ما هي دلالة القتال في جنوب سوريا؟

السبت 25 شباط 2017
دبابة سورية قي بلدة القنيطرة في جنوب سوريا. موقع العالم.

حايد حايد*

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في موقع آتلانتيك كاونسيل في 21 شباط).

شنّت الجماعات الثائرة في الثاني عشر من شباط هجومًا تحت عنوان «الموت ولا المذلة»، مُستهدفين المناطق التي يُسيطر عليها النظام في درعا. تُفيد التقارير عن العملية المستمرة في كونها محاولة لمنع القوات الموالية للنظام السوري من التحكم بمعبر حدودي استراتيجي مع الأردن. جاء الهجوم الذي أعقب فترة طويلة من انخفاض المعارك منذ منتصف عام 2015 مفاجئًا ليس فقط للنظام السوري بل لحلفاء الثوار، وتحديدًا الأردن. لم يستطع الأخير – الذي تفيد التقارير أنه عارض الهجوم – إيقافه.

ولذلك، أُثيرت تساؤلاتٌ حول مدى تأثير الأردن على حلفائه من الثوار من أجل تهدئة الاشتباكات في الجنوب. صعّد الهجوم أيضًا من المخاوف عن التعاون المتزايد بين الجيش السوري الحر (FSA) والجماعات المتطرفة مثل جبهة فتح الشام، الاسم الجديد لجبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، وجزء من تحالف تم تشكيله حديثًا معروفٌ باسم هيئة تحرير الشام.

يقود الهجوم المناهض للنظام السوري غرفة عملية «البنيان المرصوص» المدعومة من قبل ستة وثلاثين جماعة  ثائرة. تم تشكيل الجماعات بأعضاء من كل من الجيش الحر وهيئة تحرير الشام. تهدف غرفة العمليات للسيطرة على حي المنشية في درعا البلد كي تمنع النظام من السيطرة على معبر درعا الحدودي (يسمى عادة بمعبر الجمرك). سمحت الاشتباكات للجماعات الثائرة بالاستيلاء على جزء كبير من حي المنشية المستهدف. وكردٍ على ذلك، نفّذت الطائرات الروسية حملة قصف مكثفة على المناطق التي يُسيطر عليها الثوار في درعا. كانت هذه الاشتباكات وحملات القصف بعضًا من أعنف ما شهدت درعا منذ التدخل الروسي في أيلول عام 2015. ما تزال أعداد الضحايا غير واضحة، لكن المرصد السوري لمراقبة حقوق الإنسان ومقره المملكة المتحدة ذكر أن ما لا يقل عن  خمسين شخصًا قتلوا من كلا الطرفين في الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم. تتحكم القوات الموالية للنظام بمعظم أحياء درعا الشمالية والغربية، بينما تتحكم جماعات المعارضة بمناطق في الجنوب والشرق.

استطاع الأردن استخدام نفوذه وعلاقاته لتجنيب درعا الدمار الذي ألحقه النظام السوري وسوريا في أجزاء أخرى من سوريا. وفقًا للباحث السوري المستقل فيليكس لوجراند، ضغطت السلطات الأردنية من أجل تهدئة القتال ضد نظام الأسد، كما استطاع الأردن التوصّل مع روسيا لما سماه مراقبون محليون بـ«اتفاق رجال» لتجنيب جنوب سوريا الضربات العسكرية. تهدف الاستراتيجية لإعادة نشر قوات الثوار في مواجهة الجماعات المتطرفة وإبقائها بعيدة عن مناطقها الحدودية. وتمكّن الأردن من إبعاد الثوار من خلال التحكم بالدعم الموجه عبر حدوده مع سوريا عن طريق مركز العمليات العسكرية ومقره الأردن، وهو عملية مشتركة أُنشئت من قبل «أصدقاء سوريا» عام 2013 لتنسيق تقديم الدعم لجماعات الثوار الذين خضعوا للتدقيق والموافقة.

أدت كل من الأهمية الاستراتيجية للمعبر والتهديدات المُتزايدة التي تواجه جماعات الثوار إلى تحول في استراتيجيتهم أمام أعدائهم وحلفائهم على حد سواء، ومنع «اتفاق الرجال» الأردني مع كل من النظام وروسيا الأخيرة من التقدم ببطئ نحو معبر درعا الحدودي. وفقًا لسكان محليين، لم يتوقف النظام أبدًا عن محاولة السيطرة على مناطق جديدة، ودفع غياب استراتيجية بقيادة أردنية لمنع تقدم النظام الجماعات الثائرة الدفاع عن أنفسها بوسائل عسكرية. ذكر قائد في الجيش السوري الحر في عملية البنيان المرصوص تحدث تحت شرط السرية عبر الواتساب: «حاولنا البحث مع الأردن في استراتيجيات مختلفة لمنع النظام دون نجاح. ليس باستطاعتهم إقناع النظام بالبقاء بعيدًا، كما أنهم لا يسمحون لنا بالقتال ردًا. كان علينا أن نقرر بصعوبة التحرك ضد أوامره».  

يمكن أيضًا النظر إلى الهجوم على أنه وسيلة لإقرار الحقائق على الأرض ومنع أي صفقة سرية بين الأردن والنظام السوري. كتب الصحفي أحمد الحوراني عن المخاوف من تحول في سياسة الأردن نحو النظام السوري، وكان أشار إلى تصريحات لمسؤولين أردنيين لم يعترضوا على السماح للنظام السوري باستعادة سيطرته على المعابر الحدودية؛ خطوات كهذه بإمكانها إعادة بناء العلاقة مع النظام السوري. سقوط حلب الأخير في كانون الأول عام 2016، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه تم بالاتفاق مع تركيا داعمة الثوار، يجعل هذه المخاوف أكثر واقعية. ومع ذلك، فإن السماح للنظام بالتحكم بمعبر درعا الحدودي والذي كان تحت سيطرة الثوار منذ تشرين أول 2013 سيوقف تدفق الأسلحة والقوى البشرية المقدمة إلى الثوار. وقد يفصل ذلك مناطق الثوار إلى قسمين في شرق وغرب المدينة، مما يسهل حصارها.

دفعت المخاطر الكبيرة المنطوية في ذلك جماعات الثوار عبر أطيافها الفكرية للعمل معًا لحماية مواقعهم، ولتبنًي استراتيجية أكثر استباقية. يقول القيادي في الجيش الحر: «المعركة الحالية ليست دفاعية على عكس معارك سابقة. اتخذنا قرارًا بالهجوم على مواقع للنظام في المنشية لتكون لنا اليد العليا ولتأمين مواقعنا».

ما يزال من غير الواضح كيف يمكن للأمور أن تتطور في الجنوب وكيف ستؤثر على العلاقة بين الأردن والجماعات الثائرة. مع ذلك، يجبر الاعتماد الكلي للجماعات الثائرة على الدعم المقدم عبر الأردن التماشي مع سياساتها. قد تتزايد مثل هذه الخلافات بين الحلفاء والتي تعتبر تكتيكية أكثر من كونها استراتيجية في ظل غياب لاستراتيجية بقيادة أردنية للإبقاء على النظام في الحسبان جنوبًا، وسيؤثر حجم وتواتر هذه الاختلافات على مجال التعاون بين الجيش الحر والمتشددين.     

* حايد حايد كاتب وباحث سوري وزميل مشارك في  معهد تشاتام هاوس، متخصص في السياسة الأمنية ودراسات الصراع والحركات الكردية والاسلامية. يقوم بالتغريد على حساب [email protected]