رأي | Opinion

جنحة المجاهرة بالحرية الشخصية

الأحد 14 حزيران 2015
عمان رمضان

في أقل من 24 ساعة، امتلأ جدار فعالية على الفيسبوك دعت إلى قبول حرية الصيام وعدمه بالشتائم والاتهامات. الصفحة التي حملت عنوان «كما لك الحق أن تصوم … احترم حقي بأن أعيش كما أريد» أنشأت قبل أيام على شهر رمضان، في محاولة من مجموعة «الحركة العلمانية في الأردن» لفتح حوار حول حرية عدم الصيام فيه، وهو ما يعد في الأردن جنحة يعاقب عليها بالحبس حتى شهر و/أو بالغرامة حتى 15 دينارًا، بحسب المادة 274 في قانون العقوبات الساري (وسترفع الغرامة إلى 50 دينارًا حسب مسودة القانون المعدل).

قبل أن يبدأ أي نقاش جدي حول المسألة، قطعت وزارة الداخلية الموضوع بإصدارها تعليمات خاصة بـ«عدم السماح بفتح المطاعم والمقاهي خلال ساعات النهار وإغلاق جميع محلات بيع المشروبات الروحية تحت طائلة المساءلة القانونية». ليس إصدار تعليمات من هذا النوع جديدًا بالطبع، لكن الانطباع المتكون في الشارع عن «حزم» وزير الداخلية الجديد قد يدفع لتصديق العزم على تنفيذ القرار.

الموضوع بالطبع قديم متجدد، وأطراف الحوار بشأنه -إن صحت تسميته حوارًا- لا تزال تتمترس في مواقعها المعتادة: اتهامات بالرغبة بنشر «الفتنة» وهدم الشريعة، والخروج عن القانون، والطعن بالمادة الثانية من الدستور المكرّسة للإسلام دينًا رسميًا للدولة.  فمن يفهم الديمقراطية على أنها دكتاتورية للأغلبية تمتد إلى مساحات الحرية الشخصية والفضاء الخاص، ستقوده معادلته إلى أغلبية تصوم ومن حقها ألا ترى ما لا يشبهها. ومن يرى أن الدولة لا ينبغي أن تكون طرفًا في معادلة متغيراتها خيارات فردية، ما زال يتعجب من مادة كتلك في قانون العقوبات، تملي عليه متى يأكل وأين.

لكن هذا «الحوار»، وإن كان ممجوجًا ويدور في جزء منه اليوم في فقاعة قد لا تتعدى المئات ممن وجدت الصفحة طريقها إليها، فهو بلا شك حاضر بصور أكثر عنفًا ومادية على الأرض، ويرتبط بسؤالين أساسيين حول موقع الدولة من حريات الأفراد، وحول مدى حقيقية تصور المجتمع عن نفسه؛ سؤالان لا ينبغي أن يهملا حتى وإن كانا يبدوان عقيمين.

ليس خفيًا أن السلطة تبدل لسانها كيفما وافقها ووافق المستمع: يخطب الملك عبد الله الثاني في البرلمان الأوروبي عن قيم الإسلام القائمة على «احترام الآخرين» التي يتعلمها الأردنيون منذ طفولتهم، ويظهر بعض هؤلاء «الآخرين» في الكتب المدرسية إما ضالين يتبعون كتبًا محرفة، أو فسقة خارجين عن الملة. أما في الشارع، فيضرب «الآخرون» إذا تجرأوا على إشعال سيجارة في رمضان، دون أن نسمع عن عواقب.

 لكن الخطاب الرسمي ظل حذرًا من استخدام مفردات قد تُردّ عليه. لا نقرأ في خطابات الملك -في الجلسة الرئيسية للمؤتمر الخامس لقادة الأديان العالمية والتقليدية في كازاخستان يوم الخميس، مثلًا- شيئًا عن صيانة حرية المعتقد، التي يفترض أن الأردن يوافق عليها ضمنًا بتصديقه على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بل نقرأ عن التسامح والتعايش والتعاطف. «هذا هو نهج الإسلام. وهذا هو نهج الأردن»، يقول الملك.

فعلًا، هذا هو نهج الأردن في جعل المواطنة ثانوية في رسم الحدود بين المواطنين، فالأساس هو الاعتماد على معطى اجتماعي هشّ -وزائف في معظم الأحيان- يمنح بعض المواطنين موقعًا متفوقًا يخوّلهم بتوزيع تسامحهم ومحبتهم على غيرهم من المواطنين ذوي الخيارات المختلفة، دون أن تكون الدولة مرجعًا في تقرير علاقتهم ببعض. نهج الأردن هو في الجمع بين قمع الحريات الفردية استرضاءً لأغلبية لا تريد أن ترى ما يقلق يقينها، والتباهي بنموذج مشرق للتعايش في المنطقة طالما ظلت مفسدات هذا التعايش تحت السجادة.

في دولة تقف على مسافة متساوية من جميع مواطنيها، لا يفترض أن يكون مفهوم كالتسامح حاضرًا في سياق أكبر من نزاع بين تلميذين في صف ابتدائي، فهو أولًا غير ملزم ولا حدود واضحة له، وثانيًا وهو الأهم، يفيد معنى التغاضي عن خطأ ما والترفع عن الاستجابة إليه، أي الإقرار بأن الآخر على خطأ ونحن على صواب، لكننا «نتسامح» معه. هنا تكمن هشاشة المعطى الاجتماعي كأساس لرسم العلاقة بين المواطنين، فهي تجعل وضع الاستثناءات على حالة التسامح هذه ممكنًا بسهولة: نسمح بالمشروبات الكحولية، لكن ليس في رمضان. بل ننتجها ونصدّرها ونفخر بها أمام العالم، لكن لا نتحدث عن ذلك على تلفزيون الدولة. نسمح للنساء بالغناء والرقص، لكن ذلك يصبح «خدشًا للحياء العام» في شهر واحد في السنة. فالمسألة ليست مسألة حريات وحقوق، بل مسألة كرم أخلاق يمارس عند الحاجة فقط.

يقود ذلك للنقطة الثانية التي تثيرها قضية «المجاهرة بالإفطار» في رمضان، وهي مدى حقيقة أو زيف تصور المجتمع عن نفسه. فوضع شرط التخفي والاختباء على كل من يقرر ألا يصوم في رمضان هو إقرار بأن هناك مجموعة من المواطنين اللادينيين أو غير الممارسين للدين، لكن مكانهم في الظل. لا أحد يتحدث عن فرض الصيام أو العبرة منه حتى، بل يقال «افعل ما شئت، لكن في بيتك». هذا المنطق هو دعوة لخداع النفس والاحتفاظ بتصور زائف عن المجتمع في سبيل صيانة مظهره المحافظ، بغض النظر عن صدقية هذا المظهر أو نفعيته.

بالاطلاع على تعليقات من نوع تلك الموجودة على صفحة الفعالية، يبدو أن أخطر ما في هذا الزيف هو أنه يرسم علاقة عكسية بين التدين والإمكانيات المادية، لذا نرى اتهامات عديدة لمن يرفض حظر الإفطار بالانفصال عن المجتمع والانتماء لطبقة متمكنة ماديًا. بالطبع، هناك الكثير من الصحة في هذه العلاقة لأسباب يطول شرحها. قد يكون الغني أكثر ارتياحًا مع الإفطار في رمضان، لكن ذلك لم يحدث سوى لأن النفاق الرسمي والمجتمعي سمح له بذلك. فحين تغلق المطاعم والمقاهي والحانات إلا تلك التي تحمل رخصًا سياحية، من الطبيعي أن يصبح تناول الغداء في نهار رمضان أمرًا لا يقدر الجميع عليه ماديًا. من يضع تعليمات كهذه هو من يجعل الحريات الفردية أمرًا متحققًا للأغنياء فقط، وهو من يدفع بكثير ممن قد يفضلون عدم الصيام إلى اللامبالاة بوجود قيود على حرياتهم الشخصية.

نكون مخطئين إذا افترضنا أن الحفاظ على «حرمة» شهر رمضان خارج فقاعات معينة سيغير شيئًا في اتجاهات المواطنين وخياراتهم الشخصية أو سيثبّت هوية محافظة للمجتمع بعامة. فالأمر الوحيد الذي يتكرس بذلك هو كذبة اختلقناها لنصدقها ثم نفرض تصديقها على الآخرين.

* الصورة أعلاه بعدسة أمير مسعود.