السينما المنحازة: خمسة أفلام لكين لوتش عن العمل والعمال

الأربعاء 01 أيار 2024
المخرج البريطاني كين لوتش.

لا يبرح كين لوتش موقعه السياسي وموقفه الإيديولوجي. لا يغيب عن الأضواء، لكن سحرها، يفشل الحبل الذي يشده دائمًا إلى الطبقة العاملة التي جاء منها ودافع عنها. يلخص المخرج البريطاني، المتجه نحو عقده التاسع، هذه المفارقة بالقول: «الطبقة العاملة هي الموضوع الأساسي الذي يجب أن نصنع أفلامًا عنه، لأنها الطبقة التي يمكنها إحداث التغيير». 

كتبت محررة السينما في جريدة نيويورك تايمز، جانيت كاتسوليس، قبل أيامٍ عنه تقول إنه نصير المتطرفين، وهو لم يخف ذلك يومًا. كان لوتش، دائمًا مثار جدل في الأوساط الثقافية الغربية، لأنه كان دائمًا عاصيًا ومتمردًا. راهن على الواقعية الاجتماعية في نقد اليمين الحاكم ورؤيته الاقتصادية. وراهن على قدرة السينما في إعادة كتابة التاريخ لإنصاف الإيرلنديين ضد المحتل الإنكليزي. وراهن أيضًا على رؤية إنسانية للوجود، جعلته باكرًا في الصف الأول لداعمي الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لـ«إسرائيل»، مما كلفه ثمنًا باهظًا ماديًا ومعنويًا.

تعد سينما كين لوتش نقيضًا للأفلام الأمريكية. فقد تأثر بوضوح بالواقعيين الجدد الإيطاليين مثل روبرتو روسيليني وفيتوريو دي سيكا. كانت انطلاقة لوتش الكبيرة في عام 1960 عندما توجه للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية، وشق طريقه حتى أصبح مخرج الدراما البوليسية الشهيرة «Z-Cars». ثم انضم إلى المنتج توني غارنيت لسلسلة «مسرحية الأربعاء»، وهي سلسلة رائدة أثارت جدلًا هائلًا بسبب إيحاءاتها الاشتراكية الصارخة. وأشهرها، فيلم «كاثي تعال إلى المنزل» (1965)، لدرجة أنها دفعت الحكومة البريطانية إلى تغيير قوانين مساعدة المشردين. السينما بالنسبة لكين لوتش أداة نضالية احتجاجية وتحريضية، شأنها في ذلك شأن المظاهرات والحملات وأشكال العمل الجماعي الأخرى. فقد سُئل مرةً عن دوافعه في صنع الأفلام فقال «أريد أن يغضب الناس».

ترسخت أفكار المخرج التسعيني في الستينيات، عقد الجنون والحلم. أدرك ذلك الجيل حدود النموذج السوفياتي في تحرير العمال، وكان مدركًا سلفًا لكارثية النموذج الرأسمالي. لذلك أخذت الطبقة العاملة ومعاركها الصغيرة حيزًا مركزيًا في تفكيره وتفكير جيل كاملٍ من الشبيبة اليسارية الأوروبية الراديكالية. كانت رؤيته للعالم مبنية على مانوية بسطية، في كون الصراع الذي لا يمكن التوفيق فيه بين الفئتين، العمال وأصحاب العمل، يجب على الطبقة العاملة أن تستولي في نهايته على السلطة، ولا يمكنها أن تفعل ذلك إلا من خلال النضال. في ذلك الوقت كان الرهان على العمال كبيرًا، لكن كين لوتش احتفظ بهذا الرهان إلى اليوم، في عصر النيولبرالية المطلقة، مؤمنًا دائمًا أن هذه الطبقة لديها القوة للقيام بهذا التغيير. وما جربه مع أصدقائه كتاب أفلامه مثل جيم ألين وباري هاينز وغيرهم من الكتاب، ومع بول لافيرتي، كاتبه المفضل، على مدار الثلاثين عامًا الماضية، سواء في الأفلام الوثائقية أو في الأفلام الروائية، هو الإشارة إلى تلك القوة وكيف يتم تخريبها من طرف المؤسسة الحاكمة وطبقتها المهيمنة.

في جانب آخر تدور أفلام لوتش حول الاستعمار والذاكرة. يحتفظ المخرج البريطاني بمواقف جذرية ضد التاريخ السائد الإنكليزي في القضية الإيرلندية. وبمواقف طليعية في دعم القضية الفلسطينية وبالضد من الكيان الإسرائيلي. قبل سنوات قام بإخراج مسرحية بعنوان «الهلاك». تدور أحداثها حول الحركة الصهيونية خلال الحرب العالمية الثانية والصفقة التي عقدت بين بعض الصهاينة والنازيين. مقدمًا سردًا مختلفًا تمامًا لإنشاء «إسرائيل» وسياسة الصهيونية في ذلك الوقت. يقول لوتش: 

«صحيح أن العديد من الشعوب تعيش تحت الاضطهاد في كثير من أنحاء العالم، ولكن هناك العديد من الجوانب التي تجعل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مختلفًا. بادئ ذي بدء، تقدم «إسرائيل» نفسها كدولة ديمقراطية مثل جميع الدول الغربية الأخرى، في حين ترتكب جرائم ضد الإنسانية. لقد أنشأت «إسرائيل» كيانًا مقسمًا على أسس عنصرية، مثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، بدعم عسكري ومالي من أوروبا والولايات المتحدة. وهذا نفاق لا حدود له (..) وعندما نجد أنفسنا في مواجهة مثل هذه الجرائم، يجب علينا أولاً الرد كبشر، أو كفنانين، أو كأي شيء آخر، لا يهم. أول شيء هو أن نفعل كل ما في وسعنا لإبلاغ الناس بالموقف. المقاطعة هي تكتيك. وهذا أمر فعال ضد إسرائيل لأن إسرائيل تقدم نفسها كرائدة  ثقافية. ولذلك فإن المقاطعة الثقافية تزعجها كثيرًا. لا ينبغي لنا أن نشارك في أي مشروع تدعمه الحكومة الإسرائيلية (..) علينا أن نفعل ذلك لأننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي ونشاهد الناس يعيشون في مخيمات اللاجئين طوال حياتهم». 

كما لا يخفي لوتش أمله في إمكانية التغلب على تلك القوة الرأسمالية الهائلة -التي تستغل العمال وتدمر الكوكب وتدعم الكيان الإسرائيلي- معولًا على ديناميكية التاريخ التي لا تتوقف: «لا شيء يدوم إلى الأبد. لو كنت بريطانيًا قديمًا لفكرت، يا إلهي، الرومان موجودون هنا إلى الأبد، لكن إمبراطوريتهم انهارت بالطبع. إذا علمنا التاريخ شيئًا واحدًا، فهو أن الإمبراطوريات تنهار بالفعل. ويحدث ذلك عندما لا تتوقعه على الأقل».

نعرض هنا خمسة أفلامٍ تشكل علاماتٍ أساسيةٍ في سينما كين لوتش حول الطبقة العاملة والعُمال، والتي تركز على آثار التحول النيولبيرالي، الذي قادته رئيسة الوزراء، مارغريت تاتشر خلال عقد الثمانينيات وبدأت تظهر نتائجه الكارثية في التسعنيات وما بعدها، ليس فقط على الطبقة العاملة والطبقات الوسطى، ولكن على تشكيل الحياة السياسية البريطانية، التي انمحت فيها الحدود بين اليمين واليسار، بعد اندماج حزب العمال في البرنامج النيوليبرالي وتراجع نقابات العمال.

الحثالة (1991) (Riff-Raff)

تدور أحداث الفيلم -الذي فاز بجائزة الفيلم الأوروبي عام 1991- حول عاملٍ يدعى ستيفي، يلعب دوره الممثل روبرت كارلايل. رجل أصله من غلاسكو في سكوتلاندا، يخرج من السجن حديثًا وينتقل إلى لندن، وبعد جهد وبحث يحصل على فرصة عمل في حظيرة للبناء حيث تقوم شركة مقاولات بتحويل مستشفى قديم إلى شقق فاخرة. يعيش ستيفي ظروفاً سيئة. ومع ذلك تسعفه الأقدار بلقاء مع مغنية مبتدئة من أصل إيرلندي تدعى سوزان، تلعب دورها الممثلة إيمر ماكورت.
في موقع البناء، طور العمال نظامًا دفاعيًا يمزج بين الفكاهة والحيل والمخططات. كانت النقاشات حادةً بين العمال حول البرنامج السياسي لمارغريت تاتشر، وكان لاري، زميل ستيفي، متزعمًا للمعارضة داخل الحظيرة. لكن الإدارة لا تفرق بين المؤيد والمعارض، فتقوم بطرد العمال لأوهن الأسباب ولا تقدم أي ضماناتٍ للسلامة المهنية. بين العلاقة المضطربة مع سوزان -بسبب الأوضاع المادية السيئة- وشروط العمل القاسية، تمضي حياة ستيفي في مدار اغتراب مكلل بالبؤس، عمقه رحيل والدته المفاجئ، وفي غيابه القصير لتوديعها، تقرر الإدارة طرد زميله لاري بعد أن طالب بظروف عمل أكثر أمانًا. بعد أن سقط زميلهما ديزموند، عامل البناء الشاب، من سطح المستشفى القديم مفارقًا الحياة، بسبب السقالات غير الآمنة. يفقد العمال الأمل في أن تلقى مطالبهم صدى لدى صاحب العمل. فيعودون ليلًا يتقدمهم ستيفي ويشعلون حريقًا هائلًا في المبنى.

خبز وورد (2000) (Bread and Roses)

خلافًا لأفلام كين لوتش، التي تدور عادةً في شمال إنكلترا وأحياء الطبقة العاملة البريطانية، يأخذنا خبز وورد إلى كاليفورنيا ويدخلنا في عالم عمال النظافة، وأغلبهم من المهاجرين غير النظاميين من أمريكا الوسطى. تفلت مايا، الشخصية الرئيسية، بأعجوبة من براثن المهربين قادمةً من المكسيك، وتلتحق بعائلتها في أمريكا حيث تعمل أختها الكبرى في إحدى شركات التنظيف التي تتولى صيانة مباني المكاتب الكبيرة في لوس أنجلوس. تبدأ مايا عملها وسط حملة نقابة التدبير المنزلي لتنظيم العاملين في هذه الشركة. يستوحي كين لوتش من إضراب عمال الصيانة الذي حدث في لوس أنجلوس في منتصف التسعينيات. 

فضلًا عن أن عنوان الفيلم هو شعار نقابي أمريكي قديم رفعه العمال خلال إضراب قطاع المنسوجات عام 1912 في لورانس، ماساتشوستس : «نريد الخبز، والورود أيضًا».  يتتبع الفيلم مايا -التي تلعب دورها الممثلة  بيلار باديلا- وزملاءها في معركتهم ضد الخوف من الفصل التعسفي، ومقاومة رئيس العمل، وغياب التأمين الصحي، والوعي بالقوة التي يمثلها عملهم المنظم. وبشكل أكثر شموليةٍ، يشكك لوتش في الحلم الأمريكي، الذي تمثل لوس أنجلوس أحد أعاجيبه، لكن داخل البنايات البلورية الشاهقة، وبالقرب من مكاتب كبار المدراء والأثرياء، يوجود عالم موازٍ يمثله عمال النظافة، الذين يزيلون أوساخ هذا النظام/ الحلم، لكنه مع ذلك يبدو بخيلًا معهم فلا يقدم لهم إلا القليل.

البحارة (2001) (The Navigators)

يلامس هذا الفيلم تركة مارغريت تاتشر الثقيلة على نحو مباشر. يروي حياة خمسة من عمال السكك الحديدية -جون وبول وميك وجيري ولين- في مستودع يوركشاير في شيفيلد، المتأثر بخصخصة شركة السكك الحديدية البريطانية في عام 1995. تمضي حياة العمال مستقرةً في صيانة خطوط السكة. يصف الفيلم وظيفتهم بدقة وينقل لنا محادثاتهم في غرفة الاستراحة، عن الأمل والحياة الرغيدة والفخر بالعمل والصداقة الحميمة، والشعور بالحماية الكافية. لكن ذلك ينتهي فجأةً، عندما أبلغهم مشرفهم أن شركة الدولة قد بيعت للقطاع الخاص وأنهم يعملون الآن في شركة تدعى إيست ميدلاندز للبنية التحتية. 

في مهمة صيانة، يرسل أحد العمال بعيدًا لأن مستودعه مملوك الآن لشركة منافسة. رحيله يترك بقية رفاقه غير قادرين على إكمال المهمة. يعرف عمال السكك الحديدية بمديرهم الإداري الجديد، السيد هيمينغز، الذي يحذرهم بأن العمل الدائم لم يعد مضمونًا.  يتجادل جيري مع رئيسه حول الإجراءات المفروضة دون التشاور، وتتسارع الأحداث والتغييرات. يفرض القطاع الخاص منطقه على العمال. لتتحول حياتهم إلى قفزات متلاحقة في الهواء بلا أفق، وبكثير من الاغتراب في مساحة العمل والخوف المتواصل على حياتهم. تنتهي القصة على نحو مأساوي، يموت البعض منهم بسبب حوادث العمل، ويغادر البعض. على نحو سوداوي، توحي النهاية بفقدان الأمل في إمكانية إنقاذ القطاع العام. كانت وطأة التسعينيات ثقيلةً.

أنا، دانيال بليك (2016) (I, Daniel Blake)

يدور الفيلم حول نجار أرمل يبلغ من العمر 59 عامًا من نيوكاسل، يدعى دانييل بليك. مصاب بمرض مزمن في القلب. ورغم أن طبيبه لم يسمح له بالعودة إلى العمل، إلا أنه يعتبر لائقًا للقيام بذلك بعد تقييم القدرة على العمل الذي أجراه له مكتب العمل. الأمر الذي أدى إلى حرمانه من بدل التوظيف. يشعر دانيال بالإحباط عندما يعلم أنه لم يتم الاتصال بطبيبه بشأن هذا القرار، فيقدم طلبًا للاستئناف، لتبدأ رحلته في زواريب البيروقراطية الإنكليزية. 

يصادق دانيال كاتي مورغان، وهي أم عازبة، بعد أن عوقبت لوصولها متأخرة إلى موعدها في مركز العمل. انتقلت كاتي وأطفالها للتو إلى نيوكاسل من ملجأ للمشردين في لندن، حيث لا يوجد سكن بأسعار معقولة في لندن. يساعد دانيال الأسرة من خلال إصلاح الأشياء وتعليمهم كيفية تدفئة الغرف بدون كهرباء وصناعة ألعاب خشبية للأطفال. أثناء زيارة بنك الطعام، تنهار كاتي بالبكاء، بعد أن غمرها الجوع بسبب إطعام أطفالها ونسيان نفسها. بعد أن قبض عليها وهي تسرق متجرًا عرض حارس أمن على كاتي سرًا العمل كعاهرة . يفاجئها دانيال في بيت الدعارة حيث تذهب للعمل ويتوسل إليها أن تتخلى عن الوظيفة. 

وكشرط للحصول على بدل الباحثين عن عمل، يكون على دانيال الاستمرار في البحث عن عمل. يرفض العمل في مركز البستنة لأن طبيبه لم يسمح له بالعمل بعد. عندما يخبره مدرب عمله أنه عليه العمل بجدية أكبر للعثور على وظيفة أو التعرض للعقوبة، يرسم دانيال عبارة «أنا دانييل بليك، أطلب تاريخ الاستئناف قبل أن أتضور جوعًا» على جانب المبنى. 

يحصل دانيال على دعم المارة، بما في ذلك آخرين يطالبون بالمزايا، ولكن الشرطة تلقي القبض عليه وتحذره. في يوم الاستئناف يشعر دانيال بالقلق فيصاب بنوبة قلبية أخرى ويموت. تاركًا الخطاب الذي كان ينوي قراءته في الجلسة، والذي ينتقد فشل نظام الرعاية الاجتماعية.

عذرًا، لم نلحق بكم (2019) (Sorry We Missed You)

يلامس هذا الفيلم قضية انتقال العمال من العمل المأجور إلى العمل الحر، والأوهام، التي تروجها النيوليبرالية حول ذلك للتخلص من الأعباء الاجتماعية للعمل التقليدي. كان ريكي تورنر يعمل في وظائف الياقات الزرقاء طوال حياته. يخوض وعائلته صراعًا شاقًا ضد الديون منذ الأزمة المالية عام 2008 . فيقرر العمل لحسابه الخاص، كسائق توصيل. من أجل شراء شاحنة للوظيفة، يقنع ريكي زوجته آبي ببيع سيارة العائلة، رغم أنها تستخدمها في عملها كممرضة رعاية منزلية. تتبدد أحلام العمل الحر، بعد الدخول في التجربة، يتعرض ريكي إلى ضغوطٍ تتعلق بإجراءات عمليات التسليم في الوقت المناسب ويجري تغريمه إذا تأخر أو ارتكب أخطاء. تجد آبي أيضًا أن عملها أكثر صعوبة بدون سيارة وتشعر في كثير من الأحيان بالانزعاج بسبب قلة الوقت المسموح لها بقضائه مع مرضاها بسبب جدول أعمالها المتطلب. تتعقد حياة ريكي وعائلته وتسوء أوضاع نجله في المدرسة. ويدخل دوامةً من البؤس والمشاكل لا تنتهي إلا وهو في المستشفى.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية