الترجمة وتطور اللغة: متى يُظهر «سيد الاختفاء» نفسه؟

الثلاثاء 14 أيار 2019

تقول الترجمة الكثير عن المترجم، باعتبار أن خياراته جميعها، ابتداءً من اختيار النصوص، على حساب نصوص أخرى، وتفضيل دار نشر على سواها، وعمليات واستراتيجيات الترجمة المتبعة، هي أحد مظاهر شخصيته ومقارباته للحياة والثقافة واللغة.

وهذه الاختيارات في المقابل تفسّر جزئيًا الاهتمام الكبير بصنعة الترجمة، باعتبار تأثيرها المفترض والمأمول، في تشكيل التوجهات المحليّة، وربما العالمية أحيانًا، إزاء بلد ما أو مجموعة إثنية أو جنسية دينية معينة، كما يجادل أستاذ علم الترجمة لورنس فينوتي[1]، وتشكيل صورة عنها، إيجابية كانت أو سلبية، وبناء حالة من التقدير أو الابتذال الثقافي من منطلقات هيمنة أو عنصرية أو دينية أو وطنية أو استعمارية توسّعية، لاسيما مع الغياب المستمر للتوازن في نظام الترجمة العالمي الحالي.

ولا تخفى مثلًا حالة عدم التكافؤ الحاصلة بين اللغة العربية واللغات المترجم منها، وهي لغات ثقافة مهيمنة غالبًا، وأن عدم التكافؤ هذا عائد في جزء منه إلى عنف الثقافة المهيمنة، والتي تخضع المترجمين منها إلى نمط ترجمة مخصوص في سياق مليء بالاستيهامات -التي لا تخلو من الصحّة- حول ضعف اللغة العربية، وعالميّة اللغات الأخرى وتفوقها، ولا سيما الإنجليزية، باعتبار «ملكيتها» لما تنتجه من أدوات الحضارة المعاصرة، ولاسيما في المجالين التقني والعلمي. كما يعود عدم التكافؤ هذا إلى سيطرة هذه اللغات شبه التامة على ساحة «الآداب العالميّة»، التي تضع حدودها اليوم حركة الترجمة العالميّة إلى اللغات المهيمنة، الإنجليزية والفرنسيّة تحديدًا، وهما اللغتان اللتان تستحوذان بشكل شبه حصريّ على سلطة إسباغ قيمة «العالميّة» على ما ترتضيه من آداب الشعوب الأخرى، عبر الترجمة والأكاديميا.

ولدى محاولة مواجهة كل هذا، تبرز في هذا السياق إمكانيّة مقلقة لتحوّل المترجم نفسه إلى المستبدّ والحشريّ، حتى لو كان يسعى في ترجمته إلى مواجهة الاستبداد، وذلك حين ينصّب نفسه حكَمًا على مقدار الاختلاف الذي يَلزم القارئ معرفته، فيكون المقصّ الرقيب على نصّه الجديد، مسهمًا في ترسيخ اغتراب القارئ عن الثقافة المنقول عنها.

لتوضيح الصورة سأنقل تجربة شخصيّة مررت بها أثناء ترجمتي لقصة قصيرة للكاتبة الأمريكية كارمن ماريا ماتشادو، لأبين بمثال عمليّ، طبيعة الصراع الذي يعيشه المترجم عند الوقوف أمام مفترق طرق ترجميّة محيّرة.

في قصة بعنوان «أمهات» (Mothers)، تتحدث الشخصية عن رحلتها مع حبيبتها، برًّا عبر عدد من الولايات، مع الإحالة إلى العديد من القصص والشخصيات النسويّة الخالدة، مثل فيرجينيا وولف، وبيلي هوليداي، وهيباتيا، وباتسي كلاين، وفريدا كالو، وشيرلي جاكسون.

وفي فقرة طويلة من النص، تتحدث الراوية عن متحف بروكلين ومجسّم «حفل العشاء» لجودي شيكاغو، ووصفه الدقيق وما عليه من أطباق بورسلان ملونة ومفارش مطرزة عليها أسماء 39 امرأة خلّدها التاريخ.

شكلت ترجمة ذينك المقطعين، عبئًا كبيرًا عليّ، ممتعًا لأني تعرفت عبرها لأول مرّة على عدد من تلك الشخصيات وقرأت الكثير عنها لأقف عند أهمّيتها في القصة وأحدد ما يسوّغ اختيار الكاتبة ذكرها. لقد كانت العملية مرهقة، لأني خشيت أن تشكّل كل تلك الأسماء بكل ما تمثّله من أهمّية للكاتبة -التي تكتب بنفَس سِيري في كثير من المواضع- عثرة أمام القارئ العربيّ العادي، الذي قد لا تعنيه كثيرًا هذه الأسماء، ولن يكون لها الوقع ذاته كما في لغتها الأصلية. ولم أرغب أيضًا في إقحام الكثير من الهوامش «اللبطة» في الترجمة، لأن الهوامش في النصوص الأدبية، تؤدي غالبًا وظيفة عكسية، بافتراضها جهل القارئ، الذي سيشعر لا محالة بأنه يقرأ عمل «مترجِمٍ متذاكٍ» يريد أن يأخذ بيد القارئ إلى عالم «غامض»، لا سبيل لفهمه إلا بعونه ومساعدته، عبر هوامشه «الكاشفة». ومن جهة أخرى، أو ولهذا السبب تحديدًا، يُحرم النص المترجَم من أداء مهمته الثانويّة كمادة للتثاقف والحوار والتجديد، في حال تمّ توطينه ونزع كل ما فيه من غرابة.

الترجمة اليوم في العالم العربي، وبروز العديد من المترجمين الشباب، والإقدام على خيارات جريئة على مستوى النصوص واللغات المترجم منها، هي مظهر لا ينفصل بحال عن الربيع العربي

تبرز إمكانات الترجمة هنا كأداة لتحريك الراكد على مستوى النماذج المهيمنة في الدين والثقافة والسياسة، وفي اللغة التي هي انعكاس لذلك كله. فحركة الترجمة عربيًا قد شهدت تطورًا ملحوظًا- كمّا ونوعًا- في السنوات الأخيرة السابقة للربيع العربي، وفي السنوات التي تلته، حين انبعث من جديد ذلك الشعور بالحاجة الماسّة والعاجلة لامتلاك لغة جديدة تعبّر عن العربي واحتياجاته وآلامه وآماله. فالترجمة اليوم في العالم العربي، وبروز العديد من المترجمين الشباب، والإقدام على خيارات جريئة على مستوى النصوص واللغات المترجم منها، هي مظهر لا ينفصل بحال عن الربيع العربي، تقول إننا نملك شيئًا من العالم، المعبَّر عنه بلغتنا نحن. فاللغة الحية هي الرفيق الدائم للتحرّر والنهضة مثلما هي الرفيق الدائم والمفضل للإمبريالية والهيمنة.

لقد ترسّخت في العصور العربية الماضية وحتى اليوم، حالة من المحافظة الثقافيّة و«الحمائية» المفرطة للغة والتراث، كساحة لممارسة الهيمنة الثقافية والسياسية، أثّرت، على تطوّر اللغة وفاعليّتها، وتجلّت في القطيعة المحبطة بين ما هو كائن في المدوّنة اللغوية الحيّة للعرب ولا سيما في فترات النهضة والتحرر، والمعاجم العربيّة المعاصرة، باستدعاء «سلفية» لغويّة مغرورة ومنتفخة تتهم أي تجديد لغوي في الألفاظ والتراكيب، بأنه محض تخبيص وتفلسف، وتمييع للغة جهلًا بها، ومحاولات اختراق «من غير المسلمين» للقضاء على لغة القرآن وغير ذلك من الاتهامات المعلّبة والباردة، قديمًا وحديثًا.

مراحل مرّت فيها الترجمة العربية

مرّت الترجمة العربية تاريخيًا بمرحلتين بارزتين عامّتين، الأولى هي مرحلة الإنشاء[2]، في أواخر العصر الأموي وبدايات العصر العباسي، والتي بلغت ذروتها الشهيرة في عهد الخليفة العباسي السابع المأمون بن هارون الرشيد، وهي المرحلة التي جرى فيها العمل على إنشاء بيئة علمية عربية جديدة، وأدّت إلى ترجمة أعداد كبيرة من الأعمال والتعليق عليها. أما المرحلة الثانية، وهي «مرحلة الإحياء» والتي تشير إلى حركة الترجمة الدؤوبة التي انطلقت في بدايات عصر النهضة عربيًا على يد محمد علي في القرن التاسع عشر ميلاديًا، وتمتد حتى يومنا هذا.

ثمة فوارق جوهرية بين المرحلتين، يجليهما الأستاذ حسن حمزة، مدير مكتب المعجمية والمصطلح والترجمة العربية في جامعة ليون الفرنسية. فعلى مستوى النصوص المصدر المنقول عنها، فنحن، في المرحلة الأولى، نتحدث عن منجز علمي مستقر لحضارة الإغريق التي لم تعد قائمة، في المرحلة الثانية ترجم العرب وما يزالون عن حضارة أوروبية مزدهرة لم تنفك تتطوّر. والفارق الثاني يتعلق بالعرب أنفسهم، حيث كانوا في المرحلة الأولى إبان نهضة حقيقية على كافة المستويات، وأصحاب حضارة مهيمنة، بخلاف ما هم عليه اليوم من تأخر حضاري مزمن، في ظل التقدّم المتواصل للآخر، ما يجعل جسر الهوّة أمرًا يبدو بالغ الصعوبة في الظرف الراهن.

أين المعجم العربي مما ترجمه العرب؟

منذ العصر الذهبي للترجمة في عصر العباسيين، وإنشاء بيت الحكمة في عهد المأمون، وترجمة عشرات الكتب في العلوم التطبيقية والعلوم البحتة والفلسفة وتأليف مئات غيرها كتعليقات عليها أو حواش أو شروح لها، لم يشهد المعجم العربيّ دخول ما ترجم وشاع من ألفاظ وتعبيرات جديدة، تقيدًا بحالة سلفيّة لغوية معيقة وطهوريّة تترفّع عن التعامل مع مدونة اللغة الحيّة، ولا تقبل أن يدخل إلى معجمها سوى ما جاء عن طريق السماع. أي أن آلاف الكلمات والتعبيرات المولدة، بعد ما عرف بعصور الاحتجاج[3] بعد منتصف القرن الثاني الهجري- بقيت «خارج أسوار المعجم اللغوي العربي العام».[4]

المعجم منجز حضاريّ يفترض به أن يعكس نظرة اللغة وأهلها إلى العالم، مثلما يعكس مستوى تطوّر تلك اللغة وأهلها، لكن الناظر إلى المعاجم العربية العامّة، تاريخيًا، وحتى يومنا الراهن، يصطدم بما يمثّله من قطيعة حاسمة فيها مع اللغة التي تدّعي هذه المعاجم أنها تصف مفرداتها، ناهيك بالتأكيد عن الضعف في مستوى إخراج المعاجم ونشرها ورقيًّا وإلكترونيًا.

ففي المعاجم العربية بعد معجم العين -والذي كان يعتمد بأريحيّة على مدوّنة حيّة، عن طريق السماع من العرب والانفتاح على ما هو قديم وجديد، فمصادره هي القرآن والحديث وأشعار العرب وأمثالهم في عصره وفي العصور التي سبقته- توقف الاعتماد على ما يؤلفه العرب وينقلونه عن غيرهم عبر الترجمة، ويشيع على ألسنتهم في مجالسهم وأسواقهم، فأحجم عن قبول المولد واقتُصر على ما قاله وكتبه «آباؤنا الأولون» قبل نهاية القرن الثاني الهجري، لأنّ «الفصاحة»، وفق هذا الرأي، قد انتهت وأغلق بابها بإغلاق باب الرواية والسماع.

في عام 1881 قام مستشرق هولندي يدعى رينهارت دوزي، بوضع معجم سمّاه «المستدرك على المعاجم العربية» -صدر في عشرة مجلدات عن دار الرشيد للنشر في العراق عام 1980 بعنوان «تكملة المعاجم العربية»- يستدرك فيه ما فات المعاجم العربية حتى ذلك الحين إدراجه في المعاجم مما ورد في لغة العرب عبر القرون، في ظل إصرار علماء اللغة والمعجميين العرب على حصر لغتهم فيما كانت عليه حتى القرن الثالث الهجري، واستمرّ ذلك تقريبًا حتى صدور المعجم الوسيط في ستينات القرن الماضي.

تردّد أحد الزملاء الصحفيين مرّة قبل أن يستخدم كلمة «بسطة»، إذ لم يكن مقتنعًا بها وسألني إن كان يمكن العثور على كلمة «أفخم» منها -على حد تعبيره-، أثناء تصفحي لنسخة مقرصنة من معجم دوزي، أعجبني به أنه أورد هذه الكلمة، وأكثر من ذلك، إذ جاء فيه مثلًا كلمة «بسطاني»، أي صاحب البسطة، وأورد أيضًا قولهم «على قد بساطك، مد رجليك»، وغيرها من المعاني والعبارات المحدثة التي شاع وكثر استخدامها بين العرب في وقته، مما لا تجده حتى في أحدث القواميس العربية المعاصرة، ما يعني أن الرجل كان يستقي من المدونة الحيّة للغة، ويضع في معجمه ما هو دارج فيها.

تلحلح الأمر عمليًّا بعد جدل طويل مع صدور المعجم الوسيط، والذي أكّدت مقدمته على أنّ مهمة النهوض باللغة وتجديدها يحتاج إلى «سلطة أعظم وحجة لغويّة أقوى»، في إشارة إلى عدم تجرّؤ علماء اللغة من قبل على التجديد في ما تضمنته معاجمهم، وتحدّي القيود التي فرضت على هذه الصنعة على مدار قرون عديدة، ولا سيما لو كان التجديد صادرًا من غير المسلمين، كما في المحاولات الرائدة لبطرس البستاني في «محيط المحيط»، حين اعتمد الترتيب الألفبائي لمواد المعجم حسب الحرف الأول من الجذر، واتبع منهجًا أميل للوصفيّة لاختيار المدخلات والابتعاد عن المنهجية التقريريّة حسب معايير «الفصاحة والنقاء»، إضافة إلى الجهود المعلومة للأب لويس معلوف في المنجد.

ورغم الباب الذي واربه المعجم الوسيط واستفادت منه معاجم عربية معروفة أخرى وفي مقدمتها المورد العربي، ما تزال المعاجم العربية اليوم تعاني من مشكلتين أساسيتين:[5] الأولى هي غياب الكثير من المفردات التي لم يعد بالإمكان بقاؤها خارج المعجم العربي العامّ، مثل: شاحن، لابتوب، تابلت، رقمن، غرّد (في تويتر)، عملة إلكترونية، ذباب إلكتروني، سيبراني، أو الألفاظ والمصطلحات العامة الأخرى في غير مجال التكنولوجيا والتي شاعت مؤخرًا إبان ثورات الربيع العربي، مثل تشبيح، وبلطجة، ومثليّة، علمنة، ودقرطة، وشعبوية، وغيرها، أو الألفاظ والعبارات التي تدخل من العامّية إلى الفصيحة عبر الأدب وهي كثيرة ومهمّة.

المشكلة الثانية هي غياب المدونة: ويظهر ذلك في غياب الشواهد والأمثلة تمامًا، بغية الاختصار في القواميس التجارية المطبوعة، أو استخدام الشواهد البعيدة عن ثقافة العصر ومستوى لغته، فيجري التركيز بشكل حصري على الأمثلة من القرآن الكريم والسنّة وأشعار العرب القديمة.

وفي حال استمرّ الحال كذلك، ولم تنعكس المدوّنة المعاصرة للغة العربية في معاجمنا الحديثة -التي يجب أن تكون إلكترونية بالضرورة- فنحن أمام ذبيحة لغويّة حقيقية ونزيف معجميّ، يُفقد عملية الترجمة باعتبارها عملية «احتكاك ألسن وثقافات» جدواها، ويرسّخ وضعية الهيمنة للغة الأجنبية، الإنجليزية تحديدًا، والتي صارت تعدّ لغة «أكّالة» على حد تعبير لوي جان كالفيه، صاحب كتاب «حرب اللغات والسياسات اللغوية»، تفرض ذاتها على حساب لغات أخرى «صغرى» غير قادرة على الإبداع، أو بالأحرى أهلها غير قادرين على الابتكار والتجديد.

وعند النظر إلى هذه القضيّة من نافذة الترجمة، نجد أن ما يُهمل في الترجمة، إنّما يحدث أحيانًا كثيرة اتقاءً لشرور السلطة اللغوية والثقافية والسياسية المهيمنة، وابتغاء لرضا قارئ معياري متخيّل، وتفضيل إنتاج نص «شفاف» سلس القراءة ملتزم بالشائع المكرَّس من الألفاظ والعبارات والأساليب، بما يتفق مع توقعات القارئ في اللغة الهدف.

يرى بعض منظري الترجمة أن عملية توطين النص المترجم في سياق الترجمة من لغات الأطراف إلى اللغات المهيمنة تسعى إلى انتهاك ذلك النص والاستيلاء عليه انطلاقًا باستبطان فوقيّة ثقافيّة وحضاريّة، تروم ترويض الآخر «المجهول». في المقابل، فإن هذه الممارسة ذاتها في السياق العربي، رغم تباين المنطلقات، يحرم الترجمة من إمكانات التجديد والاستفادة من المنتج الحضاري للآخر بما يقلقل البداهات ويسائل أنظمة المعنى السائدة عربيًا ويسهم في تعزيز ثقافة الاختلاف والحوار محليًا.

إنّ للمترجم أصالة خاصّة، كما يقول الفيلسوف الفرنسي موريس بلانشو، فهو على حدّ تعبيره «سيد الاختفاء بين اللغات»، ولكن خفّة المترجم هذه، أو هذا الاختفاء، يجب أن لا يؤدي إلى «محو» مظاهر الاختلاف والتخلص منها، وإنما إلى استعماله بما يوقظ الإمكانات الهائلة للغة المترجم إليها، لتكون الترجمة أداة تجييش لقيم التحرر والمساواة والعدالة، وتشكيل خطاب جديد مضادّ للاستبداد وغير معادٍ للحريّة والديمقراطية، فتكون الترجمة بذلك، بالفعل، أداة مؤثرة في الثقافة والاجتماع والسياسة.

كيف يحولنا الوعي إلى جبناء؟

ترجمتُ مؤخرًا مجموعة قصصية للكاتبة الأمريكية من أصول كوبية، بعنوان «جسدها وحفلات أخرى» (Her Body and Other Parties). تتألف المجموعة من ثماني قصص، فيها صوت نسوي جديد، كويري جدًا، تجريبي وشخصي، بين النسوية والعلاقات المثلية النسائية والرعب والعنف والدستوبيا، ومحنة الوجود البشري عمومًا. القصص مليئة بالإحالات للأدب النسوي والفلكلور الشعبي والأساطير والسينما والتلفزيون، وتعمل فيها الكاتبة على تطويع الأنواع الأدبية في قصصها بالاستفادة من ذلك كله، في قصص بين الواقع والخيال، لم أقاوم إغراء ترجمتها، منذ أن قرأت القصّة الأولى وكانت بعنوان «غرزة الزوج» «The Husband’s Stitch».

المعضلة في ترجمة هذه المجموعة كانت من أربعة أوجه: أنها قصص قصيرة، ودور النشر العربيّة لا تفضلها لأنها لا تبيع مثل الرواية المترجمة، والثاني أنّ القصص لكاتبة أنثى شابّة في باكورة أعمالها المطبوعة، والثالثة أنّ القصص مترعة بالتابوهات، لا سيما في موضوعات العلاقات الأسرية غير التقليدية والمثلية الجنسية والإيروتيكية، والوجه الرابع وربما الأهم، أني رجل، أمام تحدّ بدا مستحيلًا في البداية للولوج إلى العوالم الداخلية لبطلات القصص، وخوف من الفشل في لفت الانتباه إلى العنف المستمر الذي تتعرض له المرأة في مختلف المجتمعات.

أثناء ترجمة القصص، بدا لي، من بين أشياء عديدة أخرى، أن ثمة ما يضيع، ليس فقط بسبب طبيعة اللغتين التي يناور بينهما المترجم، ولكن بسبب النماذج المهيمنة التي يحاول، عبثًا أحيانًا، التملص منها، بين دهاليز الرقابة والرقابة الذاتية في ظل حالة متردّية من حريّة التعبير في العالم العربي. وقد حوّلني هذا الوعي، والهاجس، أو كاد، إلى مترجم جبان، وذكرني بما قاله هاملت «هكذا يحوّلنا الوعي جميعًا إلى جبناء!». فواجهت، للمرّة الأولى فعليًا، إشكال الرقابة الذاتية وسؤال الفلترة «الأخلاقية» و«اللغوية»، إما خوفًا من الرقيب الاجتماعي، والذي بات بعبعًا تضاعف خطره مع وسائل التواصل الاجتماعي، أو الرقيب الرسمي، والذي يستطيع بتجييش الرقيب الأول الإضرار بالمترجم/الكاتب وتشويه سمعته، ومصادرة الكتب وملاحقة مؤلفها وناشرها قانونيًا، ما يقيّد إمكانات الكتابة والترجمة، وبالتحديد دورها في تطوير اللغة.

هنا تصبح الثقافة المُهيمنة نفسها، وإمكانية رضوخ المترجم لها، هي ما يعيق الاستفادة القصوى من اللغة والابتكار فيها، وهي المسألة الأكثر تأثيرًا على نجاعة عمل المترجم/المترجمة، بوصفه الشخص المطلع على الثقافة المترجم منها، أو على الأقل أقدر على البحث والتنقيب فيها بحكم وظيفته كوسيط ثقافي، لكن هذه الوظيفة والإمكان تفقد جدواها لو ألفى المترجم نفسه مجرد ناقل لسلسلة أحداث من لغة إلى أخرى، مستثنيًا من نصّه أي علامات فارقة قد تشكّل إزعاجًا للقارئ ضمن نماذجه أو سلطته المهيمنة والسائدة. ففي حين قد تكون الترجمة في هذه الحالة ناجحة بإنتاجها لنص قابل للقراءة، إلا أنها ستخفق في إنتاجها نصًا ناقلًا للثقافة، وكاشفًا للاختلاف.

  • الهوامش

    [1] انظر/ي كتابه «اختفاء المترجم» الذي صدرت ترجمته عن الهيئة العامة المصرية للكتاب بترجمة سمر طلبة ومراجعة محمد عناني، وكتابه «فضائح الترجمة» الصادرة ترجمته عن المركز القومي للترجمة، بترجمة عبد المقصود عبد الكريم.

    [2] حمزة، حسن (2013) الترجمة وتطوير العربية: الوجه والقفا، تبين للدراسات الفكرية والثقافية، العدد 6، صفحة 10.

    [3] أي الفترة الزمنية التي يمكن لعالم اللغة أو المعجمي الاعتماد على ما روي عن أهلها العرب، في أماكن معيّنة، لإثبات قاعدة نحوية أو تركيب لغوي أو لفظ ما. وينتهي هذا العصر عند كثيرين مع نهاية القرن الثاني الهجري.

    [4] حمزة، حسن (2013) المعجم العربي وهوية الأمة، تبين للدراسات الفكرية والثقافية، المجلد الأول، العدد 1، صفحة 66.

    [5] حمزة، حسن (2013) المعجم العربي وهوية الأمة، تبين للدراسات الفكرية والثقافية، المجلد الأول، العدد 1، صفحة 74.