كيف رأينا سيِّد الظلام؟ أسئلة حول صورة الثقب الأسود

الخميس 25 نيسان 2019
أول صورة للثقب الأسود يسارًا، وصورة عين «ساورون» الواردة في قصص «سيد الخواتم».

«إذا أطلتَ التحديق في الهاوية، فاعلم أن الهاوية هي الأخرى تُحَدِّق فيك».
– فريدريش نيتشه، «فيما وراء الخير والشر».

«لكن المرآة أظلمت تمامًا بلا مقدمات، كأن ثقبًا قد انفتح فجأة في العالَم المنظور. كان فرودو الآن يحدِّق في اللاشيء، في هوة سوداء بلا قرار توسَّطَتها عينٌ واحدة أخذَت تدنو ببطء حتى ملأت سطح المرآة. كان مرآها مزلزلًا إلى درجة أن فرودو تجمَّد تمامًا في مكانه عاجزًا عن الصراخ أو الهرب بعيدًا ولو بعينيه. كانت حواف العين مشتعلة بألسنة لهبٍ بدَت كأنها تخرج من العين نفسها، التي كانت تلتمع بصُفرة عيون القطط وتُراقب بإصرار وترصُّد. بينما يتحرك بؤبؤها المشقوق كنافذة ضيقة تُطِلُّ على العدم».
– ج.ر.ر. تولكين، ملحمة «سيد الخواتم».

هذا المشهد هو أول ما تبادر لذهني وأنا أطالع صورة الثقب الأسود الأولى، التي نجحَت فور نشرها في اجتياح شاشات هواتفنا. وسرعان ما أكدَّت لي التعليقات المُصوَّرة «الميمز» أنني لستُ وحدي بالطبع. فالمئات غيري، وربما الآلاف، من مجاذيب «سيد الخواتم» وعوالم تولكين لم يروا في هذه الصورة للوهلة الأولى سوى عين «ساورون» المؤطَّرة بلهيب يدور في جنون وسط ظلام سرمدي.

سنحاول الآن أن نترك ساورون جانبًا للحظات،  لنستعرض بعض أهم الأسئلة التي طرحتها هذه الصورة، ونحاول تقديم إجابات مختصرة ومبسطة، قبل أن نطرح سؤالًا أخيرًا كاشفًا عن علاقة ساورون بهذا كله.

ما هي الثقوب السوداء؟

يحتل كوكبنا موقعًا من الفضاء، وبلغة الفيزياء الحديثة، نقول إنه يشغل حَيِّزًا من الزمكان.* يحتل الثقب الأسود بالمِثل موقعًا من نسيج الزمكان. لكن بينما للأرض جاذبية محدودة للغاية، تكتفي وتقنَع بجذب سُكانها وجارها القمر القريب الصغير، فإن للثقب الأسود جاذبية كاسحةً لا تُقاوَم ولا تُقارَن، ولا تُحيطُ بعِظَمَ قدرِها أفهامُ البشر. لا يستطيع شيء في الكون الفرار من قبضة ثقب أسود إذا اقتربَ منه أكثر من اللازم. لا الكواكب ولا النجوم ولا الجُسيمات الذرية وما دون الذرية ولا حتى شيء في رهافة الأشعة الكهرومغناطيسية، كموجات الضوء ذاته. ولا أحد يدري يقينًا ما يدور في قلب الثقب الأسود. وكيف ندري ولا شيء يعود أبدًا من هناك، ليخبرنا بما رأى.

كيف تتكوّن الثقوب السوداء؟

تولد النجوم في السُّدُم، تلك الساحات الكونية الهائلة من سُحُب الغُبار والغاز، (معظمه هيدروجين مع القليل من الهيليوم). تتكاثف أجزاء من تلك السُحب بفعل الجاذبية فتقترب وتحتشد وتدور حول نفسها فتزداد كثافتها ويزداد الضغط على أنويتها فترتفع حرارة الغازات حتى تندمج ذرات الهيدروجين لتكوين الهيليوم. هكذا يولد النجم، لكن كل ما يولد يموت. ويموت النجم إذا نفد وقوده الذري من الهيدروجين وصارت قوة جذب نواته أكبر كثيرًا من قوة الضغط التي يولدها النجم إلى الخارج، فينهار النجم على ذاته في انفجارٍ يُطلق عليه اسمٌ يليق بهيبته: المُستعِر الأعظم، أو الطارق الأعظم (Supernova). يردد البشر في أساطيرهم أن ظاهرة الأشباح يسببها موتٌ عنيف مفاجئ تبقى ذكراه هائمةً حول مسرح الجريمة، والثقوب السوداء، بهذا المعنى، هي أشباحُ نجوم تحوم في مَواقع موتها المُستعِر، ناشرةً في محيطها غضبها المريع وشهوتها اللامحدودة لالتهام كل ما دَنَا. ويُعتقد أن في مركز كل مجرة ثقبًا أسودَ هائلًا تفوق كتلته كتلة شمسنا بملايين أو حتى ببلايين المرات، مثل الثقب الأسود في قلب مجرتنا درب التبانة، المعروف باسم «الرامي أ*».

لماذا لم نرَ الثقوب السوداء من قبل؟

لرؤية أي شيء نحتاج أن يكون هذا الشيء كبيرًا بما يكفي وقريبًا بما يكفي وعاكسًا لقدرٍ كافٍ من الضوء. المشكلة هنا أن الثقوب السوداء بعيدة جدًا بالقدر الذي يجعل أقربها إلينا، وهو الرامي أ* (وهو ثقب ضخم تبلغ كتلته أربعة ملايين ضِعف كتلة الشمس) أصغر كثيرًا من قدرات أجهزتنا الراصدة. يشبه الأمر أن ننتظر من كاميرا على الأرض تصوير تفاحة على القمر! أضِف إلى هذا أن الثقب الأسود محاط دائمًا، كالأشباح أيضًا، بالسُّحُب التي تجعله خفيًا في غموضه، مستترًا عن أعين الراصدين.

إذا كنا لم نرها من قبل، فكيف عرفنا بوجودها؟

هنا يأتي دور آلبرت آينشتاين الذي تنبَّأت نظريته النسبية العامة بوجود الثقوب السوداء، وقالت إن موت النجوم الكبيرة يُخلِّف وراءه أنويةً شديدة الكثافة صغيرة الأحجام نسبيًا. وإذا كانت كتلة هذه النواة تزيد على كتلة الشمس بثلاثة أضعاف تقريبًا فإن قوى الجاذبية تهيمن على كل القوى الأخرى، ويولد الثقب الأسود. وحتى العاشر من نيسان/إبريل الحالي لم يكن بإمكان العلماء الاستدلال على وجود الثقوب السوداء برصدها بالصور، وإنما بدلائل أخرى أقل مباشَرةً وأكثر غموضًا، مثل تلك الاضطرابات المباغتة الطارئة على حركات بعض الأجرام السماوية، والتي قد تصل إلى الاختفاء الكامل للنجوم التي تقترب من الثقب الأسود أكثر من اللازم، فيبتلعها بلا تردُّد، وترتفع حرارة النجم حينئذ فيرسل نبضات من أشعة إكس، كأنها صرخات استغاثة أخيرة، تستطيع أجهزتنا الأرضية رصدها، ومِثل تلك الدفقات الهائلة من الجسيمات المشحونة التي تُطلقها الثقوب السوداء ذاتها أحيانًا، كقاتل متسلسل يتفاخر بوقاحة بجرائمه ويوقِّعها، وتلتقطها مجسَّاتنا أيضًا.

ما الذي نراه بالضبط حين ننظر إلى الصورة؟

نعود إلى آينشتاين مجددًا، ونبوءته بأن الثقب الأسود نفسه لن يُرى، فالضوء الشارد الذي يبتلعه قلب الثقب لن يعود أبدًا إلى عيوننا. لكن ما يمكن رؤيته هو الحدود الخارجية للثقب، أو ما يُعرَف باسم «أُفُق الحدث» (Event Horizon)، وهو مصطلح يصف الحد الفاصل الذي إذا تجاوَزَه الضوء تحتَّمَ عليه أن يذهب إلى داخل الثقب الأسود بلا رجعة.

وتأتي الصورة لتصدِّق آينشتاين مرّة أخرى. في قلبها دائرة مظلمة تمامًا تحدّها من الخارج توهُّجات الغاز في دواماتٍ تدور قبل «أفق الحدث» مباشرةً، فالجاذبية الساحقة للثقب ترفع بصورة درامية من درجات حرارة الغازات التي تُطلِق صيحات يائسة من إشعاعٍ متوهِّج، اختار العلماء توزيع ألوانه بين الأصفر، حيث أشد المواضع توهُّجًا، إلى البرتقالي وأخيرًا الأحمر، عند أخفت الانبعاثات الإشعاعية.

كيف التُقطَت الصورة؟

لا يوجد حتى الآن تلسكوب واحد على وجه الأرض يمكنه التحديق مباشرةً إلى ثقبٍ أسود، فالتقاط صور له قد يحتاج ببساطة إلى تلسكوب بحجم الأرض تقريبًا! لا نملك بالطبع شيئًا كهذا، ولكننا نملك مجموعة جيدة جدًا من المراصد المتناثرة فوق مرتفعات الأرض وجبالها وبراكينها في هاواي والمكسيك وولاية أريزونا الأمريكية وجبال سييرا نيفادا الإسبانية وصحراء أتاكاما في تشيلي وحتى في القطب الجنوبي! وهكذا بدأت قبل عشرة أعوام تقريبًا مبادرةٌ تعاوَنَ فيها منتخَبٌ عالمي من ثمانية مراصد، اختاروا لها اسم تلسكوب أفق الحدث (EHT)، ومئتي عالِم/ة فلك حول العالَم لإنجاز المهمة وبلوغ أدق درجة ممكنة من التزامُن والتنسيق وتجميع قدر مهول من البيانات والموجات الراديوية التي تعطي صورًا أدق كثيرًا من الصور التي يستطيع الضوء المرئي تقديمها، والتي استطعنا مؤخرًا تطوير خوارزمية جديدة مخصصة لمعالجتها وتحويلها إلى صورة يمكن لأعين البشر رؤيتها وفهمها. وقد كان المرشَّح الأول للتصوير هو ثقب أسود في مجرة مجاورة يُعرف باسم (M87)، لسهولة تصويره مقارنةً بثقب الرامي أ* في مركز مجرتنا. يرجع ذلك بشكل كبير إلى بُعده الهائل عنَّا (حوالي 53 مليون سنة ضوئية) ما جعلَ موقعه في السماء بالنسبة إلينا أكثر «ثباتًا» وبالتالي أسهل في الرصد، بالإضافة إلى صعوبة رصد الرامي أ* لخموله النسبي وكتلته الأقل واستتاره خلف حُجُب أكثر إعتامًا.

فيم يُمكِن أن نفكر حين نحدِّق في هذه الهاوية؟

التطوُّر التقني مُدهش بلا شك، وقد كان «سارومان» في ملحمة سيد الخواتم مثل الكثير منّا، من أشد المتحمسين للتكنولوجيا؛ ما جعله في النهاية ينقلبُ إلى مسحور بعد أن كان ساحرًا. يحدونا هذا إلى سؤالنا الأخير: هل يمكن أن تبعث فينا صورة الثقب الأسود شيئًا يتجاوز انبهار الأطفال بمشاهدة صور البراكين النشطة؟ ماذا يقول العلماء أنفسهم عن الدور الذي تلعبه الثقوب السوداء في الكون؟ وماذا تكون في الحقيقة غير مُفترِسات كُبرى تحصد النجوم بكواكبها وعوالمها؟ ما الذي يسعى إليه الثقب الأسود سوى التهام المزيد من مادة الكون؟

يرتجف بعضنا رعبًا من قدرة البشر على تدمير كوكبهم بزحف الإفساد البيئي أو باندلاع الجنون النووي، بينما حين نرى صورة ثقب أسود نمزح ونتشارك «الميمز» التي تخبرنا بأننا قد عرفنا أخيرًا إلى أين ذهبَت الجوارب التي اختفَت من منازلنا في ظروف غامضة، هل لأن الخطر هنا بعيدٌ جدًا ومُحتجِبٌ عن الأعين؟ كان سيد الظلام ساورون أيضًا بعيدًا ومُحتجبًا بينما يُفني البشر بعضهم بعضًا في غفلةٍ عجيبة عن عدوهم المشترك. لم يكن يقف له بالمرصاد سوى الساحر «جاندالف» الذي كان يستدل طوال الوقت على وجوده بآثاره، مثل آينشتاين ربما، بينما يزحف ساورون في غابة «ميركوود» المظلمة، التي تشبه قلب مجرة، ويستجمع قواه ويلتهم منها المزيد كل يوم، مثل ثقب أسود. سيقول البعض إن الثقوب السوداء لا تغيِّر أماكنها في الفضاء وأننا لسنا في حاجة إلى القلق بشأنها هنا على الأرض، وإن الشمس نفسها بعد موتها لا تملك الكتلة الكافية للتحوُّل إلى ثقب أسود. لكن ما الذي يضمن لنا حقَّا أن كل تلك الانمساخات الكُبرى التي تخلِّفها الثقوب السوداء في نسيج الكون لن يمسَّنا في النهاية طائفٌ من آثارها؟ تقول دراساتٌ إن بعض الثقوب السوداء البعيدة نسبيًا عنَّا قد تتسبب في نشوء موجات جاذبية عاتية تكُون من القوة بحيث يمكنها بلبلة النسيج الزمكاني من حولنا واكتساح الأرض وتدميرها فيما يشبه «تسونامي» فضائي عظيم. لا ندعو هنا بالطبع إلى الذعر والهلع، وإنما فقط إلى القليل من التأني والتأمل، وألا يعمينا غرورنا بفتوحاتنا العلمية والتقنية عن الشعور الضروري ببعض الرهبة والخشوع، ونحن نستقبل صور مراصدنا (التي تشبه مرآة جالادرييل) ونحدِّق في تلك الهاوية، التي لا نستبعد كثيرًا أن تكون -كما يقول نيتشه، وكما يفعل ساورون- تُبادِلُنا التحديق من الجهة الأخرى.


* الزمكان: مصطلح فيزيائي منحوت من لفظتي الزمان والمكان، يعبِّر عن اندماج مفهوميّ المكان والزمان ليصبح موقع أي شيء في الكون مُقاسًا بأبعاده المكانية الثلاثة، مضافًا إليها البُعد الرابع وهو الزمان. بحيث يصبح الفضاء شبكة رباعية الأبعاد، ونسيجًا ضامًا لكل الموجودات الكونية.