فيلم «Cuties»: حين تصبح الإسلاموفوبيا مبررًا للبيدوفيليا

الأربعاء 30 أيلول 2020
فيلم كيوتيز على نتفلكس
مشهد من فيلم «كيوتيز». المصدر: IMDb.

تقدم نتفلكس نفسها، في العموم، صوتًا معتمدًا للصوابية السياسية ومتحدثًا رسميًا باسمها. وعندما شاركت في توزيع الفيلم الفرنسي «الظراف» أو «كيوتيز» (Mignonnes بالفرنسية، أو Cuties بالإنجليزية) وقدمت فيه فتيات دون سنّ الرشد في أوضاع ذات إيحاءات جنسية، شعر الليبراليون من حملة لواء الصوابية السياسية بالخيانة، وبأن المتحدث الرسميّ باسم قيمهم بدأ يطعنها في الصميم، فانطلقت حملات المقاطعة ضدّ نتفلكس.

لم تمتد هذه الحملات إلى صنّاع فيلم «كيوتيز» ومموليه ومنتجيه الفرنسيين، ولم تصل إلى محتوى الفيلم العنصري أو تذكر إغراقه في العداء لثقافات الأفارقة والمسلمين، بل لم تطل محتوى الفيلم من الأساس، وأغلب الظنّ أن كثيرين ممن شاركوا بالحملة لم يشاهدوا الفيلم أصلًا.

لنقلها صراحةً ومن البداية؛ فيلم «كيوتيز» مليء بالمشاهد المقززة التي تعرّي طفلات وتظهرهنّ في أوضاع ذات مدلولات جنسية وشهوانية. وحتى لو تقبلنا دفاع المخرجة الفرنسية-السنغالية ميمونة دوكوري، ومن ورائها نتفلكس، بأن الفيلم كان يقصد نقد الثقافة الغربية، والفرنسية بالذات، التي تفرض هذه التصورات الجنسية على الأطفال، فإننا أمام كاميرا تلصصية تقدم تنازلات لهذه الثقافة التي تشيّئُ الأطفال جنسيًا بالتضاد مع سرد روائيّ وسينمائيّ ينتقد هذه الثقافة وهذا التشييء. وربما كان هذا التقزز هو ما تهدف إليه المخرجة، على طريقة «سينما التطرف» أو «سينما الحد الأقصى» الفرنسية، ولكن هذا لا يغفر لها ما فعلته بفتيات حقيقيات أمام الكاميرا، ولا يعفيها من مسؤولية إرضاء جمهورها الشهواني-التلصصي عن طريق الكاميرا حتى وهي تنتقدهم من خلال السرد. 

ولكن، ما الذي جعل نتفلكس قادرة، وهي التي ترفع لواء الصوابية السياسية، على أن تسوّق فيلمًا كهذا؟ ولماذا يختفي نقد العنصرية والإسلاموفوبيا من الحملة ضد الفيلم؟ وكيف يتغير الموقف من الفيلم بإضافة موقفه المعادي للأفارقة والمسلمين إلى المعادلة؟ وكيف يتأثر موقفنا منه إذا شاهدناه حتى نهايته؟

أولويات ليبرالية

رسالة فيلم «كيوتيز» التي تجاهلتها الحملة الليبرالية ضدّه هي نفسها ما يمرر الفيلم ويبرّئه ليبراليًا؛ فإذا كانت حماية الأطفال ومحاربة البيدوفيليا من القيم الليبرالية، فإن القيمة الليبرالية الأعلى دائمًا وأبدًا هي تحرير النساء المسلمات والإفريقيات من رجالهنّ ومجتمعاتهنّ «الأبوية»، وتحرير جنسانيتهنّ التي تقمعها هذه المجتمعات المحافظة ويقمعها الإسلام، الذي يعتبر أحد نقائض الليبرالية أو نقيضها الأساسيّ.

لم تمتد حملات المقاطعة إلى صنّاع فيلم «كيوتيز» ومموليه ومنتجيه الفرنسيين، ولم تصل إلى محتوى الفيلم العنصري أو تذكر إغراقه في العداء لثقافات الأفارقة والمسلمين، بل لم تطل محتوى الفيلم من الأساس.

فبطلة الفيلم مهاجرة سنغالية تعاني من قمع أسرتها الأفريقية المسلمة، وتتطلع لاستكشاف أنوثتها المقموعة، عن طريق الانطلاق في المجتمع الفرنسي ومع صديقات فرنسيات من أصول بيضاء وعربية وأفريقية، وهذا السياق الذي يغيب عن الحملة الليبرالية ضد الفيلم هو نفسه ما يبرره ليبراليًا ويجعل نتفلكس قادرةً على المشاركة في إنتاجه وتسويقه دون التخلي عن أجندتها الليبرالية. ولهذا كان لا بد للحملة ضده أن تسقط عنصرية الفيلم وتحيزاته الثقافية والعرقية من حساباتها، ولو تطرقت لإسلاموفوبيته لأضعفت حجتها وجعلته مقبولًا ليبراليًا.

ففي مقابل تنظيم جنسانية الأطفال و/أو قمعها ونفيها بحسب المعايير الأمريكية البروتستانتية في الأساس، التي تتبناها الليبرالية السائدة، فإن أي تنظيم أسود أو مسلم للجنسانية أو الطفولة يصبح هو القمع بعينه، ما يستدعي إنتاج جنسانية الأطفال لإطلاقها من عقالها المسلم-الأسود كي تتحرر؛ أي أن المشاهد نفسها التي تعدّ استغلالًا للطفلات وانتهاكًا لهنّ، تصبح تحريرًا لهن ولجنسانيتهنّ المقموعة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الثقافات المهاجرة الأفريقية والمسلمة. 

طوّعت المخرجة دوكوري بطلة العرض الطفلة آمي (ومن ورائها الممثلة الطفلة فتيحة يوسف)، لتصبح أداةً لإنتاج هذه الجنسانية التي يجب تحريرها، ولتصبح البنت نفسها منظرًا يشحذ المشاهد الأوروبي (في مزيج من التعاطف الفوقي والازدراء والرغبة في الإنقاذ، مع شيء من الاشتهاء الذي تشجعه الكاميرا المتلصصة)، ولتلتقي عندها انحيازات عنصرية وثقافوية أوروبية، قد يواريها الأمريكيون، بينما لا يخجل منها الفرنسيون. فإن كان الاستعمار الأمريكي قد تعلم أن يخفي حملاته الثقافية والعسكرية خلف ادّعاء احترام ثقافة الآخر، فإن فرنسا التي طالما شنت حملات نزع الحجاب في مستعمراتها المسلمة ما زالت تتبجح بقيمها العلمانية وتشن حملات نزع الحجاب ضد مواطناتها. وفي 2016 لم تستح الوزيرة «الاشتراكية» الفرنسية لورانس روسينيول من تشبيه المسلمات اللواتي لا يردن نزع حجابهنّ بنساء «الزنج» اللواتي لم يردن التحرر من العبودية لم تستخدم كلمة noires التي تعني اللون الأسود وإنما negres المرتبطة بتاريخ العنصرية والعبودية). وبطلة الفيلم هي فتاة من «الزنج» تحتاج أن يحرّرها المجتمع الفرنسي، ومسلمةٌ تحتاج أن ينزع المجتمع الفرنسي عنها الحجاب.

ومن منطلق شبيه، فإنّ مما سهل على نتفلكس الأمريكية خوض في هذا المشروع هو أن السود في ثقافة أمريكا يقدّمون دائمًا باعتبارهم بالغين قابلين للمحاسبة؛ فنرى مراهقيهم يحاكمون كبالغين إن ارتكبوا جرمًا، ونرى تبريرات إطلاق النار على الأطفال والمراهقين السود بحجة أنهم يمثّلون تهديدًا. كما أن جنسانية السود، النساء بالذات، تقدّم في أمريكا على أنها عدوانية ومتعدية، بينما جنسانية المرأة البيضاء تقدم دائمًا على أنها محط الحماية والعناية، وهي التي تستحق أن تشعر بالتهديد. ولهذا، فلا عجب أن المقاطع الأكثر انتشارًا ضمن الحملة الدعائية لمقاطعة الفيلم كانت المقاطع التي تضم فتيات بيض وفاتحات البشرة، إلى جانب البطلة/الضحية السوداء (وكادت هذه الحملة تخلو من مشاهد الامتهان الجنسيّ الذي تتعرض له بطلة الفيلم، وإن كانت هذه المشاهد أكثر إثارةً للاشمئزاز وأولى بالغضب والمقاطعة).

تحيّزات الفيلم ومخرجته

تقول مخرجة فيلم «كيوتيز» بأنه مستوحى من تجربتها الشخصية، ولذا لن يكون تجنيًا منا أن نقرأ فيه عداءها لأصلها الأفريقي ولثقافتها المسلمة.

فبطلة الفيلم، آمي تخرج من حيز الانغلاق والتزمت الذي تفرضه عائلتها المسلمة، وترعاه بقوة عمّتها المتدينة، وتنصاع له أمها -التي تقبل على مضض وتحت ضغط العمة بأن يتخذ زوجها المقيم في السنغال زوجة ثانية-، إلى التحرر في المجتمع الفرنسي مع صديقات فرنسيّات من أعراق مختلفة، وإن كنّ يتجمعنّ حول طفلة شقراء تمثل قطب المجموعة، ويكوّنّ فيما بينهنّ فريقًا للرقص يسعى للفوز بمسابقة رقص للأطفال. تتعلق عينا آمي بهؤلاء البنات ورقصهنّ. وطوال الفيلم تبدو أجساد البيض (ومعها أجساد الفرنسيين العرب ذوي البشرة الفاتحة) جذابة بشكل ينعكس في انبهار آمي بها، بينما تظهر الأجساد السوداء قبيحة ومتعرّقة وقذرة، في مشاهد معتمة حصرًا، ولا تثير في نفس آمي سوى الاشمئزاز.

المشاهد نفسها التي تعدّ استغلالًا للطفلات وانتهاكًا لهنّ، تصبح تحريرًا لهن ولجنسانيتهنّ المقموعة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الثقافات المهاجرة الأفريقية والمسلمة. 

في مقابل أسرتها المغالية في الاحتشام والتحفظ والتدين، تنبهر آمي بلباس أولئك الفتيات وتحرّرهنّ، وترغب أن تصبح مثلهن، وتظلّ تتلصص عليهنّ حتى تكتشفها الفتاة الشقراء، فتبدأ البنات بشتم آمي ورميها بالحجارة حتى تصاب في رأسها وتظلّ الندبة واضحة على رأسها في المشاهد التالية. ولكن هذا العنف الذي يترك آثاره على وجه الفتاة ونفسيتها لا يصرفها عن هؤلاء الفتيات، بل على العكس يحثّها أكثر على أن تتطلع إليهنّ وتحاول الالتحاق بهنّ، فيما يبدو كمجاز عن العنف العنصريّ والاستعماريّ الذي تمارسه الثقافة السائدة البيضاء ضدّ المتماهين معها من شعوب وثقافات أخرى، يترك الندوب في نفوسهم وأجسامهم، ولكنه في نفس الوقت يحثهم على المزيد من التماهي ومحاولات الالتحاق بالثقافة الأوروبية البيضاء، من موقع الدونية.

هذا اللهاث، من قِبَل آمي ومن قبل الفيلم وبنيته السردية على حدٍّ سواء، وراء المجتمع الفرنسي الأبيض وثقافته و«تحرّره»، يوازيه عداء للمجتمع الأفريقي المسلم؛ فالفيلم لا يضع آمي في عداء مع ثقافتها فحسب، ولا يكتفي بأن يُظهِر عداءها المستحكم لأبيها الذي سيتخذ زوجة ثانية (والذي تتمنى آمي ألا يلتحق بهم في فرنسا أبدًا)، بل يضعها في عداء كذلك مع أخيها الصغير، إسماعيل، الذي كتبته المخرجة بحيث يكون مصدر إزعاجٍ دائم (أحيانًا في مشاهد مقحمة لا تضيف للحكاية التي يرويها الفيلم شيئًا)، وهو الذي يشي بها لتكتشف أمها حياتها السريّة كعضوة في فريق الرقص؛ ولا تجعل المخرجةُ إسماعيلَ مصدرَ إزعاج من باب السذاجة والبراءة، بل تجعله من البداية متواطئًا مع ذكورية مجتمعه، إذ يتحدث بفرحة عن الجلباب الذي سيرتديه في عرس أبيه، دون أن يلاحظ ما يحدثه ذلك من أثر في نفس أمه وأخته. 

لا يشي هذا التصوير بكراهية المخرجة دوكوري لأخيها (المجازي) وإخوتها الأفارقة والمسلمين فحسب (الذين تتمنى، ربما، أن يظلّوا بعيدين عنها في أفريقيا كما تمنت آمي لأبيها)، بل يتعداه إلى التماهي مع صنف من النسوية الليبرالية الاستعمارية التي تريد أن تجعل من كل الرجال المسلمين وكل الرجال الأفارقة أو السود أعداءً لكل نسائهم، اللواتي يغدو خلاصهنّ في الهروب إلى المجتمع الأبيض. 

وكما حوّلت طفلةً بريئةً إلى أداة لإنتاج جنسانية المسلمات المقموعة وتحريرها، فإن المخرجة حوّلت كذلك طفلًا بريئًا إلى أداة للذكورية المسلمة-الأفريقية؛ وجعلت بذلك انغلاق المسلمين والأفارقة أصيلًا، لا في ثقافتهم فقط، ولكن أيضًا في جيناتهم، كأنهم يشبّون عليه صغارًا أو يولدون به. 

كراهية الذات كبوابة عبور

حتى آمي تكتشف مبكرًا في الفيلم أن الذي يفصلها عن البنات اللواتي تتطلّع إليهنّ ليس فقط ثقافتها وإسلام أهلها، بل كذلك جيناتها؛ إذ تتلصص في مشهد مبكر، بخليط من الإعجاب والحسرة، على جارتها (العربية؟ الأسبانية؟) أنجليكا (التي تلعب دورها الطفلة الفرنسية ذات الأصول العربية مدينة العايدي)، الأفتح بشرةً والأكثر مقاربةً لمعايير الجمال الأوروبي، وهي ترقص في غرفة الغسيل وتترك شعرها الناعم يسترسل، وتكويه بمكواة الملابس، ثم بعد أن تنصرف أنجيليكا تحاول آمي أن تقلدها فتحرق شعرها بالمكواة؛ وكأنها تدرك مبكرًا أن هذا الجمال الأوروبي الذي قد تصل إليه غيرها من المهاجرات، ليس متاحًا لها كإفريقية.

إلا أن هذه العربية، الأقرب لأوروبا ومعاييرها ولونها من جارتها الأفريقية تلعب دور الوسيط، ومن خلالها تدخل آمي إلى عصبة الفتيات اللاتي كانت تتطلع إليهنّ، فتعرف مكانها كإفريقية في هذا المجتمع، وتراه أمامها في شخصية كومبا الأفريقية-الفرنسية، التي تبدو أكثر فرنسيةً من آمي، وفي نفس الوقت تمارس فرنسيتها بعدوانية تفوق عدوانية صاحباتها ذوات الأصل الأبيض أو العربي.

إنّ لهاث آمي ولهاث الفيلم وبنيته السردية على حدٍّ سواء، وراء المجتمع الفرنسي الأبيض وثقافته و«تحرّره»، يوازيه عداء للمجتمع الأفريقي المسلم.

نرى في الوقت ذاته، وترى آمي، كم أن الأفريقية، وإن كانت فرنسية، هي بدائية وهمجية، في مشهد تحمل فيه كومبا ما تظنه بالونًا لتنفخه وتلهو به وتشبهه بصدر صاحبتها ياسمين، فتصرخ فيها البنات بامتعاضٍ بأن ما حملته واقٍ ذكريّ مستعمل، وترتبك الفتاة التي لم تكن تعرف، بينما تصيح فيها صاحباتها بأنها ستحمل لهنّ الإيدز وأنها موبوءة مثل الجراثيم، قبل أن يأخذنها لغسلها.

تريد المخرجة هنا بالطبع أن تصور لنا براءة الفتيات في مقابل المجتمع الذي يضع في طريقهنّ أشياء جنسيّة لا يعرفن كيف يتعاملن معها، ولكنها تنتج في هذه اللحظة، ربما بلا وعي، الفتيات فاتحات البشرة كأنهن أكثر درايةً وحصافةً من الفتيات السود، وتجعل السوداء هدفًا للتثقيف والتقريع من صاحباتها، وتستحضر الخيالات الأوروبية عن فقدان النساء السود للسيطرة على أنفسهنّ وعلى جنسانيتهنّ، ثم تستجمع الخيالات العنصرية عن السود الحاملين للإيدز (وهي الخيالات التي حكمت تصوّرات الأوروبيين والأمريكيين للإيدز منذ ظهوره) وللأمراض عمومًا، وخاصةً في المشهد التالي: تتكالب الفتيات فاتحات البشرة على غسل الفتاة السوداء، كأن المخرجة دوكوري تفصح عن رغبةٍ دفينةٍ بأن تغسلها فرنسا من سوادها (ومن جهلها الجنسيّ الذي يجعلها لا تعرف ما تعرفه البنات البيض والعرب عن الواقيات الذكرية)، أو تشير إلى إدراك نظرة المجتمع الأوروبي لما تمثّله آمي.

وبالرغم من كل هذه الندوب، تحاول آمي مجاراة الفتيات، وتبالغ في ذلك في بعض الأحيان، إلى أن تنتشر صورها الإباحية على الإنترنت، فينعتنها بالساقطة ويبتعدن عنها. ولكنها تصرّ على أن تكون جزءًا من فريقهنّ وتشاركهنّ الرقص، وأن تفعل أي شيء في سبيل ذلك، وإن هربت من أهلها يوم عرس أبيها لئلا تغيب عن مسابقة الرقص أو دفعت بزميلتها ياسمين في النهر لتأخذ مكانها في العرض الراقص.

وعندما تقدم الفتيات أخيرًا عرضهنّ الراقص الذي كنّ يحلمن به طوال الفيلم، نرى أهالي المتسابقات، وبالذات الأهالي السود، ممتعضين من هذا العرض، بينما تستحسنه لجنة التحكيم وبعض الحاضرين البيض؛ وكأن هذا العرض مجاز كذلك للعروض السينمائية التي ستقدمها المخرجة دوكوري، لتنسلخ عن أهلها الأفارقة والمسلمين وتنال امتعاضهم، بينما تكسب تأييد ودعم لجان التحكيم البيضاء، فتحصل على التمويل والجوائز لأفلامها.

لكن الدقائق الأخيرة من الفيلم تقدم لنا حكايةً مغايرة، ففي هذه اللحظة تتسمّر آمي في مكانها، وبينما تصدح الموسيقى الصاخبة والراقصة حولها، تصمت تلك الموسيقى في رأسها وتحلّ محلّها موسيقى إفريقية تقليدية. يبدو كما لو أنّ آمي في هذه اللحظة قد انتبهت إلى أن محاولاتها للتعلق بهذا المجتمع جذبتها إلى دوامةٍ لم تجلب لها إلا الألم والإهانة؛ فتنسحب من العرض وتذهب إلى بيت أمها؛ ولكنها لا تبقى هناك ولا تشارك في عرس أبيها، بل تذهب إلى الشارع لتلعب ألعابًا طفوليةً، ونراها للمرة الأولى في الفيلم سعيدة بينما يبدأ تتر النهاية.

ربما تخطّ المخرجة دوكوري، في الدقائق الأخيرة من فيلم «كيوتيز»، طريقًا ثالثًا لبطلتها غير طريقي «القمع الإسلاميّ/ الإفريقيّ» أو الانغماس في «التحرر الجنسي الفرنسي»، وربما كانت المخرجة بحاجة لأن تتعامل مع مشاكلها النفسية والاجتماعية مع قومها الأفارقة والمسلمين وأن تنفس عنها قبل أن تبدأ في خطّ مشروعها المستقل؛ وربما ستسير أفلامها القادمة على خطى هذه الدقائق الأخيرة من الفيلم وتقدّم لنا شيئًا جديدًا ومستقلًا، ولكنّها في سبيل ذلك، عرّضتنا إلى ما يزيد عن ساعة وربع من كراهية الذات والانصياع للخطاب العنصريّ الفرنسيّ واجتراره، والصور المقززة التي تستغل الأطفال في تلميحات وإيحاءات ومواقف جنسية، قبل أن تعوّضنا ببضع دقائق من السينما الجيدة.