نور الشريف: فنانٌ جدليٌ بفنه وحياته

الأربعاء 12 آب 2015

عندما نستذكر تاريخ الفنان نور الشريف الذي رحل أمس عن عمر 74 عامًا، نجد أنه عبّر عن العديد من مواقفه السياسية والاجتماعية من خلال أعماله السينمائية والدرامية، منتقدًا الظلم والحكم المصري والتعذيب في السجون، ومدافعًا عن حرية التعبير والقضية الفلسطينية، كما في أعماله «الكرنك» و«إلحقونا» و«ناجي العلي» وغيرها من الأعمال.

هذه المواقف حاول الشريف أن يترجمها على أرض الواقع، فأصاب حينًا وأخطأ حينًا، وتراجع عن بعض مواقفه التي أعلنها سابقًا، وناقض مواقف أخرى. فالشريف الذي انتقد نظام جمال عبد الناصر والتعذيب في السجون المصرية في فيلمه «الكرنك»، تراجع عن هذا الموقف في إحدى المقابلات الصحفية، حين قال «كنت في شبابي ناصريًا. وحتى الآن أرى أن عبد الناصر لو عاش لكان خاض حرب أكتوبر، وفعل ما فعله الرئيس السادات»، وقال أيضًا «عبد الناصر لم يكن يعلم ما يدور في المعتقلات، ولو أني أعلم أن عبد الناصر كان يعلم ما يدور فى المعتقلات ما كنت بت ناصريًا.. وأنا واثق أنه كان لا يعلم»، وهو عكس كل ما طُرح في «الكرنك».

لم تتوقف تناقضات الشريف هنا، بل تعدتها للتراجع عن موقفه في دعم الثورة المصرية، والدفاع عن حسني مبارك، حيث قال أنه من «الظلم مهاجمة مبارك ونسف كل ما قام به عبر التاريخ وتحويله إلى مجرد فساد». وأكد في لقاء آخر أن مصر كانت تتمتع بقدر من الحرية قبل الثورة، مشيرًا إلى الصحفي إبراهيم عيسى الذي يهاجم مبارك وعائلته وصدر بحقه حكمان وتم العفو عنه.

مواقف نور الشريف هذه كانت سببًا في الهجوم عليه مؤخرًا وتعرضه لاتهامات قام بنفي معظمها، فمن اتهامه بمؤازرة النظام السوري، إلى تهمة دعم السلام مع إسرائيل، أصرّ الشريف على موقفه في محاربة الظلم ومكانة القضية الفلسطينية وأهمية مقاومة التطبيع.

هذه التُهم والشائعات والانتقادات لم تكن الأولى في مسيرة الشريف، إذ إنه تعرّض سابقًا لتهمة «خيانة مصر» بسبب فيلمه «ناجي العلي»، هذه الأزمة التي كادت تؤدي إلى اعتزاله وهجرته هربًا من الهجوم الذي تعرّض له. كما تعرّض لهجوم من قبل الناصريين بعد فيلمه «الكرنك» الذي تناول التعذيب في سجون عبد الناصر، وانتُقد  بعد أن قدّم ممسلسلًا إذاعيًا حول حياة الرئيس مبارك، ليُتهم بالترويج لمبارك.

وفي العام 2008 جابه نور الشريف سيلًا من الانتقادات بسبب فيلمه «ليلة البيبي دول»، والذي جسد فيه دور مراسل لصالح إحدى القنوات الفضائية في العراق، ويتعرض للاعتقال والتعذيب على أيدي قوات الاحتلال الأمريكي. كانت أول الشائعات التي طالت الشريف هو ظهوره عاريًا، وهو ما نفاه الشريف ليؤكد أنه كان يلبس شورتًا من لون جسمه من أجل تصوير مشاهد التعذيب في سجن «أبو غريب»، كما تعرض لانتقادات بسبب وجود المغنية روبي في الفيلم، مما دفع العديد من النقاد إلى اعتبار الفيلم دون المستوى، على الرغم من أن الفيلم عُرض في مهرجان «كان» وتخطت كلفة إنتاجه 40 مليون جنيه مصري.    

بدت هذه التهم والشائعات كلها بسيطة، وكان الشريف قادرًا على السيطرة عليها ومواجهتها، إلا أن الانتكاسة الحقيقية التي واجهها الشريف كانت عقب انفصاله المفاجئ عن زوجته الفنانة بوسي، والتي ارتبط بها بعلاقة حب شهيرة وعلاقة فنية ممتدة منذ مطلع السبعينيات وحتى العام 2006،  فكان الانفصال سببًا بأن يكون فريسة للشائعات التي تداولت خبر الانفصال بشكل واسع، في الوقت الذي رفض فيه الشريكان المنفصلان الإفصاح عن أسباب هذا الطلاق.

من الخيانة إلى الزواج بأخرى وأخيرًا الشذوذ الجنسي. اتهام نور الشريف بالشذوذ الجنسي انتشر كالنار في الهشيم في مصر والعالم العربي، فوجد نور الشريف نفسه مضطرًا للدفاع عن نفسه وخوض حروب قضائية مع مروجي الشائعات.

لم تكد موجة الشائعات لتهدأ حتى عادت مرة أخرى لتحوم حول طبيعة مرضه وأسبابه، وحول أسباب عودة بوسي المفاجئة له، مما دفعه للخروج للإعلام لينفي إصابته بالإيدز أو بمرض «غريب» يرفض الحديث عنه.

لعل الصفة التي عُرف فيها الشريف في الوسط الفني هي تواضعه، مما جعله محبوبًا وبعيدًا عن الخلافات الفنية، إلا أن هذا التواضع لم يكن إحدى الصفات التي رأيناها في اختيار معظم أعماله، وفي أدائه، إذ أن معظم أعماله شكلت بصمة في خارطة السينما المصرية.

وينتمي الشريف للسينما الواقعية، فمعظم أعماله كانت مستمدة من الواقع المصري خصوصَا والعربي عمومًا، يعالج فيها قصصًا اجتماعية وقضايا سياسية. واشتهر بالسينما أكثر من اشتهاره في الدراما والمسرح، إلا أن أعماله الدرامية كانت تحظى دائمًا بانتشار واسع، وكانت أيضًا تنتمي للمدرسة الواقعية.

برحيل الفنان نور الشريف مساء أمس يترك للجمهور العربي إرثًا فنيًا كبيرًا، حيث تُعد أعماله من كلاسيكيات السينما المصرية، ومرجعًا فنيًا مهمًا. ومن أفلام نور الشريف، نستذكر:

ضربة شمس (1978)
إخراج: محمد خان
«شمس» مصور صحفي فى إحدى المجلات، يرتبط بقصة حب مع سلوى، وهي موظفة تشجعه فى عمله وتحلم معه بمشروعات كبيرة. يدعى شمس لتصوير حفل زفاف، وبالصدفة يلتقط صورة لقصاصة ورق تحترق عليها كلمات تبدو غامضة، تقوده هذه الكلمات إلى عصابة تتزعمها امرأة تقوم بتهريب الآثار للخارج وبتزييف النقود. تبدأ مطاردة العصابة لشمس بعد أن كشف سرها، وتتوالى الأحداث.

الكرنك (1975)
إخراج: علي بدرخان
يحكي الفيلم عن حالة الاستبداد السياسي والفكري والتعتيم الاعلامى الذي انتهجه نظام الحكم المصري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث يتناول قصة مجموعة من الشباب الجامعي الذي يتم اعتقاله دون جريمة بسبب التقائهم في مقهى «الكرنك» الذي عرف عنه تجمع بعض المفكرين فيه وتعرضهم أحيانا لنقد الثورة.

أهل القمة (1981)
إخراج: علي بدرخان
يدور حول الانفتاح الاقتصادي الذي تم في فترة السبيعينات وتأثيره على المجتمع المصري من خلال ثراء أحد النشالين عن طريق تهريب البضائع من الجمارك، ويرفض ضابط في الجمارك أخته من النشال ويسعى للإيقاع به. الفيلم من بطولة عزت العلاليلي ونور الشريف وسعاد حسني وعمر الحريري ونادية عزت وصبري عبد المنعم.

سواق الأتوبيس (1982)
إخراج: عاطف الطيب
حصل نور الشريف على جائزة على مهرجان نيودلهي عن دوره في هذا الفيلم، وتم اختيار الفيلم كثامن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية. وتدور أحداثه حول حسن الذي يعمل سائقًا لأتوبيس نقل عام نهارًا وسائقًا لسيارة أجرة (تاكسي) ليلًا. وهو الأخ الوحيد لخمسة بنات، والده يمتلك ورشة نجارة وبسبب إهمال زوج أخته الذي يدير الورش تحجز الضرائب عليها، وتقدم للبيع في مزاد علني، ويحاول حسن إنقاذ الورشة من البيع لأنها تمثل سمعة والده، فيذهب إلى إخوته البنات وأزواجهم ليساعدوه لسد الدين وإنقاذ الورشة لكن الكل يطمع ويستغل الحاجة وحالة الضيق. ويصور الفيلم الحالة الاجتماعية لمتجمع ما بعد حرب أكتوبر 1973 من تغيير يطرأ على الشخصية المصرية وحالة الأصدقاء الذين دخلوا في حالة انعزال بعد عودتهم من ميدان القتال وقد انتصروا في ميادين المعركة ولم يجنوا ثمار انتصارهم في ميدان الحياة العملية، وقد وجدوا أنهم الذين عبروا وغيرهم من حصدوا باسمهم. ومن جانب آخر زوجته تضغط عليه بمتطلبات مادية ومعنوية، لكنه يعطي كل وقته واهتمامة لأبيه واسرته في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

حدوتة مصرية  (1982)
إخراج: يوسف شاهين
يواصل يوسف شاهين في هذا الفيلم تناول سيرته الذاتية تحت اسم يحيى شكري مراد حيث يتعرض في هذا الفيلم وخلال تصويره لفيلم العصفور إلى أزمة قلبية تستدعي التدخل الجراحي، وخلال رحلته العلاجية، تجرى وقائع محاكمة داخل قفصه الصدري يقف فيها يحيى سواء المخرج، أو الطفل الصغير موقف الخصوم، وخلال هذه المحاكمة المتخيلة نتذكر مع يحيى الكثير من ذكريات ماضيه مع أسرته، ومراهقته، وبدايته السينمائية، وحكاية تعرفه على الفتاة التي صارت زوجته فيما بعد.

المطارد (1985)
إخراج: سمير سيف
فيلم روائي لنجيب محفوظ أخذ عن روايته الحرافيش ويدور حول زمن الفتوات والخرافيش. ويقوم نور الشريف بدور ابن من عائلة الناجي الذي دار عليه الزمن وفقدت لقب الفتوة، والذي كان يأخذ هذا الدور هو رجل ظالم. ويقع نور الشريف في حب فتاة، لكن الفتوة كان يريد أن يتزوجها ليذل نور الشريف. يتفق الحبيبان على الهروب ولكن الفتوة يعلم بذلك، فيقتلها ويسند التهمة إلي نور الشريف ليتغير مسار حياته بالكامل.

إلحقونا (1989)
إخراج: علي عبد الخالق
جسد فيه الفنان نور الشريف دور المواطن الذى دخل المستشفى لإجراء عملية جراحية ليخرج منها مسروقة إحدى كليتيه.

ناجي العلي (1992)
إخراج: عاطف الطيّب
يلقى الفيلم الأضواء على ناجى العلي فنان الكاريكاتير السياسي الفلسطيني. تبدأ أحداث الفيلم عام 1987 عندما أُطلق الرصاص على ناجى العلي فى لندن، لتعود به الذاكرة فى غرفة العناية المركزة لعام 1948، حين نزحت أسرته من فلسطين إلى بيروت عقب النكبة، ثم انتقل إلى الكويت ومنها لبيروت، لنرى تجوله في لندن، ثم علاقاته بعدد من الشخصيات العربية وأفكاره وابتداعه النقد اللاذع للأوضاع العربية المتردية من خلال شخصية حنظلة وكذلك علاقته النسائية. رصد الفيلم أبعادًا سياسية شملت هجمات عصابات الهاجاناة اليهودية فى القرى العربية والاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني ثم رمز أطفال الحجارة.

ومن مسلسلاته: «لن أعيش في جلباب أبي» و«السيرة العاشورية» و«عائلة الحج متولي» وغيرها.