تدوينة

أن تكوني صبا مبارك

الأربعاء 15 كانون الثاني 2020
عن الصفحة الرسمية لصبا مبارك على فيسبوك.

شهد عام 2010 طريقة مفاجئة لدخول فنانة غير مصرية سوق الفن المصري من أوسع أبوابه. لأسباب ما، قرر المخرج المصري محمد أمين منح دور بطولة فيلمه «بنتين من مصر» لفنانة أردنية يعرفها الأردنيون جيدًا ويجهلها المصريون وقتها بشكل شبه كامل. وقفت صبا مبارك أمام المصرية زينة في فيلم مصري شديد المحلية، بدءًا من عنوانه وانتهاء بسرده الذي يعرّي، بحبكة اختلف النقاد في تقييمها، بؤس الواقع الذي تعيشه الفتاة المصرية في المرحلة التي سبقت ثورة يناير مباشرة. كان قبول صبا بالدور مقامرة كبيرة، إذ إنها غامرت عبره بإثبات انتمائها ليس للسينما المصرية فقط، وإنما للأمة والمجاز والمعنى المصري. نجحت المقامرة، وأصبحت بنت الأردن، منذ تلك اللحظة، بنتا لمصر أيضًا. 

تقدّم صبا، مع زملاء آخرين أبرزهم إياد نصار ومنذر رياحنة، جيلًا جديدًا من الممثلين الأردنيين الذين استطاعوا، بفعل عوامل عديدة، اقتحام سوق الدراما المصرية (والسورية قبل ذلك) وفرض أنفسهم كممثلين من الدرجة الأولى. انضم هؤلاء الأردنيون إلى نظرائهم من السوريين والتونسيين الذين امتلأت بهم المسلسلات المصرية في السنوات الأخيرة، ليشكلوا نوعًا من الحضور العربي قل نظيره في الفن المصري على امتداد تاريخه. 

لكن صبا تضيف بعدًا آخر إلى معاني ظهور الفنان الأردني على الشاشة المصرية. تحولت صبا في السنوات الأخيرة من ممثلة فقط إلى صورة وأيقونة، في حالة نادرة لم تشهدها الممثلات الأردنيات من قبل. من بين أغلب دول المنطقة، فإن الأردن لم ينتج على المستوى العربي من قبل نموذج فنانة الأضواء: تلك الممثلة أو المغنية التي يمتزج فنها بموهبتها بجمالها ليضفي عليها هالة وسحرًا معينيْن ويضعها في أحد القوالب الفنية التي تظهر فيها المرأة دراميًا، كفتاة الأحلام أو نجمة الإغراء أو البنت المتمردة وغيرها. ضعف الدراما الأردنية في العقود الأخيرة والغياب شبه الكامل للسينما لم يسمحا للممثلات الأردنيات بإحداث قفزة تنقلهم من المحلية إلى العالمية العربية (مصر)، كما أن الطبيعة المحافظة للدراما الأردنية حصرت الممثلة الأردنية في جيل مضى بأدوار خاصة شبه متكررة. ليس ثمة فاتن حمامة ولا هند رستم أردنية. لا ملاك ولا شيطان، بالتنميط المعروف في السينما المصرية، لا سعاد حسني ولا ميرفت أمين ولا نجلاء فتحي، لا يسرا ولا ليلى علوي. 

تقدّم صبا مع زملاء آخرين جيلًا جديدًا من الممثلين الأردنيين استطاعوا اقتحام سوق الدراما المصرية والسورية وفرض أنفسهم ممثلين من الدرجة الأولى

حضور صبا العربي فتح المجال أمام الممثلة الأردنية، للمرة الأولى ربما، لتكون جزءًا من هذه الصور النسائية المألوفة مصريًا. تجمع صبا معاني عديدة في ذاتها لم يألف الجمهور العربي أن يجدها في فتاة أردنية. صفحتها على الفيسبوك قد تشكل مصدرًا لدراسة سوسيولوجية تقوم على تتبع التعليقات التي يتركها متابعو صفحتها على مشاهد مسلسلاتها وصورها وظهورها الإعلامي. صبا شيء جديد، مفاجأة لجمهور عربي واسع لم يكن الأردن من ضمن اهتماماته في مجال الدراما وتصنيع النجوم من قبل. قد يكون هذا جزءًا من أسباب نجاحها، لكنه يضع أمامها صعوبات جمة بالتأكيد. صبا ليست ممثلة فحسب، وإنما أردنية أيضًا، بطاقة تعريف لبلد لا يملك في العادة نجومًا على مستوى المنطقة. هذه ميزة وعبء معًا لا تعرفها زميلات لصبا مثل منة شلبي ومنى زكي ونيلي كريم وغيرهن. منة شلبي هي منة شلبي فقط. صبا، على الجهة الأخرى، هي صبا الأردنية.

صبا لغز هوياتي أيضًا. ملامحها تسمح لها بالانتماء لدول عربية شتى. إتقانها للهجات عربية متعددة لا يمنح السائل جوابًا قاطعًا عن أصلها. اسمها غير الشائع في مصر تحديدًا يجعلها «صَبا» عند البعض و«صِبا» عند الآخر. بعض الجمهور الذي لا يعرف جنسيتها يشير إليها باعتبارها تونسية أو عراقية أو سورية. صبا مثال تطبيقي للتعدد داخل الهوية الأردنية: أب أردني وأم فلسطينية ومسيرة فنية في بلاد متعددة. 

تختلف صبا المصرية عن قصص أخرى لممثلات عربيات اخترقن الساحة قبلها في أنها وصلت مصر ناضجة فنيًا وواعية بحجم قدراتها وبعمرها أيضًا. بدايتها في مصر سبقتها مرحلة طويلة من العمل في إنتاجات أردنية وسورية صنعت لها حضورًا خاصًا وأكدت موهبتها. أن تكون أولى أعمالها المصرية وهي في منتصف الثلاثينات من العمر يعني أن على صبا أن تختار جيدًا. أدوار المراهقة التي أدتها عربية أخرى هي هند صبري لا تناسبها. المطروح أمامها سيكون محصورًا. بروز صبا في مصر رغم كل المحددات التي تواجه المرأة في قطاع التمثيل يضاف إلى نجاحها. 

بعيدًا عن التمثيل فإن صبا تصنع صورتها بعناية واهتمام شديدين. ظهورها على وسائل التواصل الاجتماعي فيه قدر لا يخفى من التشييء، تتوجه عبره للمتعة البصرية والنظرة الذكورية. برأيي أن صبا تعي أنها في تشكيل حضورها بهذه الطريقة تقوم بشيء جديد، مطروق بكثرة في بلدان عربية مجاورة لكنه غير مسبوق لممثلة أردنية. تحاول صبا أن تختصر المسافات التي ترى ربما أنه كان على الممثلات الأردنيات أن يقطعنها عربيًا. تريد أن تكون حلمًا وفتنة وإغراء ودهشة وصدمة معًا. تعليقات متابعيها تكشف هذه الأبعاد في الوقت ذاته. هي «صبا القلب» في عبارة تتردد كثيرًا، «جميلة الأردن»، مع تعليقات أخرى تنتقد ما تراه تجاوزًا في طريقة اللباس أو خروجًا على المعتاد من محافظة المجتمع الأردني. 

بالنسبة لكثير من الأردنيين فإن صبا نقيض لما اعتادوا عليه. اختفاء نموذج فنانات الأضواء أردنيًا جعل الأردنيين يتطلعون إلى جيرانهم العرب، وسوريا ولبنان ومصر تحديدًا، بحثا عن الصورة المثال التي تشكلها نجمات السينما والغناء للرجال والنساء معًا. مع صبا فوجئ الأردنيون بهجرة معاكسة، بعيون عربية تتطلع إلى «بنت» من بناتهم وتتلصص على جسدها وتتغنى بفتنتها وحضورها. تنوعت ردود الفعل، والتعليقات التي يتضح أن كاتبيها أردنيون على وسائل التواصل تشير إلى انقسام حاد فيما يمكن أن يعنيه أن تصبح فتاة أردنية معشوقة للكثيرين. 

أن تكوني صبا مبارك يعني أن تتحولي من مجرد امرأة عادية إلى نص مرتبط بمكان جغرافي محدد تصبحين علامة عليه، أن يتعدى أثر حضورك السياق المباشر لحياتك ليصبح مجالًا لتأويلات لا ترتبط بالضرورة بك، أن تكتشفي أنك تسلكين طريقًا لم تسلكه زميلة قبلك من بلدك، أن تصبحي نافذة جمهور عربي واسع لبلد لم يكن جزءًا من متخيلهم الفني، أن تكوني نجمة أضواء لبلد لم يعتد على هذا النمط من صورة المرأة وحضورها. أن تكوني صبا مبارك يعني، باختصار، ألا تكوني صبا مبارك.