«مدى مصر»، أنموذج الإعلام الرقمي في مصر، ينطلقُ نحو نسقٍ مموّلٍ من القرّاء

الأربعاء 14 حزيران 2017
mada masr

ترجمة تقوى مساعدة

(نشر هذا المقال على موقع نيمان لاب في 7 حزيران 2017)

خرج «مدى مصر» إلى الوجود في لحظةٍ حرِجة، فقد انطلق هذا الموقع الإلكتروني الإخباري من القاهرة في الثلاثين من حزيران 2013 في الوقت الذي أطاح فيه الجيش المصري برئيس مصر حينها، محمد مرسي. سعى مؤسسو مدى مصر إلى أن يوفّر موقعهم بديلًا ومنظورًا أكثر استقلاليّة حول المجتمع المصريّ.

اعتُقِل صحفيو مدى مصر، وتم حجب الموقع في مصر الشهر الماضي، وحُجِبَ معه عشرون موقعٍ إخباريٍّ آخر لنشرهم محتوًى وَصَفتْه الحكومة بأنه «يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمّد نشر الأكاذيب». (ورغم الحجب إلا أن مواقعًا مثل مدى مستمرّةٌ في النشر على منصات تواصل متعدّدة).

ينمو مدى الآن في فترةٍ مضطربة في وجه من يقاومونه، ويستمرُّ في بناءِ فريق عمله الذي يضمّ حاليًّا 18 موظّفًا و16 متعاونًا، ويتعلم الموقع من سنوات خبرته. ينتمي صحفيو مدى إلى خلفياتٍ متنوّعة، وعمِل أغلبهم في وسائل إعلام محليّة أو دوليّة في مصر وفي المنطقة العربيّة.

يعتمد مدى بشكل رئيسيّ على دعم المؤسسات والتبرّعات، حيث تشُكِّل المِنَح ما نسبته 80% من ميزانيته، وتأتي 20% تقريبًا من مصادر إيرادات أخرى كالإعلانات وبيعِ منتجات مبنية على كاريكاتيرات الموقع ورسومه. والآن يتوجّه مدى إلى قرّائه.

لم يكن قرار مدى لإطلاق برنامج عضويّة مجرّد محاولةٍ لتطويرِ مصادر الإيرادات ولاستدامة الموقع، بل هي محاولةٌ لحماية الاستقلاليّة التحريريّة ولبناء مجتمعٍ من القرّاء.

نموذجنا قائمٌ على ما نقدّمه تحديدًا، ولكنه قائمٌ أيضاً على سياقِ مصر الأوسع، وعلى شراء الناس للقوّة، وعلى قوّة قرائنا في الخارج

بحسب لينا عطاالله ناشرة مدى وإحدى مؤسسيه فإن «نموذج العضويّة نموذجٌ يركّز على قرّائنا ومجتمعنا»، وتضيف «الفكرة من العضوية هو أن نجعل من قرائنا أعضاءً في عائلة مدى الممتدّة».

بحسب مؤشر حرّيّة الصّحافة العالمي الصّادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، فقد حلّت مصر في المركز 161 بين 180 بلدًا، متراجعةً بهذا مركزين عن العام الماضي. تطالب القيودُ القانونيّةُ الجديدة الصحفيين بتبنّي الرّواية الرّسميّة للأحداث المتعلقة بالأمن، بينما تمّ تصميم تشريعاتِ ومتطلباتِ الترخيص بشكلٍ يُقلِّل من الأصواتِ المُعارضة.

وسائل الإعلام الرّئيسية، إمّا مملوكةٌ من الحكومة أو تعتمد على إعلانات الشركات المُصطفّة في صفّ الحكومة، أمّا وسائل الإعلام المستقلّة فإنّ أي خروج لها عن الخط الرسمي قد يؤدّي إلى مشاكل ماليّة أو سياسيّة، فقد تمّ مثلًا إيقاف برنامج باسم يوسف الشهير «البرنامج» مرّتين في سنة بسبب الخوف على سلامته وبسبب ضغوط الحكومة.

ليس لدى مدى أمثلةٌ يمكنه اتّباعها في المنطقة. مجلة «براون بوك» الورقية التي تصدر في دبي أطلقتْ مؤخرًا برنامج عضويّة قائم على نسق اشتراكات يضمّ نسخًا من المجلة. بحث موقع مدى عن برامج عضوية طبّقتها مؤسسات إعلاميّة أخرى مثل «الغارديان» ولكنه لم يتبنَّ نسقًا مشابهًا «بسبب اختلاف السياق» بحسب عطا الله.

وتضيف «ليس لدينا العديد من التجارب المشابهة التي دعم فيه الناس الإعلام بشكلٍ مباشر، إلّا أنّ هذه هي الثّقافة التي نسعى لنشرها عبر تجربتنا».

يضمّ برنامج مدى ستة مستويات من العضويّة، تتراوح بين 50 و2000 دولار سنويًّا. في المستوى الأعلى تضمّ حزمة المنتجات التي يحصل عليها الأعضاء نشر إعلان على الموقع للأعمال التي يملكها الأفراد، وخدماتٍ تحريريّة يقدّمها صحفيوّ مدى، أما على المستوى الأخفض فيحصل الأعضاء على منتجات مدى وعلى اشتراك لقراءة المواد المنشورة يوميًّا.

وتضيف عطا الله «نموذجنا قائمٌ على ما نقدّمه تحديدًا، ولكنه قائمٌ أيضاً على سياقِ مصر الأوسع، وعلى شراء الناس للقوّة، وعلى قوّة قرائنا في الخارج. ولنبدأ سنركّز على قرائنا الأوفياء ممن يعتبروننا المصدر الأساسي للمعلومات في مصر. كما نحاول أن نستفيد من القوة الشرائية لمن يعيشون في الخارج نظرًا لأن القوة الشرائية لمن يعيشون داخل مصر أقلّ بسبب الأزمة الاقتصاديّة. (ولعلّ مدى معروف عالميًّا أكثر من نظرائه بسبب أدائه ثنائي اللغة، حيث ينشر الموقع باللغتين العربية والإنجليزيّة).

يمكنُ قياسُ وفاء القرّاء بأشكال مختلفة

بحسب أليكساندر غودينيو مدير الجمهور لدى مدى «بعض أصدقاء مدى الأوفياء لا يقرأون مدى كثيرًا ولكنهم إن رأوا مادًة من مدى فإنهم يثقون بها. وبشكلٍ عام يمكنني القول أنّ الوفاء يعني وجود صلة الثقة هذه، وهي هدفٌ أساسيٌّ لأيِّ مؤسسةٍ إعلاميّة».

وبالإضافة إلى كل التحدّيات الاعتياديّة التي قد تواجه بدايةَ تطبيقِ برنامج عضويّة من الصّفر، سيواجه مدى عقباتٍ فريدة تخصّ المناخ الإعلامي والمالي في مصر. أولًا وببساطة، سيكون من الصعب جمعُ المبالغ الماليّة من الدّاعمين نظرًا إلى أن التشريعات تحدُّ من الخيارات المتاحة، فنسبة البالغين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ممن لهم حسابٌ بنكيّ لا تتجاوز العشرين بالمئة، ولذلك سيكون الدفع بحدّ ذاته عمليّةً لوجستيّة. حلّت مؤسسات رقميّة أخرى هذه المشكلة من خلال تقديم خدمة الدّفع نقدًا («كريم»، النسخة المحلّيّة من «أوبر» سمح بأن يحصل المستخدمون على رصيدٍ مقابل  الدفع نقدًا).  –

في شهر تشرين الثاني الماضي اتّخذ البنك المركزيّ المصريّ قرار تعويم العملة مما خفّض قيمتها إلى الثُّلث، وانخفضت بذلك القدرة الشرائية للمصريين بشكلٍ كبير.

مدى مصر يعمل ضمن مجتمع غير مُعتادٍ على الدفع مقابل قراءة المحتوى، فأغلب وسائل الإعلام في العالم العربي تعتمد في تمويلها على الإعلان أو على دعم الأحزاب. ولذلك فإن تغيير الفكرة السائدة عن مجّانيّة المحتوى الجيّد ستتطلّب وقتًا وقد يكون العقبة الأصعب التي ستواجه مدى.

برغم التحدّيات، يهدف مدى إلى البدء مع مجتمع صغير من حوالي خمسين مُشتركًا بحلول نهاية العام، ومن ثم محاولة زيادة العدد تصاعديًّا.

جرّب فريق مدى في السابق منتجات مختلفة تتماشى مع احتياجات الجمهور، مما أرسى فهمًا للميِّزات التي قد يرغب القراء بالحصول عليها.  مثلًا، كان مدى ينشر نشرةً إخباريّةً مدفوعةً عن طريق البريد الإلكتروني، يلخصّ فيها محتوى الصحافة المصريّة بشكلٍ يسهل استهلاكه.

«موجز الصباح» منتجٌ متخصصٌ وموجّهٌ لجمهور معيّن. نسبة تصفّح الموجز عاليةٌ نظرًا إلى أن الاشتراك فيه مكلف، ويقيم أغلب جمهور الموجز في مصر وثلثهم خارجها، بحسب غودينيو.

وبحسب عطا الله فإن حصر الدخول إلى الموقع للمشتركين فقط خيارٌ غير مطروح بتاتًا، «يبدو من غير المنطقيّ أن نحجز المحتوى خلف حاجز الدفع في الوقت الذي نحاول فيه أن نُنمِّي قاعدةَ جمهورنا وأثرنا على الصحافة».

من حيث المبدأ، يبدو أن تبني برنامج عضويةٍ هو الخيار الأمثل لمدى مصر. تعكف عدّة وسائل إعلام عالميّة بارزة على تطوير نماذج اشتراك وعضوية من شأنها أن تدرّ الدخل، إلّا أن مثل هذا النموذج لم يُطبَّق بعد في العالم العربي، وفي حال نجح مدى في ذلك فقد يفتح الباب أمام الكثير من مؤسسات الإعلام الحديث لتنتقل نحو نموذج إعلامي يدعمه القرّاء.