الحضور الباهت لـ«الاستقصاء المعماري» في فلسطين: إشكالية لغة الباحث في أرض بحثه

الإثنين 20 كانون الثاني 2020
زوار لمعرض «عنف سريع وبطيء» لوكالة «الاستقصاء المعماري» في مركز خليل السكاكيني في رام الله. رصيد الصورة للمركز.

ما يجذب الانتباه في أول معرض يقام في فلسطين لوكالة الاستقصاء المعماري (Forensic Architecture) ليس موضوع المعرض، ولا ما توصل إليه من استنتاجات، وإنما استخدام التكنولوجيا المتطورة والجذابة في العرض وجماليات الصور والخرائط وطريقة عرض المعلومات التي تشكل بعدًا مهمًا من العمل. لكن أهم ما يلفت الانتباه هو إشكالية السرد اللغوي.

تتخذ وكالة الاستقصاء المعماري التي يديرها المعماري إيال وايزمان، من جامعة غولدسميث في بريطانيا مقرًا لها. وتعرّف نفسها بأنها وكالة بحث للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالمباني والبيئة الحضرية باستخدام تقنيات جديدة، تعيد من خلالها بناء الأحداث وتقديم نتائج بديلة. تضم الوكالة محققين وفنانين ومعماريين معروفين مثل لورنس أبو حمدان الذي حقق صوتيًا في جرائم ارتكبها النظام السوري ضد السجناء في سجن صيدنايا. ورغم المواضيع المتعددة التي تحقق فيها الوكالة، تعد انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين أولى اهتماماتها، واستطاعت من خلال معارضها المختلفة لفت نظر المجتمع الغربي إليها وخاصة اولئك المهتمين بالثقافة والفن.

أقيم المعرض الذي حمل عنوان «عنف سريع وبطيء»، في مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله المحتلة بين شهري أيلول وتشرين الثاني 2019. واحتل ثلاث غرف في الطابق الأرضي في المركز ذي المعمار الفلسطيني القديم، وقدّم مجموعة من التحقيقات البيئية حول قضيتين هما: محاولات «إسرائيل» ترسيم حدودٍ «طبيعية» مع غزة، وطرد السكان البدو من منطقة بئر السبع. 

على مدخل المعرض ثُبّت نص على الجدار، بتوقيع المركز، يحث من خلاله الجمهور على النظر إلى الأعمال المعروضة بعين نقدية، مبينًا الصعوبات التي واجهها عند الترجمة إلى اللغة العربية. المركز الذي نظم هذا المعرض أشار إلى أنه هدف لتقديم أحد أهم المشاريع الفنية المحتفى بها عالميًا والتي تتناول انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين، ولكنه انتقد «الحياد في اللغة» المستخدمة في المعرض واصفًا إياها بأنها «لغة قانون دولي وحقوق إنسان». وعند الترجمة إلى العربية، توخى المركز الدقة في الترجمة وبقي وفيًا للنص الذي وفرته وكالة الاستقصاء المعماري باللغة الإنجليزية. 

يحمل العمل الأول عنوان «حرب مبيدات الأعشاب في غزة» ويستكشف رش «إسرائيل» لمبيد الغليفوسات من خلال الطائرات على حدود قطاع غزة، متسببًا منذ عام 2014 في إبادة جميع النباتات في خط يمتد على حدود المنطقة الشرقية، مخلفًا مساحة مرئية للقناصين الإسرائيليين لاستهداف كل من يقترب من تلك المنطقة. وبالطبع تسبب الرش الممنهج بانتقال المبيد إلى الأراضي الزراعية إمّا بشكلٍ مباشرٍ أو من خلال الرياح، مما نتجت عنه أضرار كبيرة طالت البيئة والمحاصيل الزراعية في القطاع. وتعرض الوكالة ذلك من خلال فيديوهين إضافة إلى صور فوتوغرافية كبيرة مفرغة لأوراق نباتات متضررة من غزة. كما تعرض خطًا زمنيًا يعكس تدرّجًا من الأخضر إلى الأحمر القاني والداكن في القاعة المجاورة، ويمثل التغييرات في صحة المحاصيل الزراعية خلال الثلاثين عامًا الفائتة. في الفيديوهات المصاحبة، تعمد وكالة الاستقصاء المعماري إلى استخدام أدوات تكنولوجية تصل ما بين التحليل التقني والوقائع على الأرض، حيث تدمج معًا العالميْن الحقيقي والافتراضي للوصول إلى تجسيد دقيق لعملية الرش وإظهار نتائجها للمشاهد. 

في الغرفة نفسها يُعرض فيديو آخر يحقق في قتل الشهيدة رزان النجار، الممرضة التي قتلها قناص إسرائيلي في 1 حزيران 2018، أثناء علاجها لمتظاهرين جرحى في مسيرة العودة الأسبوعية في غزة، والتي تهدف إلى كسر الحصار الذي فرضته إسرائيل منذ عام 2006. فقد تم استهداف النجار (كما تم استهداف عشرات من المتظاهرين الآخرين) في تلك المنطقة الخاوية من الغطاء النباتي بسبب رش الطائرات الاسرائيلية المنتظم لمبيدات الأعشاب من الجو. وفي تتبع لحركة جسدها قبل استشهادها وبالاعتماد على أكثر من فيديو صُوّر في الموقع، استخدمت وكالة الاستقصاء المعماري تقنيات محاكاة تسمح بإعادة بناء مشهد استشهاد النجار إلكترونيًا، بما في ذلك تحديد الموقع الدقيق للقناص وتتبع كيفية اختراق الرصاصة للجو واستقرارها في جسدها. 

أمّا التحقيق الثاني فيتحدّى الرواية الإسرائيلية لاستشهاد يعقوب أبو القيعان في بلدة أم الحيران في النقب في 18 كانون الثاني 2017، بعد مداهمة إسرائيلية ليلية للبلدة لهدم البيوت وطرد سكانها خارج المنطقة كجزء من التطهير العرقي الممنهج في منطقة النقب منذ عام 1948. تركّز وكالة الاستقصاء المعماري على تناقض الرواية الإسرائيلية لما حدث، وعلى التلاعب الإسرائيلي بالأدلة بعد حدوث الجريمة. إعادة تمثيل الجريمة تظهر أبي القيعان يقود سيارته بالقرب عندما تم إطلاق النار عليه، مما أدى إلى فقدانه للسيطرة على سيارته ودهسه لشرطي إسرائيلي بشكل غير متعمد. المشاهد التي التقطتها ناشطة كانت في المنطقة، مكّنت وكالة الاستقصاء المعماري من مقارنة الصور قبل وبعد الحادثة، مما كشف حقائق جديدة وأظهر التحريف الإسرائيلي المتعمد للأحداث. 

جانب من الأعمال المعروضة في المعرض. رصيد الصورة لمركز خليل السكاكيني.

هذه التحقيقات في «العنف البيئي» -التي تستخدمها «إسرائيل» لفرض حدود طبيعية- هي مواضيع يعرفها الفلسطينيون عن ظهر قلب وإن لم يروها بأم أعينهم فهم يشاهدونها في الإعلام المحلي باستمرار. وفي حين يؤكد مؤسس ومدير وكالة الاستقصاء المعماري إيال وايزمان أن «المهندسين المعماريين من الممكن أن يكونوا متواطئين» وأن «عليهم أن يتخذوا مواقف واضحة مما يفعلون»، يتساءل المرء عن مواقف وكالة الاستقصاء المعماري في هذا المعرض. ورغم أن هناك التزامًا كاملًا بتوثيق تفاصيل الواقع الفلسطيني، فإن اللغة المستخدمة في سرد الرواية هي بالتأكيد لغة محايدة. فبالحديث عن «مدنيين» على سبيل المثال، بدلًا من «فلسطينيين» تؤكد وكالة الاستقصاء المعماري على الطبيعة «السلمية» لأشخاص يسكنون المنطقة و«عجز» هؤلاء «المدنيين» بدلًا من التأكيد على فاعلية الفلسطينيين وكونهم أصحاب قضية تحررية. 

وتصف الوكالة جرائم القتل التي يرتكبها قناصون إسرائيليون بـ«الموت»، وهي لغة بلا لون ولا تدل على موقف واضح وإنما تعكس غموضًا وعدم تحيز. وبالتركيز في أحد التحقيقات على «تناقض» الرواية الإسرائيلية الرسمية، تظهر الوكالة عدم دراية أو إلمام كاف بتاريخ هذه القوة الاستعمارية التي أجرت عمليات ممنهجة من تغيير في الأحداث وتحريفٍ للرواية لتتناسب مع رؤيتها الاستعمارية للمكان. ويتوقع المرء أن اللغة القانونية التي تستخدمها هذه الوكالة المحتفى بها عالميًا والتي قدمت مشاريعها في المحاكم أكثر من مرة، ستتغير عند تقديمها في فضاء فني، لتصبح أكثر جرأة ونقدية لحالة استعمارية ولقوانين تحافظ على استمرارية وضع استعماري. وإلا، فما هو الفرق ما بين اللغة التي تستخدمها وكالة الاستقصاء المعماري في هذا المعرض وبين تلك التي تستخدمها منظمات الأمم المتحدة في معارض الصور التي تنظمها في فلسطين؟

لكن أبرز التناقضات في اللغة تظهر في النص التعريفي بالوكالة، الذي نشر على الموقع الإلكتروني، وينص على أن الوكالة تعمل على إجراء تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان «بالنيابة عن المجتمعات المتأثرة بالعنف السياسي». وتعكس هذه العبارة إشكالية الافتراض بأن هذه المجتمعات، أولًا، قد أوكلت إليهم هذه المهمّة؛ وثانيًا، تقترح العبارة سلبية هذه المجتمعات وعدم فاعليتها.

من المهم التأكيد هنا بأن وكالة الاستقصاء المعماري ليست بالضبط منظمة حقوق إنسان. وبعرضهم لأعمالهم في أماكن فنية عالمية، هم يطرحون نتائج تحقيقاتهم كأعمال فنية كذلك. وبالفعل، فقد تم ترشيحهم في عام 2018، لنيل جائزة تيرنر البريطانية، لعملهم المقدم في معرض «دوكيومنتا 14» في ألمانيا، وفي المتحف الجامعي للفن المعاصر في المكسيك (MUAC)، وفي متحف برشلونة للفن المعاصر (MACBA).

وكما يقول المنظر والناقد الفني بوريس غرويس، يُتوقع من الفن، كأداة للنقد الاجتماعي، أن يُسائل المؤسسة لا أن «يجمّل القوى الخارجية»، سواء أكانت تلك قوى اضطهاد أم تحرير. ولكن في معرضها في رام الله، تُقر وكالة الاستقصاء المعماري بشكل كامل رؤية الأمم المتحدة لقوانين حقوق الإنسان دون أي مساءلة تقريبًا، رغم أن الأمم المتحدة خلقت مناطق قانونية رمادية خاضعة للتأويل وخاصة فيما يتعلق بمواضيع تعمل عليها الوكالة. على سبيل المثال، هي لا تعتبر استخدام مادة الفسفور الابيض المميتة في المناطق السكانية «غير المكتظة» جريمة حرب، وكانت وكالة الاستقصاء المعماري قد أثبتت بنفسها بأن «إسرائيل» استخدمت الفسفور الأبيض في غزة عام 2014 وأنه قد كان لهذا الاستخدام تبعات كارثية. وبالرغم من أهمية الجهود التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية في هذا المعرض، إلا أنه كان بإمكانه انتقاد القانون والمنظمات القائمة عليه، بقدر الإمكان، وهذه مهمة أساسية في الفن. 

في محاضرة في مركز السكاكيني في رام الله، انتقد رامي سلامة، محاضر الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت، النقاش المتعلق بحقوق الإنسان وتغلغله في البنية اللغوية والإعلامية في فلسطين، مساهمًا في تحويل القضية السياسية للتحرير والحرية إلى قضايا قانونية فردية منعزلة عن بعضها. منذ اتفاقية أوسلو في العام 1993، ازداد عدد منظمات حقوق الإنسان في فلسطين بشكل كبير، مما غذى، وبشكل كبير، الحوار المتعلق بالقضية الفلسطينية بمصطلحات قانونية. ويرى سلامة أن ذلك تسبب في خلق حالة من «الانتظار» بين الفلسطينيين من أجل منقذ دولي يتولى مهمة التحرير، ليخلّص الشعب من الاحتلال، وفي الوقت نفسه حرمهم من فاعليتهم وإيمانهم بقدرتهم على الفعل وقوتهم الجماعية. وما نفع التوثيق حين لا تتوفر الإرادة السياسية الدولية لاتخاذ خطوات عملية؟

لم تستقبل فلسطين، معرض وكالة الاستقصاء المعماري باحتفائية، كما هو الأمر في أماكن أخرى من العالم، وربما أن المفارقة التي وقعت فيها الوكالة هي عرض أعمالها للمرة الأولى أمام جمهور أرض التحقيق.