أبناء البحر: الهزيمة للجميع

الثلاثاء 21 أيار 2019
من غلاف كتاب «أبناء البحر» لعبد الله مكسور.

أطلقت «دار المتوسط – ميلانو» سلسلة كتب جديدة تحت مسمى «يوميات عربية» معنيّة بنشر أدب اليوميات لروائيين وشعراء وصحفيين في المهجر، غادروا بلادهم العربية إمّا بسبب القمع السياسي أو الحروب أو المجاعات أو حتى بحثًا عن حياة أفضل.

ورغم كونه فنًّا يملك قُدرة على التحرر من قيود الوعي والقفز على آليات الضبط الفكري المُسخّرة لمراجعة كل ما يصدر عن الإنسان، إلّا أن كتابة اليوميات لم تشكل تقليدًا أدبيًا واجتماعيًا واسع الانتشار في الثقافة العربية كما في الغرب. يُسلط أدب اليوميات الضوء على أثر التفاعلات الفردية بالأماكن والأزمنة والوقائع التاريخية مأساوية كانت أم سعيدة. وقائع تاريخية تشكل واقعًا جمعيًا أو فرديًا، تأتي على صورة «حروب، وثورات، ومجاعات، وحفلات زواج وحالات ولادة وكرنفالات.. إلخ»، وكل هذا يتم تسجيله من قِبل عين فردية محدودة الرؤية مهما تعمّقت لا يمكنها أن تكشف كل جوانب الأحداث، لكنها رغم ذلك تسمح لنا بمساحة للتعايش مع ما نرفضه من أفكار ومقولات وظروف مادية ونفسية أو يرفضنا من حدود وسفارات ومراكز لجوء وشرطة ومجتمعات كاملة.

يشكل كتاب «أبناء البحر» للروائي والصحفي السوري عبد الله مكسور أول التقاء لي مع كتب السلسلة الجديدة. تناول مكسور في كتابه فترتين من حياته؛ الأولى تمتد بين آذار ونيسان من عام 2003 في معتقل بوكا في العراق، والثانية تمتد من أول آب وحتى أخر تشرين الأول من عام 2014. لم يقدم مكسور يومياته في شكل تسلسل زمني، ولكن بطريقة القفز بين تواريخه الشخصية، متقدمًا بالزمن تارة وعائدًا للخلف تارة أخرى.

الحدثان البارزان في حياة مكسور، وفي سيرته، كانا الغزو الأمريكي للعراق، والحرب الأهلية في سوريا، ولذا حضرت الحرب، والمعتقلات والحدود واللجوء والتعذيب والخوف بشكل واضح في اليوميّات.

العراق مهزومًا

تنطلق يوميات مكسور من أحد المطارات، ففي عام 2014، يُرزق بمولودة من زوجته الفلسطينية وترفض السلطات في دمشق أن تعطيه أي أوراق ثبوتية للطفلة الوليدة، فينطلق هو وزوجته في رحلة للبحث عن هوية ما لهذه الطفلة، ويتمكن بإذن من سلطات الاحتلال الإسرائيلي من تحصيل وثيقة تحمل ختم السلطة الفلسطينية لطفلته، ومن أجل هذا يتشتت شمل الأسرة ما بين الأب السوري ذاهبًا لاسطنبول، والأم والطفلة «داماس» الذاهبتين لعمّان.

وحتى تعلن الميكروفونات الداخلية للمطار ضرورة توجه الركاب الراحلين لاسطنبول سيظل ذهن مكسور مُشتتًا وغاضبًا ومشككًا في كل تحسن في الحياة قد يأتي، ومُنقسمًا على ذاته، جاعلًا من أناه آخر، يكتب لها بحرية سايكس بيكو والاحتلال، والأنظمة العربية، ويتساءل هل هذا الشتات لعنة من الله؟ هل التقرب من الله حل إيجابي؟ هل يغضب الله من ممارسة العادة السرية؟ ويُفكّر هل سيتفهم نصفه الآخر أنه جسد بلا روح؟ هل سيوافق أن يبقى معه شاهدًا على ما سيأتي؟ هل يبقى مراقبًا لانكساراته في صمت؟ ويضع حلًا واحدًا في النهاية لهذا الانقسام الذاتي وهو أن نصفه الآخر قد قُتل بكل ما يحمل من صفات جيدة.

وهكذا قدّم مكسور في الفصل الأول من يومياته، والمعنون بـ«طائرة إلى إسطنبول» لوحة كاملة عن الاستلاب الذي تسببه الحروب، وعن الوجود الإنساني المُهدّد والمُعلق بورقة ثبوتية، وعن التشتت الأسري ولعنة الفراق، وعن الخوف من المطارات، والحمولة الزائدة من الألم داخل الذاكرة التي يُسمح بصعودها معنا على طائرات المنافي دون دفع تكلفة وزن إضافية.

ويبدأ الفصل الثاني بقفزة للخلف تأخذنا إلى نيسان 2003، إلى الصباح التالي لسقوط بغداد، «حيث بلاد ضاعت والموت يحاصر الجميع من كل الجوانب، ومع ذلك بقى مَن لديه رغبة في ممارسة اللواط». هكذا عبّر مكسور عن استفاقته الأولى مُعتقلًا في مدينة الناصرية بعد معركة هُزم فيها الجميع، فلا أحداث كثيرة تُذكر سوى صرخات هذا الطفل الذي اغتصبه أحدهم في خيمة حدد مكسور موقعها بعد أن قضى يومين في المكان ليكتشف أنه في قاعدة الإمام علي الجوية، والتي صارت مُعتقلًا أمريكيًا.

يخبر ضابط أمريكي يتحدث العربية اسمه «دين» مكسور الذي اكتشف أنه «داخل معتقل قاعدة الإمام علي الجوية بالناصرية» أنه سيتم ترحيله إلى مُعتقل غوانتانامو، ويبدأ التحقيق معه بأسئلة استشراقية الطابع مثل: هل شربت الخمر؟ هل مارست الجنس؟، وتأتي إجابات مكسور كلها «لا، ولكن، دائمًا هناك مرة أولى». وعلى طريقة فيلم «300» حين وعد ملك الفرس الخائن الإسبارطي «افيالتيس» بالكثير من الخمر والجنس والمال عندما يرشده على طريق للالتفاف على جيش الأسبارطيين، يقدم الضابط الأمريكي عرضًا مُطابقًا تمامًا لمكسور ليتعاون مع الجيش الأمريكي ويعترف على أماكن مخازن السلاح وعن مكان اختفاء صدام حسين.

يرفض مكسور التعاون أو الإجابة على أي سؤال، ليتم ترحيله إلى «معتقل بوكا، بمدينة أم القصر»، وهي مدينة قاومت الأمريكيين بضراوة، ولذا ستتحول لساحة لانتهاك كل قيم الإنسانية وحقوق الإنسان التي غزت أمريكا وحلفاؤها العراق لنشرها! وتبدأ رحلة عذاب لمكسور، ويقدم في يومياته صورة متكاملة لآلية تعذيب تشبه ما رأيناه في الصور المُسربة لتعذيب العراقيين في سجن أبوغريب، منقولًا بين السجون، أو بالأحرى سلخانات التعذيب الأمريكية، من الناصرية إلى أم قصر إلى كربلاء. وفي النهاية يخرج مكسور من المعتقل، لكنه لا يلمّح لتلك اللحظة ولا يشير إليها، ولا إلى خروجه من العراق، ربما ليدفعنا نحو التفكير في المأساة العراقية المستمرّة.

أرواح سوريا الغامضة

يصل مكسور مدينة بودروم التركية، لاجئًا، ومن هناك في المدينة المطلّة على بحر إيجه، حيث المهرّبون ومستغلّو السوريين الفارّين من جحيم الحرب، يرحل باتجاه أثينا اليونانية، وبعدها ميلان الإيطالية، والتي يتخلّى فيها عن هويته ويحوز أوراق ثبوتية جديدة ليصل إلى بروكسيل في بلجيكا، ومن مطارها إلى مخيم بيرزيت للاجئين. في رحلة كانت أشبه بميلاد جديد، لكن فلنتذكر أن هذا الميلاد عنى أن هذا المولود الجديد لا يعرف شيئًا ولا يملك شيئًا، لتتجسّد الهزيمة السورية في هيئة هذا الإنسان.

في محطة مكسور الأخيرة، قدّم نفسه على اعتباره «شرقيًا» في عدة أسطر تنطوي على قدر من الغموض والرؤى الصوفية والغيبيات والأساطير. ومالت تعبيراته إلى التشاؤم رغم محاولته جاهدًا أن يتصنع عزمه على التفاعل مع حياته الجديدة، لكن من أين يأتي الأمل، وكل تفصيلة في هذه الحياة الجديدة في القارة الأوروبية أرض الأحلام الموعودة والحريات تكون عكس المتوقع، بداية من تاريخ مخيم اللاجئين الذي كان مقرًا سابقًا للنازية، والذي يذّكره بالهولوكوست الحاصل في بلده، إلى إجراءات اللجوء لكي تعترف به السلطات إنسانًا، في عالم تكتسب فيه الأوراق قيمة مادية تفوق قيمة الحضور الإنساني نفسه.

في أراضي الشتات ومدنه ترمي الذاكرة بثقلها على الوجود الإنساني لتتملّكه روح الماضي والحنين للجذور، وهذا ما حدث لمكسور فهو لم ينس لحظة أنه ابن محافظة «حماة» التي حدّق بها الموت في أشكال متعددة قبل وبعد ولادته.

ينهي مكسور يوميّاته، بعبارة أعتقد أنها كاذبة فيقول: «الأوطان كلها أرضنا بعد أن ضاعت سوريا». هذه العبارة كاذبة لأن الأراضي كلّها لم تكون وطنًا بديلًا لمن فقد وطنه. لكن مكسور يكذب هنا محاولًا علاج ذاته من خسارتها، وللتخفيف من وطأة الألم للابتعاد عن ابنته وزوجته، ولتمرير الوقت في ظل هذا الشتات.

عبر تسليطه الضوء على التجارب الفردية، يمكّننا أدب اليوميّات من مساءلة التصوّرات التي نملكها في أذهاننا حول القضايا التي يطرحها، وفي يوميات مكسور نلقي نظرة مقرّبة، ومختلفة على الوطن في مقابل الشتات، والحرب في مواجهة الثورة.