مواصلات جامعات الأردن

طلبة الجامعات الأردنية الأكثر معاناةً مع وسائل النقل العام

بين تهديد تحصيلهم الأكاديمي وتهديد سلامتهم، لا تزال المواصلات العامة تشكل أزمة لمعظم الطلاب في الأردن

طلبة الجامعات الأردنية الأكثر معاناةً مع وسائل النقل العام

الأربعاء 16 أيلول 2015

(تم نشر هذا التقرير ضمن سلسلة من القصص حول الصعوبات التي يواجهها طلاب الجامعات مع وسائل المواصلات في المنطقة العربية بالتعاون مع  الفنار للإعلام).

لم يكن القلق الذي تشعر به الطالبة الجامعية خديجة جودة حيال امتحانها النهائي يفوق قلقها من كيفية الوصول على موعد ذلك الامتحان، وهي التي تسكن في عمان وتدرس في كلية المجتمع العربي المقابلة للجامعة الأردنية فتستخدم وسائل النقل العامة على خط الجامعة الأردنية.

المسافة بين منزل خديجة في طبربور والجامعة الأردنية لا تتجاوز 11 كيلو مترًا بحسب تقديرها، لكنها تتطلب منها الخروج في الساعة الثامنة صباحًا للوصول في الوقت المناسب لامتحان الساعة الحادية عشر ظهرًا، بالرغم من أنها لا تحتاج سوى وسيلة نقل واحدة وهي الحافلة المتوسطة على خط «طبربور- أبو عليا – الجامعة». لكنها حافلة لا يمكن التنبؤ بموعدها، فمن الممكن قدومها خلال عشر دقائق ومن الممكن انتظارها لساعتين دون أن تصل، بحسب قولها.

يوم الامتحان، اتجهت خديحة للدوار الرئيسي لطبربور وانتظرت الحافلة من الساعة الثامنة صباحًا حتى التاسعة والنصف، قبل أن ترافق السائق في جولة «لم الركاب من أبو عليا» والتي تستغرق حوالي ثلث ساعة، لتصل كليتها الساعة 10:30، أي قبل موعد الامتحان بنصف ساعة، وهو الإنجاز التاريخي لها، «لأنه كان يوم سبت وما في أزمة».

بحسب دراسة مسحية أجرتها هيئة تنظيم النقل البري عن رضا الركاب بين عامي 2011 و2012، شكلت نسبة مستخدمي وسائل النقل لأغراض الدراسة 35% من مجموع العينة، واحتلّت الفئة العمرية بين سن 19- 26 ما نسبته 46% من مستخدمي وسائل النقل العام.

إلا أن أرقام هيئة تنظيم النقل العام في عام 2012 تأتي متواضعة بالمقارنة مع نتائج دراسة أجراها البنك الدولي عن واقع النقل في الأردن عام 2014، أشارت الدراسة إلى أن 80% من رواد الحافلات هم من الطلبة، بالرغم من أن نسبة المساحة  التي تحصل عليها الحافلات على الطرق لا تزيد عن 5%. وفي ظل حاجة 39% من الشباب إلى استخدام حافلتين فأكثر للوصول لغايتهم، تمنع 30% من الأسر أبناءها وخاصة الفتيات من استخدام وسائل النقل العام، بحسب تقرير لصحيفة الغد عن دراسة البنك الدولي.

Transport-01

الانتقال للسكن قرب الجامعة كان الحل الذي لجأت إليه فرح عبد السلام، طالبة العلوم المالية والمصرفية في جامعة الطفيلة التقنية، فاستأجرت سكناً في منطقة «العيس» القريبة من الجامعة، يمكنها من الوصول  للجامعة مشيًا على الأقدام خلال خمس دقائق، لكنها تواجه معاناة نهاية الأسبوع، حيث تتجه إلى عمّان مساء الخميس وتعود صباح الأحد للجامعة.

تقول فرح أنها تصل إلى مجمّع باصات الجنوب الساعة 5:30 صباح الأحد، حيث تكون غالبية المتجهين إلى الطفيلة من الطلبة، ويترقبون مزاج سائق الحافلة الكبيرة المكيّفة التي توفر متطلبات الراحة اللازمة للرحلة التي قد تستغرق ساعتين ونصف، فإذا لم يجد السائق العدد المقنع له لتسيير حافلته يضطر الطلبة للتوجه للحافلة المتوسطة، دون تهوية جيدة طوال الطريق، ودون موعد محدد للانطلاق أو الوصول. وعندما لا يتوفر حتى خيار الحافلة المتوسطة «الكوستر» ذات أجرة دينارين و70 قرشًا، فإن المشرفين على الخطوط يأتون بحافلة من خط آخر ويسيّرونها للطفيلة مقابل أربعة دنانير، وفي حال اعترضوا، يلاقي الطلبة إجابة واحدة «إذا مش عاجبك، انزلي»، بحسب فرح.

من خلف المقوَد

السائق سائد محمود الذي يعمل على خط «أبو عليا – طبربور – الجامعة الأردنية» قال إن الحافلات الخمس التي تعمل على هذا الخط منتظمة بدون أي تأخير على الركاب، «بس الطريق وأزمتها هي بتحكم مواعيد وصولنا». وتبدأ رحلة  الباص الأول على ذلك الخط الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة السادسة مساءً بمعدل اثنتي عشرة ساعة  قيادة لكل سائق بحسب سائد.

الفقرة العاشرة من المادة العاشرة لأسس وشروط منح التراخيص والتصاريح لتشغيل خطوط نقل الركاب  تلزم المشغل بقانون العمل فيما يتعلق بعمل السائق، على ألا تزيد بأي حال عن عشر ساعات يوميًا ولا تزيد عدد ساعات القيادة المتواصلة عن أربع ساعات.

transportation2رافق «حبر» سائد لبضع ساعات أثناء عمله على الخط، توقف خلال الرحلة عشرات المرات لإنزال وتحميل الركاب  من أماكن متعددة دون التقيّد بمكان مخصص للتنزيل والتحميل، حيث يفتح باب حافلته المتوسطة لينزل أحد الركاب وهو في المسرب الأوسط لشارع المدينة الرياضية، موصياً إياه «انتبه من السيارات بس». يقول سائد مبررًا ذلك: «وين بده الراكب منوقفله ومنّزله منركبه، هيك أسهل وأحسنله»، إلا ان ذلك يزيد وقت الرحلة بالمجمل، ويضيف أنه يتلقى الكثير من مخالفات السير لاسباب عديدة أبرزها الحمولة الزائدة، التي يبررها بأنها تأتي لمصلحة الراكب.

من يراقب؟

تخضع الشركات المشغلة للنقل للجامعات لرقابة هيئة تنظيم النقل البري، بحسب أسس شروط منح تراخيص والتصاريح لتشغيل خطوط النقل لعام 2009، والتي تتسم بالوضوح حيال المخالفات التي أشار لها الطلبة، إذ تعطي الهيئة الصلاحيات الكاملة في توجيه المخالفات التي تبدأ بالإنذارات وتصل لسحب الرخص التشغيلية من أصحاب الخطوط المخالفة.

إلا أن تلك الأسس والشروط غير مطبقة بشكل فعّال، الأمر الذي يعزوه رئيس هيئة تنظيم النقل البري مروان الحمود إلى الأعداد الكبيرة لمشغلي الخطوط والتي تشكل عائقًا أمام الرقابة عليها.

الحمود قال أن هناك 20 ألف مشغّل في كافة انحاء المملكة، «ولا نستطيع التعامل  بشكل كفؤ مع هذا العدد»، وذلك في مداخلته أثناء جلسة نظّمتها حملة «معًا نصل» لإطلاق دراسة حول واقع النقل العام من وجهة نظر المستخدم. وأضاف الحمود مجيبًا على سؤال لـ«حبر» أن هنالك 40 مراقبًا في 12 مجمع حافلات خارج العاصمة عمان، فيما تقوم أمانة عمان بمراقبة المجمعات داخل العاصمة، وقال أن هذا العدد لا يكفي وأن الهيئة تطمح لزيادته.

في زيارة ميدانية قام به «حبر» لمجمع حافلات الشمال في طبربور، وجدنا «الكشك» الخاص بأمانة عمّان داخل المجمع مقفلًا، وبحثنا عن مراقب الخطوط في المجمع لكننا لم نتمكن من إيجاده. عدد من سائقي الحافلات أكدوا على تواجد المراقب لكن «ما عمره حكى معنا» بحسب أحدهم.

من يحفظ سلامة الطلبة؟

احتجاجات الطلبة قد تتجاوز عدم التنظيم، إلى المطالبة بحافلات تحظى بجاهزية فنية تحفظ سلامتهم العامة، وذلك بعد تكرار تعطل أعداد كبيرة من الحافلات حسب ما أكّد عدد من الطلبة لـ«حبر»، ما يعني التأخير والتوتر، وفي بعض الأحيان يمس سلامتهم مباشرة كما حصل مع طالبة في الجامعة الهاشمية أصيبت في حروق من الدرجة الأولى نتيجة انفجار في  مبرد محرّك الحافلة في طريق العودة إلى عمان في نيسان الماضي.

عبلة وشاح، الناطقة الرسمية باسم هيئة تنظيم النقل البري، تحمّل مسؤولية الجاهزية الفنية للحافلات لإدارة ترخيص السائقين والمركبات التابعة لمديرية الأمن العام، وتضيف أن دور الهيئة رقابي تنظيمي وليس تشغيلي. إلا أن الناطق الرسمي باسم الأمن العام المقدم عامر السرطاوي يؤكد بأن الهيئة المشغلة هي من تضع الضوابط والشروط  لفحص الحافلات وتقوم إدارة وترخيص المركبات على تنفيذها، مشيرًا إلى أن تعليمات الهيئة تقوم على تجديد رخصة الحافلات مرة في السنة، ما يعني عدم مسؤولية إدارة الترخيص عن أيه أعطال بعد إجراء ذلك الفحص، بحسب قوله.

يقول سرطاوي أن إدارة الترخيص «تقوم بالتأكد من الجاهزية الكاملة وتوفر شروط السلامة العامة، وإعطاء الرخصة على إثر ذلك، لكن ما علاقة الترخيص في حال تعطلت الحافلة بعد ذلك بأربعة أشهر مثلاً؟».

ما بين تبادل إلقاء اللوم، ينتقل آلاف الطلبة يوميًا إلى جامعاتهم في باصات بعضها ليس جاهزًا فنيًا لحفظ سلامتهم، فعلى سبيل المثال، تكبدّت شركة المتكاملة للنقل المسؤولة عن خطوط نقل الطلبة من الجامعة الهاشمية إلى عمان نحو 18 ألف دينار بدل مخالفات سير في عام 2014 لعدم قيام الشركة بالصيانة المطلوبة وعدم ترخيص الحافلات في الموعد المحدد، بحسب تقرير ديوان المحاسبة لعام 2014.

مسلسل الهاشمية – المتكاملة

«منذ إنشاء الجامعة الهاشمية في عام 1995 حتى الآن ومشكلة المواصلات موجودة»، جملة واحدة تكررت من رئيس مجلس طلبة الجامعة الهاشمية، والناطق الرسمي باسم هيئة تنظيم النقل البري، ومدير عام شركة المتكاملة، المشغلة لخط نقل الطلبة ما بين الجامعة الهاشمية ومدينة عمّان.

تبرر كل جهة الأسباب من منظورها لمشكلة قديمة حديثة تمس حاليًا 30 ألف طالب يدرسون في الجامعة الهاشمية، يغادرونها يوميًا ويعودون في اليوم التالي لعدم وجود مساكن فيها، منهم ثمانية آلاف طالب ينتقلون من عمان، بحسب بيانات شركة المتكاملة.

رئيس مجلس الطلبة قصي الخوالدة يصف المعاناة المستمرة منذ سنوات بقلة أعداد الحافلات من جهة، وتعطلها الدائم والمتكرر من جهة أخرى ما بات يشكل خطرًا على سلامة الطلبة، إضافة إلى تأخرهم عن محاضراتهم الصباحية.

 

هيئة تنظيم النقل البري تعزو المشكلة إلى موقع الجامعة البعيد عن أية تجمعات حيوية تساهم في حل قضية المواصلات، وآلية القبول الجامعي التي تسمح باستقبال أعداد تقوق الجاهزية للنقل، إذ تقول وشاح إنه «من المفروض أن تقبل الجامعة نحو أربعة آلاف طالب في العام الماضي، لكنها قبلت عشرة آلاف طالب دون العودة لنا».

الطالب الخوالدة يقول إن الطلبة أقاموا عشرات الفعاليات الاحتجاجية النوعية في الفترة الماضية، كالإضراب عن استخدام حافلات المتكاملة والمبيت في الجامعة، أو فعالية السير على الأقدام من الجامعة إلى عمّان للفت النظر لقضيتهم، وهو ما دفع الجهات الرسمية للتحرك بحسب قوله، حيث نتج عن ذلك اجتماع لجنة النقل النيابية مع وزارة النقل وإدارة الجامعه والمتكاملة، التي وافقت على استئجار حافلات خاصة من شركات اخرى لتغطية العدد، في حل «مؤقت».

مدير عام شركة المتكاملة مؤيد أبو فردة لم ينفِ أن أحد أسباب تأخر الشركة في تأمين المزيد من الحافلات لخط الهاشمية هو تأخر جهات حكومية في سداد مبالغ مترتبة عليها للشركة.

قطاع خاسر، يخدم عشرات الآلاف يوميًا

أشرف حجازي، أحد مالكي شركة باصات حجازي، يقول إن الاستثمار في قطاع النقل أصبح «استثمارًا خاسرًا»، نظرًا لقلة الربح أو انعدامه في بعض الاحيان، بالمقارنة مع تكاليف التشغيل المرتفعة.

ويظهر تقرير ديوان المحاسبة بأن شركة المتكاملة، التي ينتقد الطلبة جاهزية حافلاتها ومواعديها، وصل مجموع خسائرها إلى 94% من رأس مالها حتى نهاية العام الماضي، وهي أرقام يستخدمها رئيس هيئة تنظيم النقل البري مروان الحمود في تبرير تقصير الشركة تجاه مستخدميها.

يبرر الحمود للمتكاملة تأخرها في ترخيص حافلاتها وتحملها لمخالفات عديدة نتيجة عدم الصيانة بـ «عدم وجود السيولة لدى الشركة لتجديد الترخيص والقيام بالصيانة»، ويبرر عدم إلزام الهيئة لبعض المشغلين بمواعيد وساعات دوام ثابتة بعدم المقدرة على تقديم الدعم لأولئك المشغلين تعويضًا عن بعض الخسائر.

ويدعو الحمود لدعم قطاع النقل لتحسين الجودة، فيما يطالب حجازي بضرورة منح إعفاءات وامتيازات جمركية للشركات المشغلة لقطاع النقل.

الحكومة تدعم الطالب دون تقييم الخدمة

في عام 2010 أقرّت الحكومة مشروعًا لدعم أجور نقل الطلاب، تتحمّل بموجبه الحكومة 50% من أجور نقل الطلاب في بعض الجامعات الحكومية حاليًا منها الهاشمية. وبلغ مقدار الدعم الحكومي 3.5 ملايين دينار في عام 2014، منها مليونا دينار لشركة المتكاملة فقط، المملوكة بنسبة 51% للحكومة و10% لأمانة عمان الكبرى و39% للقطاع الخاص.

المشكلة في آلية الدعم الحكومي أنه لا يوجد ربط بينه وتوفير خدمة أفضل، بحسب حازم زريقات، الخبير في قطاع النقل والعضو المؤسس في حملة «معًا نصل». يقول زريقات إن آلية تقديم الدعم «يجب أن تنعكس على الشروط في عقود التشغيل»، بحيث يكون الدافع الأساسي عند المشغل تقديم خدمة أفضل، ويضيف أن هنالك الكثير من التحديات في البيئة التشغيلية أمام تطبيق مثل هذه الفكرة، أهمها العدد الكبير من الملكيات الفردية لخطوط النقل العام.