رأي | Opinion

بدعة التعايش

الإثنين 13 تموز 2015
mosque-church amman

لبنى بجّالي

في مشهد التُقِط بحفاوة شعبية، ظهرت صور لعرس أردني لعائلة مسيحية، إحدى إشبينات العروس فيه فتاة جميلة محجبة، ليتم تناقلها على مواقع التواصل الاجتماعي لتصوير «التعايش» الذي نعيش في كنفه. صور تحت عنوان «شاب مسيحي يوزع وجبات الإفطار على المحتاجين»، تلقت الحفاوة ذاتها.

أضع هذا المشهد في مقابل مشهد آخر: المرحومة فضية الزريقات وهي تتحدث عن تضحية المجالي بأرواحهم دفاعًا عن الزريقات في هبة الكرك. وجملتها التي قالتها على لسان أحد أبناء المجالي «مية موتة فينا ولا فيكم» ترن في رأسي بنغم جميل.

بالنسبة لي، هذان مشهدان متناقضان. فصور اليوم التي تنتشر لتعبر عن ما يسمى «التعايش الإسلامي–المسيحي»، وصور الكنيسة بجانب الجامع التي يتناقلها الناس لإظهار التسامح وانعدام الطائفية، تؤكد وجود خلل. فهذه الصور نؤكد على أننا نصنف بعضنا بناءً على هويتنا الدينية ولا شيء آخر. هل الصورة الوردية التي نحاول أن نظهرها اليوم بسذاجة بالغة من خلال نشر هذه الصور تلغي وجود التعصب والتمييز الذي تنتهجه سياسات الدولة من خلال المؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية والماكينات الإعلامية؟ هل نستطيع أن نلغي أن مفاهيم التعايش والتسامح وحوار الأديان التي لم تكن ضمن قواميسنا قد تم إدخالها بطريقة ممنهجة؟

هل الصورة الوردية التي نحاول أن نظهرها اليوم بسذاجة بالغة من خلال نشر هذه الصور تلغي وجود التعصب والتمييز الذي تنتهجه سياسات الدولة؟

في عرسي، كانت هناك أربع إشبينات، واحدة منهن كانت مسلمة (لكنها لم تكن محجبة، لذا لن أستطيع استخدامها كدعاية للتعايش). كانت إشبينتي ليس لأنني متعايشة معها، بل لأنها قريبتي ومن أعز الناس على قلبي. لكن حين طلبت من الكنيسة أن تكون هي الشاهد الرئيسي بصفتها أقرب إشبيناتي إلي، رفضت الكنيسة وقيل لي أن مسلمة لا يمكن أن تكون شاهدة على عقد الزواج. هذا مجرد مثال لتبيان أن المؤسسات الدينية مؤسسات تمييزية بالفطرة. هناك نار تحت الهشيم ، لذا فلنعترف بالواقع ولنعترف بوجود المشكلة حتى نستطيع أن نعمل على إيجاد الحل.

عندما تفلس المجتمعات فكريًا وحضاريًا وسياسيًا يصبح اللعب على المشاعر الدينية المدخل الأسهل والأسرع والأكثر ضمانة لمشاعر الناس وعقولهم، وبالتالي اللعب في مصائر الأمة، ليصبح التمترس الطائفي هو عنوان المرحلة، وينسى المواطن الأهداف الحقيقية الوطنية القومية التي تستحق النضال. هذا التمترس سببه الأساسي تجريف الوعي المجتمعي الذي واكب مشروع مجابهة المد التحرري الوطني واستبداله بالفكر الوهابي الذي أدى إلى خلق أزمة عميقة في فهمنا وتعريفنا لهويتنا.

من ما كانت تقصّه علي والدتي أستطيع أن أجزم أن ما كنا عليه قديمًا لم يكن يحمل كلمات فارغة المعنى تافهة المضمون مثل التعايش والتسامح وحوار الأديان، لأن ما يجمعنا كان هويتنا القومية الوطنية وليس أي هويات فرعية. هذا هو الزمن الذي يجب أن نحاول استعادته بكل قوة.

الصورة أعلاه من موقع Shutterstock.