميش قيادة وزارة الداخلية لجهاز المخابرات، من أجل بناء جهاز مخابرات مكرّس لخدمة حكمه الدكتاتوري. ما بين عامي 2001 و2007، كانت الأجهزة التونسية لمكافحة الإرهاب تحت قيادة فرقة مجابهة الإرهاب، والتي بدورها كانت تتبع جهاز أمن الدولة. لكن بعد أحداث سليمان في عام 2006، تمت إعادة هيكلة فرقة مجابهة الإرهاب في عام 2007 كوحدة مستقلة عن جهاز الأمن القومي، مقرّها في وزارة الداخلية وبكادر من 700 موظف.

لغاية عام 2007، كانت فرقة مجابهة الإرهاب هي المسؤولة الوحيدة عن التدخل كلواء متعدد التخصصات في قضايا مثل التدخل السريع، معالجة المتفجرات .. الخ. في 2007، بعد أحداث سليمان، حصلت الفرقة على زيادة في القوى العاملة، وتم تشكيل وحدة متخصصة بتفكيك القنابل باسم «الفوج الوطني للمتفجرات».

في ذلك الوقت، قام «الفوج الوطني للتدخل السريع»، بضم مجموعة من العناصر المدرّبين على عمليات التدخل السريع، التي لا تعتمد على فرقة مجابهة الإرهاب وحدها، وإنما تعمل ضمن إدارة وحدات مكافحة الإرهاب التي تضم «الفوج الوطني للتدخل السريع، والفوج الوطني للمتفجرات، وفرقة مجابهة الارهاب» معاً، ضمن طاقم من أكثر من 1700 شخص، مسؤول عن عمليات التدخل السريع في حالة تأزم الأوضاع الأمنية في البلاد.

 

إعادة الهيكلة الفوضوية بعض الشيء لوزارة الداخلية التونسية بعد ثورة 2011، أثّرت بشكل سلبي على فعالية أجهزة مكافحة الإرهاب.

لكن إعادة الهيكلة الفوضوية بعض الشيء لوزارة الداخلية التونسية بعد ثورة 2011، أثّرت بشكل سلبي على فعالية أجهزة مكافحة الإرهاب. في أعقاب الثورة، أدّت إعادة هيكلة وزارة الداخلية إلى كسر «سلسلة القيادة»، كما يسميها العسكر، خاصة بعد قيام الوزير في ذلك الوقت، فرحات الراجحي، بحل جهاز أمن الدولة  في آذار 2011. تبع ذلك فصل العديد من الكوادر القيادية من وحدة مكافحة الإرهاب في الشهر نفسه، مما أدّى إلى عجز في التدريب والكفاءات وتعطيل جهود مكافحة الإرهاب في تونس بحرمانها من أحد أهم أساساتها وهو الاستخبارات، الذي تصبح بدونه بقية السبل المتاحة لوحدات التدخل بلا معنى.

تزامن هذا مع سلسلة من العوامل التي ساهمت في بروز ظاهرة السلفية الجهادية والإرهاب في تونس. بدايةً، صدر عفو في اليوم التالي لـ14 كانون ثاني 2011، أدى إلى إطلاق سراح الآلاف من السجناء، غالبيتهم كانوا قد سجنوا نتيجة تهم تتعلّق بالإرهاب، وهو بلا شك كان اتهامًا شائعًا تحت حكم بن علي. تبع ذلك في ربيع 2011 تطوّر جماعات جهادية مثل «أنصار الشريعة» التي ينتمي إليها اليوم آلاف المقاتلين.

يضاف إلى هذا عوامل أخرى أدّت إلى تأزّم الوضع الداخلي في تونس، كحالة الفوضى في ليبيا ومن ثم مالي، مما سهل دخول الأسلحة الحربية إلى الأراضي التونسية، ولاحقاً، عودة الجهاديين التونسيين الذين حاربوا في سوريا.

في صيف 2013، اغتيل القيادي المعارض محمد الابراهيمي في ثاني عملية عملية اغتيال سياسي خلال ذلك العام، مما أدّى إلى خلق حالة من الوعي الحقيقي  بضرورة تسريع وتيرة الاصلاح.  ومع ذلك، فإننا سوف ننتظر حتى ربيع 2014، بعد وصول الحكومة المؤقته للمهدي جمعة، ليتم إنشاء إدارة عامة موحدة لمكافحة الإرهاب.

منذ ذلك الحين، تزايدت الاعتقالات ذات العلاقة بالإرهاب، لضمان سير انتخابات 2014 ونجاحها، لكن هذا أدّى إلى تخوّف على الحريات المدنية المفقودة. كان هذا هو الحال في القصرين في نهاية شهر آب 2014، حيث قتلت فتاتين عمرهما 18 و24 عامًا وجرحت ثالثة بعد أن أطلقت دورية شرطة في المنطقة النار عليهما. قالت الشرطة أن النساء رفضن إيقاف سيارتهن لدورية الشرطة التي كانت تحقق حول وجود جماعة مسلحة في المنطقة، لكن طبيبًا في المستشفى المحلي قال أن الشرطة أطلقت النار عليهن في الرأس مباشرة، ولغاية الآن لم تتضح ملابسات القضية.

أصبح قانون مكافحة الإرهاب المقترح بدلاً من ذاك الذي أقرّه بن علي عام 2003 موضع جدل سياسي كبير في تونس. «تغيير هذا القانون القمعي كان أولوية لنا بعد الثورة»، يقول المحلل السياسي المستقل سليم خرّاط، مضيفًا أنه لم يتم التوصل لاتفاق لحظة التصويت على القانون في تموز 2014. «أنا أخشى اليوم  أن نصوّت على نص غير مكتمل وغير مهتم بالحريات العامة».

بينما تناقش لجنة التشريع العام في المجلس التأسيسي نصوص هذا القانون، يعرب العديد من النواب عن قلقهم إزاءه ويحاولون تنبيه الرأي العام إلى عيوبه، ومنهم عضو حركة النهضة النائب سيدة الونيسي، التي وصفت مشروع القانون في تصريح لميديابارت بإنه «جامد جدًّا خصوصًا في البنود المتعلقة بالرقابة والسرية وحقوق الإنسان والاعتقال».

في الوقت نفسه، تطالب نقابات مهنية تمثّل العاملين في وزارة الداخلية بإضافة نص إلى القانون يجرّم جميع أشكال «الاعتداء على الأجهزة الأمنية».

إذا لم تنجح تونس في التصويت على تشريع لمكافحة الإرهاب يتماشى مع الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور المصادق عليه عام 2014، قد تواجه مرّة أخرى وضعًا سياسيًا متأزمًا.