الموت والكآبة: أفلام عن نهاية الرأسمالية والعالم

الثلاثاء 04 كانون الثاني 2022
مشهد من فيلم ميلانخوليا (Melancholia).

«إن تخيّل نهاية العالم أسهل من تخيّل نهاية الرأسمالية». ربما سمعتم بهذه المقولة الشهيرة التي ترد في كتاب الناقد البريطاني مارك فيشر «الواقعية الرأسمالية».[1] الفكرة الأساسية هنا أن قسوة الرأسمالية ستؤدي إلى نهاية العالم، ويمكن طرح العديد من الاحتمالات بهذا الخصوص. على سبيل المثال، بينما نمر بدورة أخرى من الإغلاقات وجرعات اللقاح المعززة والمتحورات، ربما يكون من الأسهل تخيل نهاية العالم والرأسمالية قبل نهاية الوباء.

بدأ الوباء بحسٍّ من الاتحاد حيث واجهنا مجهولًا كبيرًا معًا، لكن الأمر الآن بات أكثر هزلية. إن الإحساس الدوري بالهلاك الوشيك يخلق لدينا جميعًا حالة طوارئ دائمة. كان عام 2020 عام الوباء، تلاشى النظام الطبيعي، ولفترة وجيزة كان هناك أمل في ظهور نظام جديد على أنقاضه. ولكن مع ظهور اللقاحات وطرق جديدة للتعامل مع الجائحة، اتّضح أكثر خلال حالة عدم اليقين المستمرة أن هناك أمرًا واحدًا لا جدال فيه: من المرجح أن المستقبل أسوأ بكثير من الماضي. وفي هذا المأزق، يبدو أن كل شيء على وشك الانتهاء، لكن لا يبدو أن شيئًا انتهى فعلًا، لا الوباء، ولا الرأسمالية، ولا العالم بالتأكيد.

على أية حال، فإن الإنتاجات الثقافية الأكثر إثارة للاهتمام هي تلك التي تُبتكر، ويتمّ تأمّلها، في فترات التحوّل بين «ما كان» و«ما سوف يكون». في كتابه «الواقعية الرأسمالية: هل من بديل؟»، كتب فيشر: «رأس المال طُفيليّ مجرّد، مصاص دماء نهمٍ وصانع زومبي؛ لكن الجسد الحي الذي يحوله إلى عملٍ ميّت هو لنا، والزومبي الذي يصنعه هو نحن». وفي ظل الرأسمالية المُحتضِرة فإن هذا الطفيلي، هذا العفن، سيتغلغل حتمًا في كل حياتنا، ويُخرج الشيطانيّ فينا. ومع ذلك، فإن كل الأشياء في الحياة تتصرف كالمرايا، خاصة السينما، التي عملت -إلى جانب التحليل النفسي- منذ ظهورها مطلع القرن العشرين كمرآة ثقافية فعليّة لحياتنا. السينما هي أكثر ما نملكه قُربًا من حالة الأحلام الجماعية، هي مكان للخيال.

هذه قائمة أفلامٍ تحاول تخيل نهاية الرأسمالية وبداية عالم جديد، مع الإصرار على احتمالية ألا نشهد أيّا منهما.

دوجفيل (Dogville)، لارس فون تريَر، 2003

يبدأ الفيلم بمشهدٍ علويّ لخشبة مسرح جدباء تشبه مخطط مدينة. يحتوي المخطط على منازل وشوارع مرسومة بالطباشير البيضاء مع أثاث بسيط للغاية. يقع هذا في مدينة أمريكية متواضعة تسمى دوجفيل. يوجد على خشبة المسرح عدد قليل من الدعائم، وعلى الشخصيات والجماهير على حدٍ سواء تخيل ما تبقى من هذه الدعائم. لا جدران ولا مناظر طبيعية، فقط مخطط مدينةٍ صغيرة وفيه سكانها الطيبون.

إن اختيار المخرج لارس فون ترَيَر بناءَ هذا المشهد  بشكلٍ مسرحيّ أمرٌ يستحق التفكير، ربما فعل ذلك من أجل إظهار أقل قدر ممكن من جمال الحياة الريفية، تاركًا لخيالنا ما يثيره، أو لفضح الأسرار التي يتجنب المجتمع التحدث عنها رغم أنها مكشوفة أمام الجميع. ومع اقتراب ساعات الفيلم الثلاثة من نهايتها، يصير غياب الأشياء التي أخفاها تريَر بالكاد ملحوظًا، وتبدو الدعائم زائدة عن الحاجة تقريبًا؛ حيث يمكن تجنبها كلها، وهي بكل الأحوال مجرّد مظاهر كاذبة.

هاربة من رجال عصابات، تصل غريس -التي أدّت  نيكول كيدمان دورها بإتقان- إلى دوجفيل. تكون غريس مُطاردةً لأسباب يجهلها سكان المدينة، والمشاهدون كذلك. في البداية، يرحب بها سكان المدينة ويقدمون لها الرعاية، ويخبّئونها عند حاجتها لذلك. وتحاول هي محاباتهم وردّ الجميل إليهم من خلال العمل في عدة وظائف غريبة رغم إصرارهم أول الأمر على عدم حاجتهم لعملها. لكن، سرعان ما تصبح غريس هدفًا لسكان المدينة، الذين يتمتعون بالنفوذ، ويبدأ الخطر فور إدراكهم كيفية استغلال غريس، ثم يزداد الأمر قبحًا مع اقتراب الأحداث من نهايتها.

«إن السؤال حول ما إذا كانت غريس قد غادرت دوجفيل، أو على العكس من ذلك، ما إذا كانت دوجفيل قد غادرتها، وغادرها العالم عمومًا؛ هو سؤال مخادعٌ لن يستفيد من طرحه سوى قلة، وأقل منهم سيستفيد من الإجابة. ولن يجاب على السؤالين هنا».

بهذه المقولة يختتم الراوي الفيلم. الدرس المستفاد من هذا الفيلم بما يتعلق بالعيش في ظل الرأسمالية المحتضرة وتسببها بتعفّن أكثر الناس اعتدالًا وتقديرًا لذواتهم هو أن: التوحش سيزداد أينما كان ذلك ممكنًا. إنها تحولنا إلى كائنات زومبي، كما اعتقد فيشر، وأي مجموعة جيدة من البشر يمكن أن تتحول إلى عصابة من المتآمرين إذا ما توفرت الظروف المناسبة.

أغانٍ من الطابق الثاني (Songs from the Second Floor)، روي أندرسون، 2000

يقدم هذا الفيلم صورة كئيبة وفكاهية عن اليأس في أواخر الرأسمالية. ويبرز فيه الكثير من كبار السن الذين يتصرفون بطريقة متشابهة وبتكلّفٍ، فيما يمشون ببطء وبمعنوياتٍ مستنزفة، كأنه قُدّر لهم أن يكونوا وكلاء للفوضى والعدمية والليبرالية.

لا يروي الفيلم القصة بطريقة تقليدية، فليس فيه حبكة أو ذروة للحكاية أو حلّ للمشكلة،، إنما حالة دائمة من التوتر المتصاعد. يتصدّر فشل الاقتصاد العالمي في فجر الألفية الأحداث، دون أن تتمتع أي شخصية بما يكفي من دور البطولة لتعدّ بطلة للفيلم. بينما تجعل درجات اللون الرمادي والظلال الباهتة الشخصيات كأنها جثث خرجت هاربة من قبورها. الأعمال منهارة، المباني مقفرة، الشوارع موحشة، والآلات متعطلة. ورغم أن الحوادث التي تقع في الفيلم مدمِّرة تمامًا، إلا أنه يصعب التنبؤ بمآلاتها.

بشكل ممتع يمنح الفيلم المشاهد إحساسًا بعالم ما بعد 2001، حيث يتأرجح العالم الغربي على حافة الاضطرابات بسبب الإصرار المتعصب على العيش في مجتمع رأسمالي. ورغم أنه استنتاج هزيل وغير مهم، لكن الفيلم يذكرنا بأننا لسنا أهدافًا أبدًا للعالم الرأسمالي الذي نعيش فيه، إنما هي لعبة ستكون نتيجتها التعادل السلبي بلا ربح ولا خسارة، وما نحن جميعًا إلا أضرار جانبية. إن ما ندفعه في هذا العالم من تكاليف بشرية باهظة، وما نعانيه من بؤسٍ يمكن تجنبه، هو أمرٌ غير متعمد. ببساطة، نحن عالقون في دوامة عالم قاسٍ لا يرحم.

ميلانخوليا (Melancholia)، لارس فون ترير، 2011

لم أستطع إلا أن أضيف فيلمًا آخر للارس فون تريَر إلى هذه القائمة. ليس لأن فيلم «ميلانخوليا» أحد أفضل الأفلام التي أُنتجت على الإطلاق فحسب، بل أيضًا لأنه الفيلم المثالي عن نهاية العالم.

أدّت كيرستين دانست ببراعة دور جوستين، بطلة الفيلم، وهي عروس بائسة للغاية على وشك الطلاق. ينبع شعورها بالرهبة من إدراكها الكلي الثابت بالهلاك الوشيك الذي سيصيب الأرض بعد اصطدامها بكوكب آخر يدعى «ميلانخوليا»؛ وهو مصطلح طبيّ لمرضٍ نفسي يتمثل بحالة اكتئاب وسوداوية، لا سبب واضح وراء مشاعرها.

هذا ليس فيلمًا عن الأمل. إنه لا يهتم بكيفية استواء الأنقاض، بل ينظر في كيف أن الانفجار كان مأمولًا. فيلم يستعرض الهلاك الوشيك من خلال عدد من الشخصيات: متشكك عقلاني يستند إلى العلم، وجنين أنثوي جاحدٍ لغرائز الأمومة، وطفل منغمس في ذاته ومستعد -في الوقت نفسه- ليستوعبه العالم.

يبدو أن جوستين قد تقبّلت الهلاك منذ فترة طويلة، ولم تعد في حالة حزن. في أحد أكثر المشاهد الأخّاذة في الفيلم، تنظر جوستين إلى أختها المرعوبة دون أن تبدو على وجهها أي علامات حزن، وتقول لها بكل ثقة: «كل ما أعرفه هو أن الحياة على الأرض شريرة»، لتعترض أختها قائلةً: «كيف لك أن تعرفي ذلك؟»، فترد جوستين: «لأنني أعرف بعض الأمور (..) أعرف أننا وحدنا (..) وعندما أقول إننا وحدنا، فهذا يعني أننا وحدنا. الحياة موجودة على الأرض فقط، ولكن ليس لأجلٍ طويل».

«ميلانخوليا» واحد من سلسلة أفلام ثلاثة تحمل عنوان «ثلاثية الاكتئاب»، وقد كتبها لارس فون تريَر عندما كان في المستشفى يعاني من اكتئاب حاد. ليس هناك ما هو أسوأ، أو أكثر تحررًا، من أن تكون مخاوفك وشكوكك غير المنطقية أمرًا مؤكدًا.

خروف (Lamb)، فالديمار جوهانسون، 2021

تعد الأسرة من بين الضحايا الأكثر مأساوية للرأسمالية المحتضرة، ورغم الترابط غير المسبوق بين البشر حاليًا، إلا أن الوحدة هي أكثر أوبئة الرأسمالية انتشارًا. الشباب العاملون، خصوصًا في بعض المدن الغربية الكبرى، يزدادون عزلة، ويعيشون بمفردهم، ولا ينجبون أطفالًا، ويتبنون حيوانات أليفة لملء الفراغ، والشابات يجمدن بويضاتهنّ. إنهم يعملون لساعات طويلة وبالكاد يقضون وقتًا في الهواء الطلق. وإمّا يأكلون بشكل سيء أو يكونون مهووسين بصحتهم وعافيتهم. وربما يمكن المجازفة بالقول إن العديد من الشباب الذين يصرون على عدم إنجاب الأطفال إنما يفعلون ذلك كوسيلة دفاعية تمامًا، لأنهم لا يملكون الموارد لتكوين أسرة ولأنهم مذعورون من جلب المزيد من البشر إلى هذا العالم. وقد تفاقم هذا الذعر وتلك المخاوف خلال الجائحة.

«خروف» فيلم عن هذه العزلة وانعدام الإنجاز في سياق الحياة الريفية، عن كونك  أبًا أو أمًا في عالم ينحدر بسرعة نحو القسوة والظلام. يصور الفيلم هذا الواقع المريع بطريقة تصل بتحطّم الحياة الأسرية إلى نهايتها المنطقية: ماذا نفعل بكل هذا الفائض من غرائز الأمومة الموجود في العالم الآن؟

لقد قلت ما يكفي عن الفيلم. فدعوه يتحدث عن نفسه بدون مقاطع دعائية أو ملخصات أو أحكام. اتركوه يغمركم برعبه وحبه، وحاولوا أن تتسامحوا معه حيثما استطعتم. هل ينقص هذا الفيلم إحساس بالعدالة؟ هذا سؤال متروك لما بعد مشاهدة الفيلم، لكن الفيلم يعوّض هذا النقص، إن حصل، بكثير من الجمال الخالص والأسطورة، وهو أمرٌ سأفكر في طويلًا. 

نومادلاند (Nomadland)، كلوي تشاو، 2021

أتذكر أول زيارة لي إلى بلدة في الغرب الأوسط من الولايات المتحدة يسكنها 70 ألف نسمة، تساءلت حينها وأنا مندهشة ومذهولة: لماذا جاء المستوطنون إلى هذا المكان النائي؟ أعيدوها لأصحابها، أعيدوها كلها.

عندما شاهدت هذا الفيلم أول مرةٍ شعرتُ كأن أحدًا ما قد سكب ماءً مثلجًا على وجهي. يثير مشهد البراري الشاسعة في الولايات المتحدة لدى معظم المشاهدين حنينًا إلى ماضٍ يستحيل تصوره: هذا هو ما تبدو عليه مستعمرة المستوطنين بعد 400 عام من الاحتلال والاستعمار والتطهير العرقي. كل ركن من أركان إمبراطورية الولايات المتحدة -أو بالأحرى كل ركن من أركان العالم- مستعبَدٌ لاستبداد الدولار. الدولار ملك، ولسنا جميعًا إلا رعايا، يشمل هذا الاستعبادُ العملَ والمبادئَ والمعيشة، فلا مفر من النظام الرأسمالي الغامض.

تصوّر فرانسيس مكدورماند بملامح وجهها فقط؛ بإمالة الشفة أو رفع الحواجب، معاناة وبشاعة الحالة الإنسانية، وهي من أعظم الممثلات اللاتي فعلن ذلك. وليس لشدة ثقافتها العاطفية أي مثيل، إنها تتحلى بالقوة والرحمة في آنٍ، قوة هادئة وظريفة. أنصحكم بالتمعن أثناء مشاهدة هذا الفيلم، وأن تشاهدوه وحيدين على أكبر شاشة يمكنكم العثور عليها.

آسف على إزعاجك (Sorry to Bother You)، بوتس رايلي، 2018

قد يكون هذا الفيلم الأقل قابليةً للتأويل في هذه القائمة. الفيلم حماسيّ وفكاهي في الوقت نفسه، وثيمة نهاية الرأسمالية ونهاية العالم ظاهرة فيه بكل وضوح. رغم أن السخرية والكوميديا تكاد تكون مستحيلة عمليًا في عالم اليوم لأن الواقع أكثر تسلية وعبثية، إلا أن هذا الفيلم يدير كليهما بسهولة، وهو دليل على عبقريته. يتبع الفيلم مسوقًا عبر الهاتف في كاليفورنيا تترجم أحلامه في تجاوز حياة السجن التي يعيشها في وظيفته إلى السجن في خيال تجاوز هذه الحياة. ينفذ بوتس رايلي هذا الهبوط بخبرة وأسلوب لا مثيل لهما.

ثمة خلاصات واضحة يمكن استنتاجها عند كل منعطف في أحداث الفيلم. ولكن في النهاية سيحدث ما كان محتمًا حدوثه، وبعد الخوض في المسارات غير المتبلورة في الفيلم، سيترك فيك شعورًا غير مسبوقٍ بالبهجة والارتباك. هذا الفيلم يشبه الجوكر أكثر من فيلم الجوكر نفسه. يتخيل هذا الفيلم عبر الحبكة والشكل والأسلوب عالمَ ما بعد الرأسمالية، ويذهب بعيدًا في تعطشه الذاتي لذلك.

السمة المميزة لهذا الفيلم هي اقتناعه الكامل وقدرته على إثبات أن القدرة على تخيل عالم يتجاوز الرأسمالية تتطلب تفكيكًا أساسيًا للنظام الاجتماعي والاقتصادي وللمخيال أيضًا. إنها القدرة على احتضان العبث بالكامل داخل حدود النظام، وإعلان الحرب على الأعداء المستدخلين. يوفر الانهيار التام للعالم كما نعرفه مجالًا واسعًا للرعب السينمائي.

مختلّ أمريكي (American Psycho)، ماري هارون، 2000

مقدمة فيلم الرعب الكوميدي هذا تُظهر مصرفيًا وسيمًا يعمل في وول ستريت وهو يخترق مدينة نيويورك لتلبية رغباته الدنيوية في القتل والتعذيب دون أن يلفت الأنظار أو يتعرض لأية عواقب وخيمة.

يتناول هذا الفيلم أساس المشكلة: الثروة المفرطة تدمر البوصلة الأخلاقية، والرغبة تفاقم العوَز، كما لا يمكن تجنب مذهب اللذة؛ أي تحقيق أقصى قدرٍ من المتعة، في عالم خالٍ من المحرمات. ومع ذلك، لا أحد يريد الكثير من أي شيء بعد الآن، لأنه لا يوجد ما يمكن أن يرضي الرغبة في عالم يمكن أن يمتلك فيه الجميع كلّ شيء.

التبجح الكاذب، والشقق المعاصرة، والدم الأحمر على الأثاث الأبيض، والأسلوب الهزلي الصارم. قال الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك إن السينما تعلم كيفية الرغبة، وهي الأقرب إلى المركز هنا. منتفخ تمامًا، وخجول تمامًا.

ختامًا، يجدر التحذير من مشاهد التلذّذ بالموت التي تملأ الفيلم.

  • الهوامش

    [1] ينسب فيشر في كتابه المقولة للمفكرين الماركسيين فريدريك جيمسون وسلافوي جيجك.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية