عشرون عامًا من تأجيل حقوق الأطفال

الإثنين 13 شباط 2017
تصوير سييرا ويست، شتاء 2011.

عشرون عامًا بقيت فيها المسودة الأولى لقانون حقوق الطفل في الأردن حبيسة أدراج المؤسسات الحكومية والبرلمان، في وقت تشهد فيه المملكة ارتفاعًا غير مسبوق في حالات العنف ضد الطفل وانتهاك حقوقهم.

عملت الحكومة على إعداد المسودة الأولى لقانون حقوق الطفل في العام 1997، أي بعد ستة أعوام من المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، ورفعت المسودة إلى مجلس النواب العام 2004 دون أن تُعرض على جداول أعمال المجلس، إلى أن عاودت الحكومة سحب القانون العام 2008.

بررت الحكومة حينها سحب القانون لعدم الحاجة إليه خصوصًا أن الأردن قد صادق على الاتفاقية بالتالي تعد الاتفاقية مرجعًا قانونيًا أكثر سموًا، لكن واقع الحال أن هذه الاتفاقية لم تستخدم بتاتًا في أي قرار قضائي يختص بالأطفال، سواء كانت في قرارات حماية أو حضانة أو رعاية أو غيرها.

ورغم ضغط مؤسسات المجتمع المدني منذ ذلك الحين لإعادة إعداد القانون، إلا أن الحكومة تمسكت بموقفها بعدم الحاجة له، متذرعة بوجود الاتفاقية وتشريعات أخرى تتناول القضايا التي تخص القاصرين، كقوانين التربية والتعليم والأحداث والعقوبات والأحوال الشخصية، وكذلك قانون الحماية من العنف الأسري (غير المطبق على أرض الواقع).

لماذا التغيير؟

شكل عام 2014 نقطة تغيير كبيرة تجاه قضايا حقوق الطفل، سواء كان ذلك بضغط نخبوي أو أممي لتغيير القانون، إذ شهد شهر آذار 2014 جريمة بشعة بحق الطفلة حسناء ذات العشر سنوات، عندما قضت ضربًا على يد والدها. أثارت الجريمة الرأي العام حينها، وعلت المطالبات بضرورة إلغاء البند التشريعي الذي يبيح ضرب الأطفال من قانون العقوبات، وضرورة إقرار قانون لحقوق الطفل لحمايتهم.

تلا مقتل الطفلة حسناء بثلاثة شهور صدور توصيات لجنة حقوق الطفل الأممية في جنيف والذي أبدت اللجنة فيه صراحة قلقها من تأخير تبني مشروع قانون الطفل، معتبرة أن «الجهود لمواءمة القوانين المحلية مع الاتفاقية الدولية ما تزال غير فاعلة».

في تشرين الأول من العام ذاته، هزت جريمة أخرى الرأي العام، عرفت وقتها باسم «جريمة طبربور» والتي أقدمت فيها أم على قتل أطفالها الثلاثة. اللافت في تلك القضية أن أطفال العائلة الضحايا كانوا قد تعرضوا سابقًا لحالات عنف، ولدى العائلة ملف في إدارة حماية الأسرة، لكن اختلالات منظومة الحماية وغياب التشريعات تسببت بهذه النهاية المأساوية.

على أثر جريمة طبربور شكل الفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف لجنة تقصي حقائق، أظهرت نتائج اللجنة الاختلالات الكبيرة في التعامل مع القضية، للأسف لم تكن جريمة طبربور الاخيرة ولا الأسوأ إذ تبعها سلسلة جرائم أسرية كانت الضحية الأكبر فيها الأطفال.

في عام 2014، قتل ستة أطفال على أيدي آبائهم وأمهاتهم. توازي ذلك إحصاءات رسمية تفيد بأن 89% من الأطفال يتعرضون للعنف البدني، منهم 20% يتعرضون للعقاب البدني الشديد الذي يشمل الصفع على الوجه والضرب على الرأس والأذنين أو باستخدام أداة للضرب، بحسب مسح السكان للعام 2012. وسط ذلك، وإلى جانب المطالبات الأممية المتكررة، أوصى لقاء تشاوري نظمه المجلس الوطني لشؤون الأسرة مطلع عام 2015 بضرورة الاستعجال بإصدار قانون حقوق الطفل.

يرى المناهضون للقانون ألا رابط حقيقي بين جرائم القتل وقانون حقوق الطفل، كون الجرائم الجنائية من اختصاص قانون العقوبات، لكن واقع الحال أن قانون حقوق الطفل كان سيشكل آلية وقاية وحماية لهؤلاء الأطفال الضحايا.

تفيد إحصاءات رسمية بأن 89% من الأطفال يتعرضون للعنف البدني، منهم 20% يتعرضون للعقاب البدني الشديد

بحسب مديرة مجموعة القانون لحقوق الإنسان «ميزان»، المحامية إيفا أبو حلاوة، فإن «قانون العقوبات قانون جزائي يتعامل مع الجاني. في مقابل ذلك يفترض أن يغطي قانون حقوق الطفل جوانب أخرى لم تتناولها التشريعات إذ تضمن تلك التشريعات بالقدر الممكن حماية الطفل سواء من العنف أو الإساءة أو انتهاك حقوقه».

تستذكر أبو حلاوة قضية الطفلتين حنين وبيان اللتين قتلهما والدهما في فترتين متباعدتين، إذ قُتلت حنين عام 2008، ولعدم كفاية الأدلة، تمت تبرئة الأب. وفي عام 2015، قتلت الشقيقة الصغرى بيان، بالطريقة نفسها التي قُتلت فيها شقيقتها: «حرقًا».

«خسرت والدة حنين وبيان حضانتها للطفلتين بسبب زواجها»، تقول أبو حلاوة. «انتقلت الحضانة بقرار قضائي للعمة التي كانت تسكن في ذات المبنى مع الأب، رغم وجود عوامل خطورة عالية لكن قانون الأحوال الشخصية لم يساعد الأم في استعادة طفلتيها. لو وجد قانون حقوق طفل تسمو به مصلحة الطفل ورغبته لكانتا من بين الأحياء ربما».

تبدي أبو حلاوة استغرابها من عقلية المشرع الأردني، وتقول إنه «رغم إقرار الأردن لقانون منذ ستينات القرن الماضي خاص بمعاقبة الأطفال إذا خالفوا القانون، وهو قانون الأحداث لكن ليس لدينا أي قانون يحميهم ويوضح حقوقهم تجاه أسرهم والدولة والمجتمع أو الأسر البديلة لهم».

وتتابع أن أسباب المطالبة بالقانون لا تقتصر على حماية الأطفال من العنف، إنما تمتد لباقي حقوقهم الأخرى، كضمان حقهم في التعليم، والرعاية الصحية، والحماية من الاستغلال الاقتصادي، والرعاية الوالدية وغيرها.

الأسباب الموجبة للقانون

في كانون الأول الماضي، أعلن المجلس الوطني لشؤون الأسرة عن مباشرة إعداد مسودة جديدة لقانون حقوق الطفل، عرضت خلال جلسة نقاشية الأسباب الموجبة للقانون، بحسب الأسباب الموجبة فإن الغاية منه توفير مرجعية قانونية عامة لحقوق الطفل فضلًا عن تغطية الفجوات التشريعية.

وفقًا للأسباب التي تم الإعلان عنها في كانون الأول 2015، فإن «القانون هو صمام الأمان الذي ينظم الحقوق التي تضمنتها الاتفاقية، وإن إقرار القانون هو الضمانة للتحقق من قيام المملكة بتنفيذ ما جاء بالاتفاقية الدولية لحقوق الطفل».

في هذا السياق تقول الخبيرة القانونية ومستشارة المجلس لسنّ قانون حقوق الطفل، حنان الظاهر، «تتوجب مجموعة من الحقوق النص عليها مباشرة وبطريقة تفصيلية نظرًا لورودها في الاتفاقية بصورة موسعة».

وتتابع «لقد أظهر التطبيق العملي غياب آلية تنفيذية للتنسيق بين الجهات المختلفة المسؤولة عن حماية الطفل وضرورة إيجاد تشريع ينظم العلاقة بين هذه الاتجاهات لضمان منح الحقوق للأطفال بصورة صحيحة».

إلى جانب ذلك، تلفت الظاهر إلى الفجوات التشريعية التي يُتوقع من القانون معالجتها، مشيرة في ذلك إلى قانون التربية والتعليم. فرغم أن القانون يتحدث عن مجانية وإلزامية التعليم، لكنه لا ينص على إجراءات في حال حرم الطفل من حقه في التعليم. كذلك الحال لقانون العمل، فرغم أن القانون ينص على عقوبات وغرامات بحق صاحب العمل الذي يشغل القاصرين، لكنه لا ينص على إجراءات لحماية الأطفال العاملين.

تشير الظاهر إلى جزئية بالغة في الأهمية في مشروع القانون الجديد، وهي المتعلقة بتثبيت حقوق الطفل في التشريع الوطني. ففي حين يتعامل قانون التربية والتعليم والصحة مع الخدمات المقدمة للأطفال على أنها دور لكلا الوزارتين، إلا أن القانون ينص على أنها حقوق للطفل، بالتالي يحق للطفل المحروم مطالبة الدولة بهذه الحقوق.

هل سيرى القانون النور؟

يبدي كل من المجلس الوطني لشؤون الأسرة ووزارة التنمية الاجتماعية اهتمامًا بإقرار القانون، بالتالي، فالمشكلة ليست في الجهات التنفيذية. التخوف، كما تظهر تجارب سابقة، يمكن في مجلس النواب. فالمجلس سبق أن أهمل القانون لمدة أربع سنوات، فيما يشهد مجلس النواب حاليًا حملة شرسة ضد مشروع قانون الحماية من العنف الأسري الجديد، باعتباره «لا يتوافق مع عادات المجتمع». إذ أعلن عدد من النواب ومنهم عبد الكريم الدغمي ومصطفى ياغي موقفًا علنيًا داعيًا لرد القانون.

هذه المواقف السلبية والمعادية للقوانين الاجتماعية المتعلقة بالفئات الأكثر ضعفًا تضاعف تأخير إقرارها، وتحرم الأطفال الذين لا صوت لهم ولا يحق لهم الانتخاب، من نيل الحماية التشريعية التي يستحقونها، لتضعهم بالتالي خارج دائرة الاهتمام.