حبر تحتفل بعيدها العاشر

السبت 27 أيار 2017

عشر سنوات مرّت على انطلاق حبر، في أيّار من عام ٢٠٠٧، ونحو خمس سنوات منذ تحوّلت حبر من منصّة لما يسمّى «إعلام المواطن» يقوم عليها مجموعة من المتطوعين، إلى مجلة صحفية ومؤسسة إعلامية احترافية يضم فريقها أربعة عشر شخصًا إضافة إلى طيف واسع من الأشخاص – كتّاب وصحفيين ومصوّرين ومختصين في مجالات مختلفة – يشاركون بشكل منتظم في إنتاج مواد صحفية معمّقة أو تقديم تحليلات نقدية وطروحات مختلفة تتحدى الخطاب السائد وتخلق مساحات جديدة للحوار.

عندما أطلقنا «حبر»، لم يكن لدينا تصوّر واضح للشكل الذي سيأخذه هذا المشروع، لكننا كنّا مدفوعين بفكرة جوهرية لم تتغير طيلة هذه السنوات العشر، وهي ضرورة أن ينتزع الناس حقّهم في سرد قصصهم، والتعبير عن أفكارهم، ومساءلة من هم في موقع السلطة.

«حبر» انبثقت من مجتمع المدونات في الأردن والمنطقة عندما كان مشهد التدوين في المنطقة في أوجه، في وقت قدّمت فيه الإنترنت مساحة غير مسبوقة لتحدّي هيمنة وسائل الإعلام التي تُسيطر عليها الأنظمة العربية أو رؤوس الأموال المتحالفة معها. كنّا جزءًا من مجتمع عربي من المدوّنين والتقنيين ومطوّري برمجيات المصدر المفتوح، معظهم شباب وشابات في مقتبل العشرينيات، يجمعهم إيمان عميق بحرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة وإتاحة المعرفة بشكل مفتوح.

كان شعار «حبر» هو «شو قصتك؟»، دعوةً مفتوحةً لمشاركة المقالات والتجارب والآراء، لكن ذلك لم يكن كافيًا وحده. عمدنا إلى تنظيم ورشات عمل حول التدوين والتصوير وإنتاج المحتوى على الإنترنت، كما بدأنا بعقد لقاءات حول الكتابة والتصوير الفوتوغرافي وسرد القصص، وكان لهذه النشاطات على الأرض دور كبير في بناء مجتمع من الكتّاب والقرّاء وزيادة زخم ونوعية المحتوى على الموقع.

على الرغم من وجود عدّة محطات مفصلية في رحلة «حبر»، لكن أبرزها حتى الآن كان عام ٢٠١١ الذي شهد انتفاضات الشعوب العربية ضد الأنظمة الدكتاتورية القمعية ومن أجل الحرية والكرامة والعدالة. لعلّ ذلك كان العام الذي تحققت فيه الفكرة التي حلمنا بها عندما بدأنا، وهي أن نستقبل وننشر مقالات وشهادات وقصص تتحدّى السرديات السائدة وتكسّر الأصنام التي صنعتها الأنظمة العربية في عقول مواطنيها، وتقدّم أصواتًا جديدة توسّع مساحات النقد والحوار. هذه الحوارات لم تقتصر على الفضاء الإلكتروني، إذ بدأنا في ٢٠١١ بتنظيم ما أسميناه «نقاشات علامة المربّع» (Hashtag Debates) بشكل شهري، ناقشنا فيها قضايا مثل الملكية الدستورية ودور الملك في النظام النيابي الملكي، وتدخل المخابرات في الحياة السياسية، والسياسات الاقتصادية والدين العام، وغيرها الكثير من المواضيع التي برزت في ضوء الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح في الأردن.

ما آلت إليه الانتفاضات العربية قصّة معروفة، ومؤلمة، لا حاجة لإعادة سردها، لعل أفضل ما يعبّر عنها ما كتبه أحد الأصدقاء على صفحته على فيسبوك ليلة رأس السنة، ٣١ كانون أول ٢٠١١: «الشعب يريد بقاء ٢٠١١».

لكن ٢٠١١ ذهبت والزخم الذي تميّزت به تبدد. ووجدنا أنفسنا في «حبر» أمام سؤال: ما هو دورنا الآن؟ هل نبقى مساحة لـ«إعلام المواطن» في وقتٍ أصبح فيه فيسبوك المساحة الأسهل والأكثر انتشارًا للتعبير عن الآراء والمواقف؟ وكيف نتعامل مع الإحباط العام الذي أصاب عددًا كبيرًا من الشباب والشابات الذين كانوا يكتبون وينشرون مقالات في حبر بوصفهم جزءًا من جمهور الربيع العربي الذي أصيب بالإحباط أو بما هو أسوأ من قمع وملاحقة؟

وجدنا أنه لا يمكننا الاستمرار كـ«منصّة» تعكس المزاج العام فقط، وأن ما نحتاجه وما يمكن أن نقدّمه هو محتوى صحفي خلّاق وجريء ومعمّق، يعتمد على البحث والتقصّي والدّقة، وينطلق من القيم الأساسية التي نؤمن بها، وهي العدالة والمساءلة وحقوق الإنسان والتعددية.

من هنا، كان عام ٢٠١٢ نقطة التحول إلى «مجلة» صحفية – وقد اختلفنا كثيرًا فيما إذا كانت تسمية «مجلّة» تعبّر عن الشكل الجديد لـ«حبر». كان واضحًا بالنسبة لنا أننا لسنا موقعًا إخباريًا يغطي الأخبار اليومية السريعة، بل موقعًا يسعى إلى البحث في القصة وراء الخبر وتفسيرها وتحليلها، أو تغطية قضايا وقصص قد لا تكون على رادار الأحداث، خاصّة تلك التي تمسّ فئات غائبة أو مغيّبة عن الإعلام السائد.

في خضمّ هذا التحول، كنا نعتقد أنه وبغض النظر عن مآل الانتفاضات العربية والحراك المطالب بالإصلاح في الأردن، فإن الخطوات الكبيرة التي تم قطعها في مجال حرية التعبير في عام ٢٠١١ لا يمكن العودة عنها مهما حصل. طبعًا سرعان ما اكتشفنا كم نحن مخطئون.

عام ٢٠١٢ شهد إعادة تضييق على الحريات العامّة في الأردن، إذ تم اعتقال أكثر من مئة وأربعين ناشطًا ممن شاركوا في المظاهرات والاعتصامات، ووجّهت لهم تهم مثل «إطالة اللسان» و«تقويض نظام الحكم». كذلك في أيلول ٢٠١٢ تم إقرار تعديلات قانون المطبوعات والنشر من أجل فرض شرط الترخيص على المواقع الالكترونية، وفي حزيران ٢٠١٣ تم حجب أكثر من مئتي موقع أردني غير مرخّص، كانت حبر من بينها. حاولنا في حبر تجاوز الحجب من خلال اللجوء إلى نطاقات بديلة، لكن هذه النطاقات تعرّضت للحجب من قبل هيئة الإعلام ثلاث مرّات ما بين حزيران وآب ٢٠١٤، كما تقدّمت الهيئة بشكوى ضد «حبر» أمام القضاء بتهمة «إدارة مؤسسة صحفية غير مرخصة»، اضطررنا على إثرها لدفع غرامة. وضعنا هذا أمام سؤال جديد: هل نكرّس كل مصادرنا لمقاومة هذا القانون الذي يمثّل شكلًا من أشكال الرقابة والتضييق على الإعلام؟ أم هل نجد طريقة للعمل ضمن هذا القانون – مع معارضتنا له – من أجل تحقيق أولويتنا وهي نشر المحتوى الصحفي وإتاحته للجمهور؟

اتّجهنا للخيار الثاني، وحصلنا على ترخيص من هيئة الإعلام في نهاية عام ٢٠١٤.

الاستدامة وبناء نموذج جديد لإعلام مستقل

كيف نموّل مشروعًا إعلاميًا من هذا النوع؟ وكيف نطوّر نموذج عمل يضمن الاستمرارية والنمو؟ منذ البداية، وجدنا أن نموذج الإعلانات التقليدي لن ينجح في الإنفاق على هذا المشروع، لأن مشهد الإعلانات المحلّي تسيطر عليه ثقافة عدد المشاهدات الأكبر، ومع أننا نسعى دائمًا لتوسعة قاعدة قرائنا، إلا أننا لا نريد أن يكون عدد المشاهدات هو المحرّك الأساسي للخيارات التحريرية.

قبل عام ٢٠١٢، كان دخل حبر يعتمد على تنفيذ مشاريع تقوم غالبيتها على التدريب على مهارات إعلام المواطن، وكان أعضاء فريق حبر الستة آنذاك غير متفرغين ويعتمدون على مصادر دخل أخرى. في عام ٢٠١٢ بدأنا بالتقدّم لمشاريع ومنح من أجل تمويل وجود فريق محترف متفرّغ لإنتاج المحتوى الصحفي المعمّق. سياستنا في التعامل مع المشاريع والمنح كانت وما زالت تقوم على شرط الاستقلالية التحريرية التامّة وعدم قبول التدخل في المحتوى من أي جهة كانت.

مع هذا، أدركنا في السنوات الأخيرة ضرورة أن نطوّر نموذجًا مختلفًا قادرًا على تأمين الاستدامة لهذا المشروع الإعلامي، ومن هنا وضعنا استراتيجية جديدة لحبر للسنوات الثلاثة القادمة تتضمن خلق مصادر دخل مستقلة. تحدّي إيجاد مصادر الدخل للإعلام والصحافة المحترفة في عصر الإنترنت هو تحدِّ عالمي تواجهه المؤسسات الإعلامية في كل مكان، تقليدية كانت أم جديدة، لكنّه قد يكون أصعب في منطقتنا العربية، حيث تهيمن على المشهد العديد من المشاريع الإعلامية المدعومة من حكومات أو من رؤوس أموال ضخمة.

العمل الصحفي الجاد ذو الجودة العالية مكلف – بدءًا من الوقت اللازم للعمل الميداني ذي العمق، وتوظيف البيانات، وتخصيص الوقت اللازم للمراجعة والتحرير، والتركيز على العناصر البصرية، وإخراج المواد بقوالب خلاقة تتطلب تعاون الصحفي مع المصوّر والمصمم والمبرمج والمحرر. من يدفع هذه التكلفة؟

لا يوجد إجابات سهلة أو جاهزة على هذه الأسئلة، لكننا في طور تجربة عدد من الأفكار لخلق نموذج جديد ومختلف، من بينها الاعتماد على نشاطات موازية مرتبطة بالخبرات التي طوّرناها طيلة هذه السنوات العشر، من تدريب وتقديم استشارات وخدمات إنتاج ملتيميديا وتطوير برمجيات الويب لمشاريع إعلامية، وغيرها، سنشارك قرّاءنا بها خلال الأشهر القادمة.

لسنا وحدنا أمام هذا التحدي، ونعتبر أنفسنا محظوظين لكوننا جزءًا من مشروع شبكة عربية، تضم مشاريع إعلامية مستقلّة، تجمعها منظومة قيم مشتركة وسعي لتطوير نموذج صحافة جديدة ذات جودة وعمق. نسعى في هذه الشبكة للتعلّم من بعضنا البعض والتفكير سوية بالتحديات التي تواجه هذا النوع من العمل الإعلامي اليوم، إضافة إلى تطوير مشاريع مشتركة سواء في إنتاج المحتوى أو تطوير الأعمال أو غيرها.

اليوم يبدو واقع منطقتنا شديد السوداوية، وتبرع الأنظمة العربية في استغلال الإرهاب ذريعة لتعميق الاستئثار بالسلطة والمال، ولممارسة القمع والتضييق وانتهاك حقوق المواطن العربي. هذه الأنظمة تقول لمواطنيها إن الحريات نقيض للأمن، وإن المطالبة بالعدالة والحرية والكرامة تتسبب في زعزعة الاستقرار. تدعي هذه الأنظمة محاربة خطاب الكراهية في ذات الوقت الذي تغذّيه، وتؤجج خوف الناس من بعضهم البعض لضمان استمرار الانفراد بالحكم.

في ظل كل هذا، قد تكون ممارسة العمل الصحفي النقدي والمستقل أصعب من أي وقت مضى، لكن هذا الواقع هو أيضًا ما يجعل هذه الممارسة ضرورة لا ترفًا. وهذا الواقع هو ما يدفعنا لمواصلة العمل، للبحث عن القصص، وطرح الأسئلة، والإصرار على خلق مساحات جديدة، وبناء القاعدة المؤسسية التي تجعل هذا العمل ممكنًا.

شكرًا لكل من دعم حبر طيلة هذه السنوات، بالكتابة أو القراءة أو مشاركة الخبرات أو التعليق أو المشاركة في النقاشات أو حضور الفعاليات أو مجرّد الإيمان بالفكرة. شكرًا لكل الجهات والمؤسسات التي دعمتنا أو تعاونت معنا في مشاريع مختلفة. شكرًا لكل المساحات الثقافية التي فتحت أبوابها لنشاطاتنا. شكرًا لعائلة حبر الممتدة، وكل عام وأنتم بخير.

سنحتفل بعيدنا العاشر هذا العام بمشاريع وأنشطة عدّة خلال الأشهر القادمة، متحمسّون جدًا لمشاركتكم إيّاها في حينها.

  • احمد الغلاييني

    شخصياً اعتبر حبر مدرسة محترفة في القصة الصحفية وهي مرجعية لكل العاملين بها ،،، نجاحكم يجعلنا نفتخر في الوسط الإعلامي ان هناك منصة اعلامية اردنية عربية تظهر الرونق والوجه للاعلام الحقيقي وليس لدكاكين الاخبار التي تعرفونها ،،، الف مبروك ومن إستمرار الى استمرار