قرأتلّك: الكثير من الأسئلة، القليل من الإجابات

الأحد 04 كانون الأول 2016

إعداد جابر جابر

مات كاسترو، وتعالت أصوات القصف في حلب، والمزيد من اليمينيين قادمون إلى السلطة في مناطق شتّى من العالم. في صحف هذا الأسبوع قرأنا مجموعة من المواد الجيدة التي ناقشت هذه المواضيع وغيرها، طارحة العديد من الأفكار، والأكثر من الأسئلة. وفي مقدمة هذه الأسئلة، سؤال: إلى أين يسير بنا العالم، أو إلى أين نسير به؟

في الجمهورية، كتب ياسين السويحة مقالًا، أظنّه بديعًا، اختار فيه أن يسمي العام 2016 بعام الحدود، وذلك لأن خطاب الحدود وبناء جدران جديدة، ورفع الجدر المقامة أصلًا، الداعي للانغلاق على الذات، ورفض الآخر، كان هو الخطاب المهيمن على هذه السنة. يبدأ المقال المعنون «الحدود: عن لبنات جديدة في الجدار» بالحديث حول تصريحات أردوغان التي هدد فيها الاتحاد الأوروبي بفتح الحدود أمام اللاجئين، ويواصل تحليله لهذا العام بالحديث حول فوز دونالد ترامب، وتصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي، مرورًا باتجاه الفرنسيين قدمًا نحو اليمين. ومن هذا المقال أختار الفقرة التالية التي أظنها تعبّر عن تناقضات هذا العام: «الحدود هي المنعكس الأدريناليني، هي بناء الدرع الواقي أمام مخاطر آتية حتماً من الخارج، أكان لهذه المخاطر «طابور خامس» جسدي أو فكري في الداخل أم لا. الحدود هي ردّ الفعل الدفاعي، الصادر كمنعكس شرطي أمام تهديد تردّ عليه الغريزة قبل التفكير. التقوقع هو سرعة البديهة مقابل «السفسطة»، الفعل مقابل «التفلسف»، الحركة مقابل «التنظير»، الفاعلية مقابل «المثالية»، واقعية المتورّطين المفترضين في توابع الظروف السيئة أمام «هيبّية» المناهضين المترفين».

وعن عالم الحدود هذا، كتب المفكر السوري ياسين الحاج صالح، في الجمهورية أيضًا، مقالًا فيه الكثير من الغضب والتشاؤم. حمل المقال عنوان «ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية»، وفي المقال المطوّل هذا يتحدث الكاتب عن انغلاق العالم أكثر فأكثر خلال السنوات الماضية، والاتجاه أكثر فأكثر نحو خيارات ضد ديموقراطية، في الغرب والشرق. ومن هذا المقال الذي ينتظر له أن يثير كثيرًا من النقاشات والأسئلة، أقتبس: «وفي منطقتنا، الشرق الأوسط، يمكن للمرء أن يتحفظ بقوة عن نظرية ما بعد الاستعمار، وعن مقترح ما بعد الاستبداد في آن، وذلك بالإحالة إلى التكوين الخاص المميز لهذا الإقليم الفريد. فمن جهة هناك ضرب من تمديدٍ للشرط الاستعماري عبر الواقعة الإسرائيلية، وعبر حروب استعمارية أو ما بعد استعمارية متكررة مرة كل عقد على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومن جهة أخرى، هناك ترسخ لعلاقات الاستبداد السياسية والاجتماعية، وتجمد، بل تراجع، للتحولات الاجتماعية المواتية لمصالح أكثرية السكان منذ أربعة عقود على الأقل، وهذا مع ترسخ مواز في علاقات التبعية الداخلية وفي التبعية متعددة المستويات لمراكز السيطرة الدولية. نحن بصورة ما في الاستعمار وفي الاستبداد، ولسنا في «ما بعد» أي منهما. وما قد تلزم نظرية له لتعريف هذه الصورة الخاصة لتشابك الاستبداد والاستعمار هو النظام الشرق أوسطي كنظام دولي فرعي، ذو علاقة خاصة بالمركز السياسي الأمني الدولي، ما أسميه إمبراطورية الغرب، وتحديداً مركز قيادتها الأميركي».

وعلى ذكر الأمريكان والآراء التي تستحق النقاش حولها، كتب شادي لويس في مجلة معازف، مقالًا لطيفًا بعنوان: السطوة المفقودة | عن المغربي الذي ألّف أول أغنية ضد الأمريكان. وفي هذا المقال يستعرض لويس أغنية «لمريكان» للمغربي حسين السلاوي، التي كتبها إثر اصطدام المغربيين بالقوات الأمريكية التي دخلت بلدهم في العام 1942. وبينما يمكن الذهاب إلى أن هذه الأغنية هي واحدة من الأغاني التي تدل على الجرح النرجسي الذي أصاب الذات العربية لدى اصطدامها بالذات الغربية، إلّا أن لويس يذهب في المقال إلى مكان آخر، يستحق أن يحك الرأس لأجله، وهو ما يقوله في ختام مقاله: تقدم أغنية السلاوي نموذجاً استثنائياً عن استقبال المجتمعات العربية للقرن الأمريكي، وطرق تفاعل فناني المنطقة ومجتمعاتها مع قدومه، كاشفة أن معضلة الهيمنة الثقافية الأمريكية لم تكمن في قدرتها على فرض تماهي مع قيمها وجمالياتها على مجتمعات المنطقة، بل في فرضها ضغطاً ثقيلاً يُعري الضعف المستشري لدى الطبقات المحلية التي استبدت لسنوات طويلة، دافعاً تلك الأخيرة إلى محاولات فزعة لإعادة فرض هرميتها.

وبعد هذه الجرعة من الأسئلة، ربما يكون مناسبًا بعض الشيء أن أختم بمقابلة لطيفة، وخفيفة، نشرها موقع جدلية أجراها الصحفي خوليو سيزار كالستو مع الأديب الأرجنتيني، الأعظم ربما، خورخي بورخس في العام 1983، وكان من بين الإجابات البديعة التي رد بها قوله: «في الماضي كان الإنسان يحلم أكثر والآن (…) عندما يحدث شيءٌ يتمّ الإعلان عنه في التلفاز بشكل مباشر بحيث لا يتوفر وقت لإبداع خرافة عنه. على سبيل المثال استطعت أن أشاهد في التلفاز هبوط الإنسان إلى القمر. هذه السرعة ساعدت على تشكيل جزء من أخبار اليوم، وبعد ذلك نسيان الرحلات المتعددة الأخرى إلى القمر. ولكن الأمر سيكون مختلفاً لو أنهم أعلنوا عن وصول الإنسان إلى القمر، ومن ثم تركوا لكل واحدٍ منا أن يحلم على طريقته كيف حدث الأمر. ولكن لسوء الحظ فالأخبار الكثيرة تطاردنا».

* «قرأتلك» هي زاوية أسبوعية ننتقي فيها عددًا من المقالات والتحليلات الهامة التي نشرت في الصحافة والمواقع الإلكترونية العربية.