قرأتلك: حظر ورقابة وسجون

الإثنين 09 كانون الثاني 2017

إعداد جابر جابر

مع كل «حدث كبير» يشهده الأردن، يترقب الصحفيون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي الخبر الذي بات مملًا لكثرة تكراره: «حظر نشر بالقضية الفلانية». هذا القرار الذي يشكّل سيفًا على رقاب الصحافيين والمواطنين، ويجعلهم في سباق مع الوقت، إذ أن كل من لديه معلومة أو خبرًا أو مقالًا حول ذلك الحدث سيسارع إلى نشره قبل أن يصدر قرار حظر النشر. وربما يكون هذا السباق مع الوقت، سببًا لارتكاب الصحفيين لأخطاء أكبر من تلك التي يرتكبونها عادة، وبذا تكون الحكومة، وعبر أجهزتها الرقابية، ساهمت، من حيث لا تدري، في قتل البقية الباقية من المهنية الصحفية.

كتب تامر موافي دراسة مطوّلة في موقع مؤسسة حرية التفكير والتعبير بعنوان «حظر النشر والحق في المعرفة»، تناول فيها «ظاهرة» حظر النشر في مصر مع كل قضية كبرى، وتناقض هذا السلوك المتكرر مع حق المواطنين بالمعرفة. المفارقة، أن كاتب الدراسة قد بدأ نصّه بعبارة من العسير معها أن تعرف إن كان الكاتب يتحدث عن الأردن أم عن مصر، وهو ما يؤشر إلى تشابه الطرق التي تتعامل بها الأنظمة مع هذا النوع من القضايا. يقول صاحب الدراسة «شكل التكرار الدوري لقرارات حظر النشر في اﻷعوام اﻷخيرة ظاهرة ملحوظة إلى الحد الذي أصبح معه من المتوقع مسبقًا عند إحالة إحدى القضايا المثيرة لاهتمام الرأي العام أن قرارًا بحظر النشر فيها سيصدر في وقت قصير وهو توقع غالبًا ما صدقه الواقع».

ومن هذه الدراسة التي تحتاج إلى قراءة متأنية أقتبس: «تسعى الدراسة الحالية إلى تطوير مفهوم نظري للحق في المعرفة ينبني على كل من المصلحة العامة للمجتمع والدولة، والمصلحة الفردية للمواطن. ومن خلال ذلك يتم إيضاح موقع السلطة القضائية وممارساتها من هذا الحق وأهمية هذا الموقع. وعلى هذا اﻷساس تحاول الدراسة بناء مفهوم واضح لحظر النشر يتشكل من صفتين أساسيتين له وهما الاستثنائية والظرفية وبناء عليهما يتم إيضاح الشروط اﻷساسية الواجب توافرها في أي قرار لحظر النشر كقيد يمكن تبريره على الحق في المعرفة».

وفي إطار الحديث حول الرقابة، نشر موقع «رمّان» ترجمة الطيب الحصني لمقدمّة كتبها الروائي جورج أورويل لروايته ذائعة الصيت مزرعة الحيوان. في هذه المقدمة يخبرنا أورويل عن الصعوبات التي واجهته لأجل العثور على من يقبل بنشر هذه الرواية، التي ستعتبر بعد صدورها بسنوات واحدة من أفضل الروايات الصادرة في القرن العشرين، بحسب العديد من التصنيفات. ما يدفعني إلى إيراد هذا النص هنا هو حديث أورويل عن الرقابة الذاتية التي مارسها ويمارسها المثقف على ذاته. ويرى أورويل أن هذه الرقابة لم تأت بناء على أوامر أو تدخّلات من سلطة عليا، ولكنها أتت من اتفاق ضمني غير محكي بين المثقفين على أن بعض القضايا لا يجوز الخوض فيها. ومن هذا النص أقتبس: «ولكن الخطر الرئيس على حرية الفكر والتعبير في هذه اللحظة ليس التدخل المباشر لوزارة المعلومات أو أي كيان رسمي آخر، فإذا كان الناشرون والمحررون يجتهدون في إبقاء بعض المواضيع خارج دائرة النشر، فإن هذا لا يعود لخوفهم من الاضطهاد، بل لأنهم يخافون الرأي العام. في هذه البلاد، جُبن المثقفين هو العدو الأسوأ الذي يضطر الكاتب أو الصحفي لمواجهته، ولا يبدو لي أن هذه الفكرة قد حظيت بالنقاش الذي تستحقه».

ومع الكتب نظلّ، وهذه المرّة من موقع مدى مصر، الذي نشر مقالًا للروائي المصري محمد ربيع، بعنوان نجيب محفوظ.. الذي ظلمناه جميعًا. ورغم إعجابي بطريقة السرد التي يستعملها محمد ربيع إلّا أن مشاعر متضاربة راودتني خلال القراءة، خاصة في القسم الأول منه، والذي يروي فيه تكفير أحد أساتذته لنجيب محفوظ. على أي حال، أحب لهذا المقال أن يقرأ، خاصة بسبب لفظة قطعة الشطرنج التي ما انفكّ ربيع يكرّرها لدى كلامه عن نجيب محفوظ وعن المثقف والمواطن المصري. ومن هذا المقال أقبتس خاتمته الجميلة: «لكن الدولة المصرية لم تكن الوحيدة التي ظلمت محفوظ، لقد ظلمناه جميعًا؛ حين اتهمناه بالكفر، وحين حسدنا «فرج» على ما فعل، وحين ادعينا أن محفوظ «أرَّخ» لمصر، وحين كفَّرناه، وحين طالبنا بسجنه، نحن قطع الشطرنج المظلومة مثله تمامًا، ظلمنا من كتب لنا وأخبرنا بكل ما في نفسه، بحيرته وتساؤلاته وشكه وإيمانه وحبه الذي استعاض به عن كل شيء. لكننا مع ذلك كنَّا أشد ظلمًا من الدولة المصرية لأننا لم نقرأ ما كتب أبدًا».

وعلى ذكر التكفير، نشر موقع الجمهورية شهادة «أحمد الأسير» المعتقل السابق في سجون تنظيم داعش، والذي تمكن رفقة سجناء آخرين «شهر آذار عام 2015، من سجن المحكمة الاسلامية التابعة لداعش في مدينة الباب بريف حلب الشرقي».

حملت الشهادة عنوان على جدار الجامع الكبير في مدينة الباب، ومن هذا الشهادة أقتبس: «وصلنا إلى الجامع الكبير في مدينة الباب، أوقفونا على جدار الجامع، رؤوسنا إلى الأرض وظهورنا تجاههم ووجوهنا إلى الحائط البارد. هل يمكن أن يحمينا هذا الجدار، كما حمانا جدار الأمس من نور القمر؟! في صفٍّ واحدٍ كلنا، أخذت أصوات التشهّد تعلو بين المعتقلين، أيقنتُ أنها النهاية وهذا هو الموت، نموت وتضرب رؤوسنا جدار بيت من بيوت الله، وتطرش دماؤنا جدار الجامع».

وأخيرًا، أختم مادة هذا الأسبوع، بمادة لطيفة من موقع ضفة ثالثة، والذي نشر مقالًا كتبها التشكيلي الأردني غسان مفاضلة بعنوان تماثيل عين غزال الأردنية: من رحم التاريخ إلى اللوفر، ويستغل مفاضلة هنا استعارة متحف اللوفر لتماثيل عين غزال، لتعريفنا على هذه التماثيل وما تعنيه للتاريخ البشري.

من هذه المادة أقتبس: «لم يتوقف إنسان «عين غزال» عند المُعطى الوظيفي للنحت الذي عرفه إنسان العصر الحجري القديم عبر تصنيع أدواته الحجرية وتسخيرها لخدمته المعيشية؛ بل شرَع الإنسان الغزالي، بما حقّقه من رفاهٍ واستقرارٍ على ضفاف «وادي الزرقاء» في ابتكار مواده وتقنياته، وتطويعها بما يخدم تنصيب تماثيله التي صار معها النحت لأول مرةٍ، فنًا قائمًا على الإنشاء والتركيب، وإعلاء قيم الجمال في التمثيل والتعبير».