«الأردن في الحرب العالمية الأولى»: التاريخ للقارئ العادي

رجل وطفلان أمام المدرج الروماني وسط عمان، في صورة مؤرخة بين عامي 1898 و1914. المصدر: مكتبة الكونغرس الأمريكي.

«الأردن في الحرب العالمية الأولى»: التاريخ للقارئ العادي

الثلاثاء 03 كانون الأول 2019

تُواصل الباحثة والأكاديميّة الأردنيّة هند أبو الشعر بحوثها في تاريخ الأردن في الفترة العثمانيّة؛ إذ أصدرت مؤخرًا كتابًا يتناول الفترة الأخيرة من تاريخ الأردنّ تحت الحكم العثمانيّ حمل عنوان «الأردنّ في الحرب العالميّة الأولى (1914- 1918): سجلّات المحاكم الشرعيّة والمذكّرات المحليّة مصدرًا».

«أردنا تقديم الأحوال الاجتماعيّة والاقتصادية للأهالي»، هكذا تختم أبو الشعر كتابها، الذي يمكن تصنيفه على أنّه تاريخٌ اجتماعيٌّ وإداريّ لشرق الأردن تلك الفترة. ويُعدّ هذا الكتاب مُكمِّلًا لمشروع أبو الشعر الذي يتناول تاريخ الأردن في العهد العثماني منذ القرن السادس عشر، إذ ومع مطلع التسعينيات بدأت الدراسات التي تتناول الأردنّ في العصر العثماني بالظهور شيئًا فشيئًا، وكانت أبو الشعر من الباحثين الأصيلين في هذه المرحلة لناحية كثافة ما أصدرتهُ عنها، حيث أصدرت: تاريخ شرق الأردن في العهد العثماني (1516 – 1918)، وإربد وجوارها (ناحية بني عبيد 1850-1928)، وسجلات الأراضي في الأردن (1876 – 1960)، والدولة العثمانية بدايات ونهايات (محررة ومشاركة)، ودراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للأردن في العهدين العثماني وإمارة شرقي الأردن.

ظلّت هذه المرحلة التي تناولتها أبو الشعر لغزًا، بلّ والأقل نبشًا من قبل الباحثين لعدة أسباب بينها ما يتعلّق بتوفر المصادر التي تغطي هذه المرحلة. وظلّ تاريخ الأردنّ بشكلٍ عامٍ غير مدروسٍ ولم يُكتَب، إنما ما كُتب منه هو ما يطلق عليه هاني حوراني «ما تعلّق بدور ما سُميَّ بالرعيل الأوّل: المؤسسين من الأسرة المالكة، والساسة، والوزراء (..) ثم إنَّ ما كُتب هو وصف أحداث من وجه نظر مضادة للجماهير بالمعنى الوطني والطبقي للكلمة».[1] فلماذا تأخرت الكتابة في تاريخ شرق الأردن في هذه الفترة؟ وكيف بدأت الدراسات عن هذه الفترة بالظهور مع مطلع التسعينيات؟ وما أهميّة دراسة هذه الفترة من تاريخ الأردنّ؟ هذا ما تحاول هذه المقابلة مع مؤلفة الكتاب الإجابة عليه.

حبر: ما الذي يمكن أن تقدمه لنا دراسة تاريخ الأردن في الفترة العثمانية؟

هند أبو الشعر: هذا سؤال مشروع، ويؤسس لدراسة التاريخ الحديث في الأردن. العهد العثماني يكمّل العهد المملوكي، والذي انتهى عام 1516 عندما هَزم السلطان سليم الأول الجيشَ المملوكي قرب مدينة حلب في معركة «مرج دابق»، وأنا أرى أنه لا يمكن دراسة تاريخ الأردن في القرن السادس عشر الميلادي أي مع بدايات خضوع بلاد الشام للعثمانيين، بعيدًا عن تاريخ دولة المماليك، هذا أولًا.

أما رؤيتي للأردن في العهد العثماني فلا تنفصل عن الصورة العامة لبلاد الشام، فقد ظلت المنطقة إداريًا تتبع لدمشق وهي مركز ولاية الشام، وكانت في مطلع الحكم العثماني في القرنين السادس عشر والسابع عشر تتبع لنظام التيمار، وهو نظام إقطاعي تُوزع فيه الدولة الأراضي على العسكريين وكبار الإداريين في الدولة بدلًا عن الرواتب، مقابل أن يشرف هؤلاء على جمع الضرائب وإدارة الأراضي ضمن قوانين التيمار بدلًا عن الدولة، وفي الوقت نفسه التعهد بتأمين الدولة بالمحاربين في حال الحاجة، وقد توزع العسكريون والإداريون أراضي الأردن، وكان بعضها يتبع للسلطان. هذا النظام جعل الأهالي مجرّد فلاحين يعملون في خدمة الإقطاعيين من غير أهل البلاد، وعزَلهم عن العالم، وأضعف نظام التجارة الذي كان نشطًا في العهد المملوكي، (..) ومع القرن الثامن عشر تلاشى عهد الإقطاع وحلّت بدلًا عنه سلطة العائلات المحلية التي تقوم بجمع الضرائب وهم (الملتزمون)، وكان التغيير الكبير في العهد العثماني مع مجيء محمد علي باشا إلى سوريا، وطبعًا الأردن جزء منها، حيث غيّر حكم محمد علي باشا المعطيات على الأرض، واضطرت الدولة العثمانية للبدء بالإصلاحات والتحديث فيما عرف (بالتنظيمات العثمانية) منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحتى نهاية الدولة عسكريًا عام 1918.

هند أبو الشعر في محاضرة في مؤسسة عبد الحميد شومان، وغلاف كتابها.

هذه المفاصل التي توقفتُ عندها تقول بكل وضوح إن تاريخنا عبر أربعة قرون ارتبط بنمط إدارة الدولة العثمانية، حيث عزلتنا في القرنين السادس عشر والسابع عشر ضمن نظام إقطاعي جعلنا مجرّد فلاحين لخدمة التيماريين، ولم يساهم القرن الثامن عشر في تحريك الحياة العامة. خلال هذه الفترة لم تكن الدولة مسؤولة عن التعليم أو الصحة، وكان الناس رعايا لا مواطنين. إلّا أن التغيرات التي أحدثها محمد علي باشا غيّرت الكثير، وخاصة فتح المدارس الجهادية وإدخال الكتب، ونظام الانتخابات، ومحاولة تحديث النظام المالي، وكانت مقدمة للتنظيمات العثمانية ولدستور عام 1876، ومجلس المبعوثان، وافتتاح المدارس والمحاكم المدنية. وقد أرسى الدستور قوانين التجارة والتعليم والتجنيد والمحاكم، ومع فتح قناة السويس سنة 1869 انقلبت حياة الأهالي وانفتح الناس على العالم في التجارة، ودخلت السلع الأوروبية.

إن كل هذه المتغيرات تؤكد على أننا لا نستطيع معرفة تفاصيل تركيبة مجتمعنا بعيدًا عن كل هذا، إنها تؤسس لدراسة تاريخنا الحديث بعد عام 1918 مع انهيار الدولة العثمانية، ودخول جيش فيصل بن الحسين إلى دمشق وتكوين أول دولة وطنية في بلاد الشام، وأنا مثلًا لا أستطيع فهم مرحلة قيام الحكومة العربية الفيصلية والمملكة السورية، ومن بعد إمارة شرق الأردن بعيدًا عن الأوضاع السابقة في العهد العثماني.

في كتابها، اعتمدت أبو الشعر على المذكرات المحلية أكثر من اعتمادها على سجلّات المحاكم الشرعية، إذ لم تعتمد على الأخيرة إلّا في الصفحات الأولى من الكتاب الواقع في 264 صفحة، واعتمدت على المذكرات في باقي الكتاب. بالإضافة إلى ذلك لا يقدّم الكتاب تفاصيل المرحلة بالكامل، إنما فقط ما قدّمته المصادر من مذكّرات وسجلّات وهي مصادر غير متاح الاطلاع عليها بسبب تصنيف بعضها كمصادر عسكرية، وعدم تصنيف الكثير منها، بالإضافة إلى أنها مكتوبة باللغة العثمانيّة. 

وقد اتجه الكتاب إلى الاعتماد على مذكرات أردنيين عايشوا فترة الحرب العالمية الأولى، وتناولوا التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لأهالي شرق الأردن قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، وعلاقة الأهالي بالدولة العثمانية، والهجرات الداخلية والخارجية في بعض مناطق الأردنّ، وأحوال الحرب من منظور بعض العسكريين المشاركين فيها.

لماذا ظل الأردن، خلاف سوريا والعراق مثلًا، بعيدًا عن دراسة تاريخه في الفترة العثمانية؟

هذا استنتاج صحيح، ويرتبط بطبيعة الدراسات التاريخية في كل من بلاد الشام والعراق، ولا علاقة له بالأردن وظروفه؛ فقد بدأت الدراسات التاريخية في المراكز، وأقصد بذلك جامعة دمشق، وجامعة بغداد، وكان الوضع الطبيعي أن يتم الالتفات في سوريا إلى المراكز، وهي: دمشق وحلب وحمص وحماة، في حين أُهملت الأطراف، ومنها منطقة شرقي الأردن، وكان اهتمام الباحثين في جامعة بغداد بالعهد العثماني بالعراق أولًا، وقد لمسنا نحن طلبة التاريخ في الجامعة الأردنية مثل هذا التوجه. أنا شخصيًا لم أكن أعتقد أن بإمكاننا دراسة تاريخ الأردن في العهد العثماني لأنني لم أطلع على المصادر العثمانية التي تمثّل المصادر المباشرة لدراسة هذه الحقبة الطويلة في تاريخنا (1516 – 1918) لكني ذهلت حين انفتحت أمامي كنوز المصادر لهذه المرحلة في محفوظات مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية، والتي تضم سجلات المحاكم الشرعية لكل الحواضر والأطراف، وسجلات المالية للدولة، والطابو.

وأعتقد أيضًا أن تأسيس الجامعات الأردنية، وأقسام التاريخ فيها، والتوجه لإنشاء أقسام للدراسات العليا، دفع الأبحاث بالاتجاه نحو دراسة التاريخ المحلي، وهو توجه طبيعي، حيث توفرت المصادر العثمانية بكم هائل، في حين اهتم طلبة الدراسات العليا بدراسة المكان الأردني، ومن هنا نشأت حالة متكاملة قدمت دراسات تاريخية متنوعة للأردن في العهد العثماني، وخاصة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.

اقتصرت السجلات التي اعتمدت عليها أبو الشعر على قضاء عجلون فقط؛ بسبب الكمّ الكبير من هذه السجلات في محاكم: إربد، السلط، الكرك، الطفيلة، معان، والعقبة. حصلت أبو الشعر على أسماء الأردنيين المشاركين في الحرب العالمية الأولى من أرشيف المحاكم الشرعية تحديدًا «الحجج المرفوعة [في المحاكم] لإثبات وفيات الأزواج من العسكريين، وإقرار النفقة أو الطلاق أو السماح للزوجة بالزواج من جديد بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على غياب الزوج في العسكريّة»،[2] لتقدّم أثر مشاركة هؤلاء الرجال على طبيعة الإنتاج في الشمال، والأثر الاجتماعي لغيابهم.

لماذا اخترتِ هذه المذكرات دون غيرها؟ ولماذا هناك مصادر من مذكرات لرجال السلطة رغم أنك قدمت الكتاب على أنه يهتمّ بالمقام الأوّل بالأحوال الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأهالي، وهل هناك مذكرات أخرى يمكن أن تشكل مصدرًا لدراسات قادمة؟

عملتُ على انتقاء ما يمثل كل المناطق، يعني حرصت على أن تُمثّل المذكرات كل مناطق الأردن، ثم أنني أوليت اهتمامي لغنى المصدر في تقديم مادة اقتصادية واجتماعية وإدارية للمرحلة، أي أنني انتبهت لإمكانية توظيف المذكرات لتقديم صورة موسعة للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والإدارية في كل منطقة مدروسة، وأنا أجمع مادة جديدة لتقديم تصور غربي موازٍ، لتقديم المرحلة من كل الشهود، وهذا يساعد في تشكيل الصورة المتوازنة المطلوبة.

لاحظ أن هناك ظاهرة في الوطن العربي كلّه تتمثل في كتابة رجال السلطة لمذكراتهم، وهذا كما أراه حالة ضرورية، فمن يصنع الحدث عليه أن يقدّم مبرراته لنا كلنا. لا أعتقد أن صمت رجل السلطة مسألة مقبولة، هذا جرد حساب، هو بالتأكيد سيكتب من وجهة نظره، لا بأس، ليفعل، وليسجل ما قام فيه، أو ما تصور أنه قام فيه، وهذا جزء من الرواية، ومن يكتب التاريخ يتلقف هذه الشهادات ويدرسها بمنهجية الباحث. في كتابي كانت غالبية المصادر محلية لأشخاص عاديين وليسوا من أهل السلطة، صحيح أن البعض قد تولّى مناصب رسمية، لكن معظم من اعتمدت على مذكراتهم لم يكونوا وقت الحرب العالمية من أهل السلطة. مثلًا، كان حنا القسوس طبيبًا، ثم أصبح وزيرًا، الصوت الوحيد الذي يحمل صفة رجل سلطة هو الأمير زيد الذي احتوت مذكراته على مادة إحصائية للعسكريين في الجيش العربي، كذلك الحال مع مذكرات عسكري عراقي هو عبد الجبار الراوي.

ما الدور الذي لعبه تأسيس مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية في تطور هذه الدراسات، وما هي المعيقات التي تواجه الباحث أو المؤرخ لدراسة هذه الحقبة العثمانية؟

كان إنشاء مركز الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية مفصلًا أساسيًا في تأسيس الدراسات العليا في الجامعة عام 1972، وهذا معناه ألّا يضطّر طالب الدراسات العليا الذي يحتاج للمصادر للسفر والبحث وإضاعة الوقت والجهد والمال. وقد اجتهد المؤسسون وجعلوا الهاجس الأساسي هو تصوير كل ما يمت لبلاد الشام من سجلات ووثائق وخرائط وقيود في العهد العثماني، ولذلك احتوى المركز على ثروة مصورة لسجلات المحاكم الشرعية لكل محاكم حواضر بلاد الشام (دمشق، حلب، حمص، حماة، بيروت، طرابلس، صيدا، القدس، نابلس، الناصرة، غزة، السلط، إربد، الكرك، معان، الطفيلة، والعقبة وغيرها). وبفضل التطورات الإلكترونية، تحولت هذه السجلات وعددها بالآلاف إلى أقراص مدمجة وبعضها ملون ونقي بدرجة كبيرة، ولك أن تتصور الفارق بين ما قبل الديجيتال والآن. كان الباحث يبذل جهودًا جبارة في قراءة السجلات على المايكروفيلم وبعضها يدوي، كلنا درسنا السجلات بهذه الطريقة. أقول هذا وأنا عضو في مجلس المركز وأشعر بالقيمة الكبيرة التي أعطانا إياها المركز ونحن طلاب، أو أساتذة في الجامعات وباحثين.

معيقات البحث في المرحلة العثمانية واسعة، أولها وأهمها الجهل باللغة العثمانية، حيث أن هذه عقبة حقيقية تقف في وجه الباحث وخاصة في السجلات المبكرة. والعقبة الثانية أن الأرشيف العثماني لم يفتح كله أمام الباحثين لأنه لم يتم تصنيفه، وهذا يحتاج لسنوات لا عدد لها، ولباحثين مدربين على درجة عالية من المعرفة، وهذا يعني بكل بساطة أن الأرشيف العثماني لم يدرس حتى الآن كما يجب، وربما تغيّر الكثير من المعطيات مستقبلًا عندما تتوفر لنا مادة مصنفة لم يسبق لنا دراستها، وهو واجب الباحث المستقبلي.

هل يمكن اعتبار كتابك «الأردن في الحرب العالمية الأولى» ضمن ما يسمى بالتاريخ المصغر، كونه يعتمد في جزء منه على مصادر مثل سجلات المحاكم الشرعية والمذكرات وبالتالي يبتعد عن رواية السُلطة للحدث؟

هذا الكتاب يُكمل دراساتي السابقة لتاريخ الأردن في العهد العثماني، وهي دراسات موسّعة، وهي أول دراسة متسلسلة وموسّعة لتاريخ الأردن عبر أربعة قرون؛ للحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية لكل أنحاء الأردن في إطار بلاد الشام، واعتمدت على كل المصادر الممكنة من سجلات عثمانية وصحافة وسالنامات ودفاتر طابو ودفاتر مالية وكتب رحلات ووثائق غربية وغيرها من المصادر، أي أنه تاريخ موسع. ثم إن دراساتي أخذت طابع البحث المعمق في مناطق محددة في قصبات وريف الأردن، بدءًا بدراستي لإربد وجوارها، ثم لقرى الحصن والصريح وحوارة وسما الروسان وغيرها من القرى.

هذا الكتاب يقتطع مرحلة زمنية صعبة ومفصلية في تاريخنا وهو فترة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) ويقدمها بلسان أهالي المنطقة والشهود على الأحداث وبعضهم من صانعي هذه الأحداث. وكنت قد نشرت عام 1995 في كتاب إربد وجوارها أول تفاصيل لمشاركة أهالي قضاء عجلون في الحرب مع الدولة من خلال ما وجدته في سجلات محكمة إربد الشرعية، ولم أستطع الحصول على أسماء العسكريين من أهالي المنطقة من خلال السجلات العسكرية، حيث حاولت هذا في اسطنبول وفشلت، لذلك لجأت إلى المصدر المحلي وقارنتها مع مادة السجل الشرعي، والتفت إلى كتب المذكرات التي لم تدرس حتى اليوم كما يجب كمصدر تاريخي، وراعيت أن تغطي كل المناطق بدءًا بقضاء عجلون شمالًا، ومرورًا بالبلقاء والسلط، وانتهاء بالكرك والعقبة. وبالطبع، فإن هذه المصادر تحتاج لمنهجية خاصة في التعامل معها، فهؤلاء شهود عيان وهم يروون الأحداث من وجهة نظرهم، ويجب مقارنتها مع الوثائق المعاصرة سواءً أكانت رسمية تمثل الدولة (إداريًا وعسكريًا) وهذه هي المرة الأولى التي أتوجه فيها للقارئ العادي وليس الأكاديمي. كنت أريد تقديم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بلغة قريبة للناس، وتركت الهوامش التي تثقل النص محفوظة لدي بتفاصيلها، وأثبتّ مصادري في نهاية الكتاب دون أن أفصلها، لأنني أجهز لكتاب موسع يقدمها وافية. ما قدمته استهدفتُ فيها القارئ العادي، وأظن أن من حقه أن يقرأ مادة منهجية، ولكن دون أن أغرق الصفحات وأثقلها بالهوامش.

أخيرًا، إن كانت المذكرات التي اعتمدت عليها أبو الشعر توضح علاقة الأهالي في شرق الأردن بالدولة العثمانيّة، وهي علاقة قامت على السخط في مراحل مختلفة فإنَّ موقف بعض أصحاب هذه المذكرات لم يكن مع بديل هذه الدولة، أي قيادات الثورة العربية، أو على أقل تقدير كان بعض أصحاب هذه المذكرات يسجلون احتجاجهم المبكّر على علاقة قيادات الثورة بالإنجليز والفرنسيين، وهو ما قدمته مذكرات الضابط العراقي تحسين علي، حيث ورد فيها نص رسالة وجهت من عسكريين في الثورة العربية إلى الأمير فيصل بن الحسين جاء فيها:

«إننا لم نتطوع في الجيش الحجازي إلا لأجل تحرير البلاد العربية، وتشكيل حكومة عربية تأخذ مكانها بين حكومات العالم، وإننا عندما تطوعنا لهذه الخدمة لم يخطر ببالنا تنفيذ خطط الإنجليز والفرنسيين، وإننا لا نقبل أن يكون على قيادتنا قادة يأتمرون بأمرهم».[3]

  • الهوامش

    [1] هاني حوراني، «التركيب الاقتصادي والاجتماعي لشرق الأردنّ: مقدمّات التطوّر المشوّه (1921-1950)»  منظمة التحرير الفلسطينية، 1978 ص 9.

    [2] هند أبو الشعر،  «الأردن في الحرب العالمية الأولى (1914-1918): سجلات المحاكم الشرعية والمذكرات المحلية مصدرًا»، دار ورد، 2019 ص 14.

    [3] «الأردن في الحرب العالمية الأولى»، ص 248.