تحيّة كاريوكا: الانفلات نحو الحرية

الأحد 20 أيلول 2015

ثمّة توق إلى الانفلات من الواقع يأتي وراء كل نجاح صارخ، فكما يقول فولتير «لا يكون الإنسان حرًا إلا عندما يودُّ أن يكون»، وهذا تمامًا ما ينطبق على الفنانة المصرية تحيّة كاريوكا (22 شباط 1919 – 20 أيلول 1999)، التي دون شكٍ لم تكن مجرد راقصة شرقيّة مصريّة عادية أو ممثلةً عبرت تاريخ السينما المصرية؛ بل هي «نَصٌ كامل ومنجزٌ»، كما قال المفكر إدوارد سعيد في مقالٍ له عن تحية بعنوان «تحيّة إلى تحيّة»، وتفاصيلٌ تشتبك مع بعضها لتصنع شخصيّةً فريدةً من نوعها، تصنع الأحداث وتكون جزءًا منها، فلا عجب أنها اعتُبرت من رائدات الحركة الليبرالية النسائية في مصر، وواحدةً من صاحبات الأصوات العالية في المطالبة بتحرر المرأة، سواءً كان ذلك من خلال مواقفها أو من خلال فنّها. هي كما قال عنها إداورد سعيد «تنتمي إلى عالم النساء التقدميّات اللواتي يتفاديَن الحواجز الاجتماعية أو يُزلنها»، وكما وصفها الموسيقار عبدالوهاب «رمز الاستقلال الفني».

تحيّة، أو بدوية النيداني، تعلّمت الرقص بعد مخاض من الظروف الاجتماعية الصعبة، ففي مذكراتها التي نشرتها عبر الإذاعة، تحدثت تحيّة عن شقيقها الذي كان يربطها بالسلاسل فوق سطح منزلهم في الإسماعيلية حتى لا تذهب لرؤية أمها، وكيف جاء ابن أخيها وفك عنها السلاسل وأعطاها مبلغًا قليلًا من المال هربت عبره إلى القاهرة، حيث وصلت إلى حضن الفنانة بديعة مصابني التي احتضنتها وعلّمتها الرقص، وفتحت لها أبواب الفن.

وعلى الرغم من أن تحيّة تعلّمت الرقص الشرقي ومارسته كوسيلة لكسب عيشها، إلا أنها في ثلاثينيات القرن العشرين، وبعد أن عملت في كازينو بديعة مصابني، بدأت بالكشف عن مواهبها الفنية لتدخل عالم السينما والمسرح، وما هي إلا فترة قصيرة حتى اشتهرت «بدوية» باسمها المستعار «تحيّة» الذي أطلقته عليها بديعة، وألحقه جمهورها بـ «كاريوكا»، نسبة إلى الرقصة المكسيكية، بعد أن رقصتها في مسرحيتها التي قدمتها مع الفنان سليمان نجيب عام 1940.

ظلّت تحيّة مواظبة على تطوير النفس، ولم تكن مجرد راقصة أو حتى فنانة؛ بل أتقنت كل الأدوار التي خاضتها في حياتها وأشبعتها إبهارًا، ففي الرقص الشرقي اعتمدت تحيّة أسلوبًا يبتعد عن الإغراء المبتذل أو المباشر، فلم يكن جسدها هو المحور المغري في رقصها بقدر ما كان انسجام حركاتها وخياراتها الموسيقية وثقافتها في الرقص، إذ اعتمدت تحيّة أسلوبًا في الرقص يمزج بين رقصة «الكلاكيت» والرقص الشّرْقيّ بإيقاعاتها الحديثة آنذاك والهارمونيا الشرقيّة القديمة، وبالطبع كانت ترافقها الصاجات لتكتمل اللوحة، فأسست بذلك مدرسة رقص خاصة بها.

كانت ترقص بنعومةٍ وأنوثة طاغيتين، دون أن يخلو رقصها من صرامة، فتتمايل مع الموسيقى وكأنها صوتٌ يُطوّع للغناء، مما دفع أم كلثوم إلى التساؤل يومًا: «تحيّةإنتِ بتغني بوسطك». أما العلامة الملازمة لها طوال الرقص فكانتا ابتسامةً عريضةً لا تفارق وجهها، ونظرةً ثابتةً تُضيء المكان.

ربما اعتزلت تحية الرقص بسبب شعور «الحب والكراهية» الذي يشوب علاقتها بالرقص، إذ أنها حين سُئلت ما إذا كانت تفضل الرقص في الملاهي الليّلة أم المسارح أم الأفراح، أجابت: «كلهم ألعن من بعض»، كما قالت في مقابلة أخرى أن الرقص الشرقي ابتُذل في العالم العربي.

تفرغت تحيّة بعد اعتزالها الرقص للتمثيل وأتقنت الأدوار التي أُسندت إليها، بل إنها عكست شخصيّتها الحقيقية في بعض أفلامها. ففي «لعبة الست» مثلًا، الذي شارك فيه إلى جانبها كل من نجيب الريحاني وبشارة واكيم وحسن فايق وعبد الفتاح القصري ومارى منيب، لعبت تحيّة دور العالمة التي تصبح نجمة مشهورة بمحض الصدفة خلال الحرب العالمية الثانية.

كما أتقنت تحيّة دورها في فيلم «المعلمة» الذي قامت ببطولته أمام الفنان يحيى شاهين وأخرجه حسن رضا، وانتجته هي في العام 1958. وفي فيلم «إسكندرية كمان وكمان» للمخرج يوسف شاهين قامت تحيّة بأداء دورها الحقيقي، لتنقل من خلال أحداث الفيلم مشاركاتها في حركة اعتصام أعضاء اتحاد النقابات الفنية في مصر في الثمانينيات من القرن الماضي، الذي تزعمت فيه تظاهرة الفنانين التي توجهت إلى القصر الجمهوري في عهد الرئيس  المصري السابق محمد حسني مبارك للاحتجاج على تعديل قانون ١٠٢ الخاص بالنقابات الفنية، وأعلنت وزملائها إضرابًا عن الطعام لم ينته إلا بعد موافقة الرئيس على مطالبهم.

قدمت تحيّة العديد من الأعمال السينمائية والمسرحية، كما غنت عددًا من الأغاني في أفلامها، فغنت من ألحان فريد الأطرش «عينيك عينيك» و«الحب الحب» ومن ألحان محمود الشريف غنّت «يا خارجة من باب الحمام»، وغيرها من الأغاني.  

قبل اعتزالها الرقص بدأت تحيّة مشوارًا قصيرًا، لكنه لا يقل أهمية عن مسارات حياتها الأخرى، في المسرح. بدأت عام 1954 مع فرقة «إسماعيل يس» في مسرحية «حبيبي كوكو» ومن ثم شاركت معه في العديد من المسرحيات منها «كل الرجاله كده» كبطلة، قبل أن تؤسس عام 1961 فرقة مسرحية خاصة بها مع زوجها السابق فايز حلاوة، قدمت من خلالها حوالي 18 مسرحية، من أشهرها «روبابكيا» و«يحيا الوفد».

تُعد تحيّة بحق صاحبة دورٍ مهم في تحرير المرأة المصرية ورسم صورة ليبرالية لها، إذ أنها أظهرت نموذجًا للمرأة التي تكسر القيود الاجتماعية المليئة بالعنف والصعوبات لتتخطاها نحو الشهرة والنجومية بتصميم، ومن ثم تمارس وطنيتها إلى جانب إبداعها؛ إذ عُرف عن تحيّة دورها الوطني في مقاومة الاستعمار وتمويل الفدائيين وتوصيل الأسلحة والذخيرة والمئونة لهم، وفي مذكراتها تحدثت عن إيصالها وجبات الطعام والذخيرة للثوار.

بل إن دورها الوطني كان أبعد من هذا، إذ أنها كانت انتمت لعدد من التنظيمات الشيوعية السرية، أحدها كان «حدتوالحركة الديمقراطية للتحرر الوطني»، وقد اعتقلت بسبب نشاطها السياسي أكثر من مرة، وفي إحدى المرات صرخت لحظة إلقاء القبض عليها وإلقائها في إحدى الزنازين قائلةً: «قولوا لجمال عبد الناصر مش تحية اللي تترمي في زنزانة».

ولتحيّة باع طويل في المعترك السياسي، فوالدها قضى بعض الوقت في المعتقلات، وعمّها استشهد على يد الانكليز. وكان لها نشاط مع الفدائيين المصريين في الخمسينيات عرفت خلاله أنور السادات، وقد ظل مختبئًا بمعرفة الفدائيين لفترة طويلة. وكانت تحية من ضمن من ساعده على الهرب. وفي لقاء لها به عام ١٩٧٨ وهو رئيس جمهورية، قال لها: «إني كنت أعمل مع شقيقك»، يقصد في العمل الفدائي. هنا وقفت تحية وقالت: «لا يا ريّس. أنت كنت هربان». فضحك السادات!

كانت تحية تمارس حبها للحياة بشكل طاغٍ، فتعبر عن نفسها بكل وضوح، دون أي حرج من تفاصيل حياتها أو ماضيها، متصالحةً مع كل ما حدث معها ومع كل قرار أخذته، وفي مذكراتها  ذكرت تحيّة عشقها للحياة والعلاقات الغرامية، فتذكر أنها تزوجت أربع عشرة مرّة؛ أولهم مع انطوان عيسى، ابن شقيقة بديعة مصابني، وآخرهم مع المخرج المسرحي حسن عبد السلام، لكن رشدي أباظة ظل هو الزوج الذي أحبته وأشارت إليه في مقابلاتها قائلة «رشدي كان غير».  

حبها للحياة انعكس على تنوعها، فكانت حياةً ثرية بالسفر والفن والسياسة والعلاقات والصداقات، دون تزييف أو تملق. في مقابلة تلفزيونية تظهر تحيّة هادئةً تجيب على الأسئلة بثقة تبدو وكأنها لا مبالاة أحيانًا، وتشي إجاباتها عن شخصٍ عقد مصالحة نهائيّة مع نفسه، يجيب على الأسئلة ببساطة لا تخلو من عمق الثقافة والتجربة، وتتكلم بتلقائية عن أخطائها وحياتها وتفاصيلها، مدركةً أن الإبداع ما هو إلا أن تسمح لنفسك بأن تخطئ، أما الفن فهو أن تعرف أي الأخطاء تبقى معك.