أبعد من مسلسل تلفزيوني: التطبيع في دراما رمضان وتحولات المجتمع السعودي

سعودي يشاهد أحد أكثر الأعمال الدرامية السعودية الرمضانية شهرةً «طاش ما طاش» في مدينة جدة 2010. تصوير عامرحلبي. أ ف ب

أبعد من مسلسل تلفزيوني: التطبيع في دراما رمضان وتحولات المجتمع السعودي

الثلاثاء 19 أيار 2020

شهدتْ بداية موسم رمضان هذا العام، جدلًا واسعًا أثاره عرض قناة (MBC) السعوديّة لعملين دراميين خليجيّين، عدّهما الكثير من المُراقبين، استمرارًا لمسلسل سياسيّ أكبر عنوانه تسارع وتيرة التطبيع السعوديّ الإسرائيليّ. بالنسبة للكثيرين، لم تكن مُقاربة تاريخ اليهود في منطقة الخليج العربيّ، كما برز في مسلسل «أم هارون»، أو تمرير رسائل سياسيّة مُبطّنة عن نكران الفلسطينيين للجميل السعوديّ، كما جرى في أحد حوارات مسلسل «مَخرج 7»، مُصادفة خارج السياق. ما رسّخ هذه القناعة هو حقيقة أنّ عرض المُسلسلين سبقه بأيّام قليلة فقط، إطلاق حملة كراهية غير مسبوقة على يد موظفي النظام السعوديّ في موقع تويتر تحت وسم «فلسطين ليست قضيّتي»، وهو الوسم الذي سرعان ما أطلق حربًا كلاميّة بين المُغرّدين الفلسطينيين والسعوديين، لا تزال آثارها وردود الفعل عليها قائمة حتّى اللحظة. 

كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ ولماذا تُعتبر أعمال (MBC) الأخيرة دالة في مُعادلة التغيّرات الأعمق في السعوديّة والعالم العربيّ؟ سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال الكتابة عن الدولة الوطنيّة الحديثة ومشروعها وعن تلفزيونها وإذاعتها، وعن علاقة السلطة بالدراما في السياق العربيّ، وذلك بعد إلقاء إطلالة مُتواضعة على جانبٍ من تاريخ التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة في المملكة والمآزق الهوياتيّة التي رافقتها، وعلى التأثيرات التي فرضتها هذه التحوّلات على المشهد الثقافيّ والفنّي هناك وسبر معاني واتجاهات تلك التأثيرات في السياق السعوديّ قبل أن تتمظهر عربيًّا على شاشة يُشاهدها الملايين. 

السلطة والدراما في السياق العربيّ

ينبغي التشديد بداية على أنّ مُنتجات الدراما المُختلفة والمُنتجات الفنيّة عموما من مسرحٍ وسينما وموسيقى هي بنتُ واقعها الاجتماعيّ والسياسيّ، وبنت التجربة التاريخيّة للبلد الذي تُنتج فيه قبل كلّ شيء. لقد لعبت الطباعة الرأسماليّة قبل ما يزيد عن قرنين من الآن، دورًا مركزيًّا في صياغة الهويّات القوميّة الحديثة في أوروبا، من خلال خلق عوالم متخيّلة واضحة الحدود يتشارك فيها الناس لغةً ومشاعر واحدة، ويطوّرون عبرها وعيهم بكينونتهم كجماعة موحدة مُتمايزة عن الآخر الغريب. ولاحقًا، جاء انتشار مؤسسات التعليم الحديث والجيوش النظاميّة وبزوغ وسائط التواصل الجماهيريّ من صحافة وإذاعة وتلفزيون، ليستكمل هذه العمليّة التاريخيّة، ويمنح الدولة القوميّة قنواتٍ جديدة لصياغة الوعي القوميّ وإعادة إنتاج الأساطير الوطنيّة وصياغة مضمون التطلّعات الشعبيّة وتشكيل الذاكرة الجمعيّة. 

لم تكن عبارة «هُنا القاهرة» مُجرّد استهلالٍ لافتتاح برنامج البث بقدر ما كانت مقولة تتكثّف فيها كلّ المعاني السياسيّة المُرتبطة بالمشروع القوميّ الناصريّ. 

في غالبيّة أقطار العالم العربيّ، انبثقتْ الدولة الوطنيّة الحديثة ومؤسساتها المُختلفة من ديناميّة التدخّل الاستعماريّ الأجنبيّ وتقسيمه للمنطقة، وكرد فعلٍ عليها في الوقت نفسه. وبالنظر لتخلّف البنية التحتيّة والافتقار لوسائل المواصلات الحديثة التي يُمكن لها وصل أجزاء الشتات الوطنيّ وإدماجها معًا، خاصّة في السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الاستعمار، فقد مثّلتْ المُبتكرات الحداثيّة الغربيّة من راديو وتلفزيون، منصّة مُلائمة للغاية للنخب الدولتيّة العربيّة من أجل صياغة الخطابات والسرديّات الوطنيّة الجامعة والوصول إلى أكبر عددٍ ممكن من الجماهير، ولبثّ إعلانات التجنيد الإلزاميّ والتعبئة العامّة، ناهيك عن الترويج للمشروعات الأيدولوجيّة العابرة للحدود القطريّة. في ذلك الزمن مثلًا، لم تكن عبارة «هُنا القاهرة» مُجرّد استهلالٍ لافتتاح برنامج البث بقدر ما كانت مقولة تتكثّف فيها كلّ المعاني السياسيّة المُرتبطة بالمشروع القوميّ الناصريّ. 

ومع تعمّق الميل الاستبداديّ للدولة الوطنيّة، سرعان ما اكتسبت تلك المُبتكرات أهميّة أكبر، وأصبحت دُورُ الإذاعة والتلفزيون تُعامَلُ كحصونٍ منيعة للسلطة، تحرسها الدبابات ومفارز العسس، وتتوازى رمزيّتها وسطوتها الماديّة مع رمزيّة وسطوة القصور الجمهوريّة، بالنظر لهيمنة متلازمة «البيان رقم 1» على أجواء النشاط السياسيّ والعمل العام. وبموازاة ذلك، فقد أضحى الراديو والتلفزيون الأداة المُثلى للترويج لأنماط عيشٍ وتوجّهاتٍ ثقافيّة وفنيّة وصيغٍ لغويّة بعينها، ومجالًا حيويًّا لإنتاج الخطابات والصور عن الثقافة الشعبيّة والفلوكلور الغنائيّ ولإعادة تخيّل العلاقة بين المدينة والريف. ليس هذا فحسب، بل أداة لحجب المُعارضين ومعاقبتهم والتشهير بالمنشقّين وأعداء الوطن، والإعلان عن تواريخ جديدة في حياة الأمّة والشعب. في شباط/ فبراير 1963، اقتاد الانقلابيّون القوميّون والبعثيّون الرئيس العراقيّ عبد الكريم قاسم إلى دار الإذاعة ببغداد وأعدموه قبل أن يعرضوا جثّته المُضرجة بالدماء على شاشة التلفزيون مُعلنين للجماهير بزوغ حقبة جديدة في تاريخ بلدهم. 

إلا أنّ العلاقة العضويّة التي نشأت بين الدولة الوطنيّة وأجهزة البثّ المرئي والمسموع بكلّ مُنتجاتها الفنيّة والدراميّة والخطابيّة، لا يجب أن تمنعنا من التشديد على حقيقة أنّ الحيّز الثقافيّ الذي تُصاغ فيه هذه المُنتجات قد يتمتّع بمنطقٍ داخليّ خاصٍ به، وبمقدارٍ ما من الاستقلاليّة يزيد أو ينقص تبعًا للتغيّر في سياق البلد وطبيعة النظام السياسيّ الذي يعمل في ظلاله. بهذا المعنى، يُمثّل هذا الحيّز الثقافيّ مرآة عاكسة للصراعات والرهانات السياسيّة القائمة فعلًا لدى السلطة والمجتمع، ليس هذا فحسب، بل إنّ هذا الحيّز يبقى بذاته مضمارًا نموذجيًّا للصراع بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المُختلفين في سعيهم للحصول على أدواتٍ جديدة للهيمنة الفكريّة والاحتواء السياسيّ. 

في سوريا البعثيّة مثلًا، لعبت الدراما والمسرح والسينما منذ أواخر السبعينيّات وبداية الثمانينيّات -كما تجسّد في عُروض دريد لحّام الجماهيريّة وسلسلة «مرايا» لياسر العظمة على سبيل المثال- دورًا مُهمًّا إلى جانب القمع الماديّ، كمجالٍ لتنفيس المُعارضة في اتّجاهاتٍ «آمنة» في ضوء تبعات الصراع المُسلّح بين السلطة والإخوان المسلمين واحتقان الجو العام. في منتصف التسعينيّات، حين أصبحت رائحة الفساد والرُشى تزكم الأنوف، خرج إلى النور مسلسل «يوميّات مدير عام»، الذي مثّل في حينه علامة فارقة على الهامش الذي سمحت السلطة من خلاله لأوّل مرّة، بتناول مشكلات الجهاز البيروقراطيّ بمستوى جديد من الجرأة النقديّة، ربما نتيجة للضغط الفكريّ الهائل الذي ولّده انهيار المنظومة السوفييتيّة ونموذجها. 

في مقابل ذلك، كان التشديد الدائم من قِبل السلطة هناك على الشعارات العروبيّة وارتكازها إلى نظامٍ اقتصاديّ توزيعيّ مُحابٍ نسبيًّا للطبقات الفقيرة والمتوسّطة، يسمح بتبلور طبقة وسطى مُرتبطة بالدولة وقاعدة ماديّة لإنتاج دراما مُلتزمة بالمعنى السياسيّ، وتقدميّة في مقاربتها للهموم الاجتماعيّة ومشوّقة في مُعالجاتها التاريخيّة، وفي الواقع، كان هذا هو الحال في بلدانٍ كالعراق والأردن وحتّى في بعض بلدان الخليج. وحين تخلّت الأنظمة هناك عن برنامجها الاجتماعيّ وعن الاستثمار في المجالات الحيويّة كالتعليم والثقافة والنشر، أضحت المُعالجات الدراميّة وبرامج التسلية والكوميديا بل وحتّى برامج الأطفال أكثر تسطيحًا وابتذالًا وسخافة، والذين يستدعون نوستالجيا الثمانينيّات والتسعينيّات في مواجهة «الردّة الدراميّة» اليوم، ويتساءلون عن كيف انتقلت الممثلة الكويتيّة حياة الفهد من «خالتي قماشة» إلى «أم هارون»، ربما يجدون بعضًا من الأجوبة في هذا الرابط بالذات، أي في علاقة الاجتماعيّ والاقتصاديّ الفنيّ.

السعوديّة الحديثة .. إشكاليّاتٌ تأسيسيّة

في الحالة السعوديّة، تبدو المسألة مُغايرة تمامًا في الكثير من جوانبها البنيويّة. لم تتأسّس الدولة الحديثة هناك على سرديّة مُكافحة الاستعمار التي صبغت تجربة دول ما بعد الاستقلال الوطنيّة في بقيّة أرجاء العالم العربيّ. نشأ التحالف الدينيّ السياسيّ الذي انبثقتْ منه الدُول السعوديّة الثلاث منذ منتصف القرن الثامن عشر في قلب نجد، بعيدًا عن التأثيرات المُباشرة والعينيّة للاستعمار الأجنبيّ. لهذه الأسباب وغيرها، لم ينشأ في السعوديّة وعيٌ وطنيٌ وأيدولوجيا تحرريّة. ورغم أنّ الاستعمار ربط مشيخات الخليج منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بمجموعة من اتفاقيّات الحماية، إلا أنّه لم يُشيّد -كما جرى في المشرق بالذات- مؤسسات دولة وتعليمٍ حديثة يُمكن لها أن تُنتج طبقة مُثقفين حداثيين ينشطون في مجال النشر والصحافة والفنون والتربية و«يخترعون» وطنيّة خاصّة بالتجربة التاريخيّة لبلدهم. 

على العكس من ذلك، تأسست السعوديّة الحديثة على أساس حقٍ عائلي، صاغه الملك عبدالعزيز آل سعود عبر شعاره الشهير «استرداد مُلك الآباء والأجداد». وقد استند هذا الحقّ إلى قوّتين رئيسيتين. تمثّلت الأولى في العقيدة الوهابيّة التي فُرضت على المجتمع من أعلى كأيدولوجيا إقصائيّة تُشدّد على الالتزام بمدوّنة سلوكٍ وعبادةٍ سلفيّة، وترفض بشكلٍ قاطعٍ طقوس الإسلام الشعبيّ وكلّ بدع الحداثة. أما القوّة الثانية فتمثّلت في جيش «الإخوان»، وهم كناية عن مجموعاتٍ بدويّة جرت عمليّة «تمدينهم» من خلال توطينهم في «هُجر» هي أقرب للمستوطنات الزراعيّة قبل حقنهم بالأفكار الوهابيّة على يد مُصلحين دينيين، وقد شكّلوا القوّة الضاربة التي ساعدت ابن سعود على ضمّ إمارة آل الرشيد من شمّر في حائل شمالًا، ثمّ في الاستحواذ على مدن الحجاز التي كان يحكمها الأشراف من آل عون غربًا.[1] لهذا كلّه، افتقرت البلاد منذ انتهاء عمليّة «توحيدها» وإعلانها مملكة مطلع الثلاثينيّات من القرن الماضي لنُخبٍ وطنيّة وجيشٍ حديثٍ ومؤسسات دولة. وبمعنى آخر، فقد حملت الدولة السعوديّة الثالثة في حضنها أزمة هويّة عميقة منذ ولادتها. 

عندما توفي الملك المؤسس وحلّ مكانه ابنه سعود عام 1953، كانت المنطقة العربيّة تغلي بالحركات التحرريّة القوميّة، وكان خطاب تحرير فلسطين وقتال الصهيونيّة والقوى الاستعماريّة يستحوذ بالكامل على الوجدان العربيّ. وقد ترافق ذلك مع تطوّر الصناعة النفطيّة في المملكة وبدايات إدماجها في نظام الطاقة العالميّ، فوجدت السعوديّة نفسها تحت نيران الحملات الإعلاميّة من القاهرة بوصفها نظامًا رجعيًّا مُتحالفًا مع الغرب. وقد بدأت الأفكار القوميّة والاشتراكيّة بالتسرب إلى أرض الحرمين، إمّا من خلال الدعاية الإذاعيّة الناصريّة، أو من خلال الطلاب السعوديين العائدين من دراستهم في بغداد وبيروت والقاهرة، أو عبر الموظّفين العرب الذين استقدمتهم المملكة لملء الشواغر الكثيرة في السلك البيروقراطيّ الناشئ حديثًا. وسرعان ما وجدت الأفكار القوميّة تعبيراتها السياسيّة محليًّا على هيئة إضراباتٍ لعمّال شركة الزيت العربيّة الأمريكيّة (أرامكو) في المنطقة الشرقيّة، وفي تبلور تيّاراتٍ سياسيّة متأثّرة بأيدولوجيا البعث والناصريّة والماركسيّة من بينها حزبٌ شيوعيّ، وصولًا إلى حدّ اختراق العائلة المالكة نفسها مع تأسيس الأمير طلال بن عبد العزيز مجموعة «الأمراء الأحرار» الذين دعموا لفترة قصيرة تطبيق مبدأ الملكيّة الدستوريّة.[2] وقد وجدت الأسرة الحاكمة نفسها تحت ضغطٍ هائلٍ من أجل القيام بإصلاحاتٍ سياسيّة واجتماعيّة، فتشكّلت أولى حكومات السعوديّة عام 1960 وكانت حكومة قوميّة يساريّة إلى حدٍ بعيد، وكُتبت في ذلك الوقت مسودّة لأول نظامٍ أساسيّ.[3] جرت كلّ هذه التطوّرات الكبيرة في ظلّ خلافٍ بين الملك سعود وشقيقه فيصل الذي كان مُتحفّظًا هو وجناحٌ من العائلة المالكة على الإصلاحات المُزمعة وعلى تعمّق الاتجاهات القوميّة في المملكة، وقد انتهى الخلاف بين الشقيقين لصالح الأخير في نهاية المطاف بعد أن عزلت العائلة الملك سعود من منصبه. 

كانت تلك الفترة بالذات، الفترة التي تعرّف فيها جزءٌ من السعوديين، وتحديدًا أولئك القاطنين في المنطقة الشرقيّة، لأوّل مرّة، على التلفزيون والأعمال الدراميّة وبرامج التسلية. فبالنظر لتصاعد احتجاجات العمّال في المنطقة النفطيّة على ممارسات شركة «أرامكو» التمييزيّة التي تضمّنت حرمانهم من مساكن وأجور لائقة وعرقلة فرص ترقيهم الوظيفي، اضطرت الشركة للقيام بحملة علاقاتٍ عامّة من أجل امتصاص غضب العمّال. وقد عمدتْ «أرامكو» إلى استغلال البثّ المرئيّ الذي بدأه الجيش الأمريكيّ في قاعدة الظهران العسكريّة عام 1955 للترفيه عن جنوده تحت اسم «عين الصقر» من أجل عرض أفلامٍ مُترجمة للعمّال في مرافق خُصّصت لهذا الشأن وذلك بغية إشغالهم عن القيام بإضراباتٍ جديدة وإبعادهم عن تأثيرات إذاعة «صوت العرب» التي تبثّ من القاهرة، وذلك قبل أن تبدأ الشركة بنفسها أوّل بثّ تلفزيونيّ في المملكة تحت اسم «قناة الظهران» عام 1957، وهي القناة التي قدّمت من خلالها، بالإضافة للبرامج العلميّة والثقافيّة المنوّعة، دروسًا تعليميّة لطلاب المدارس.[4]

عندما تسنّم الملك فيصل السلطة مطلع الستينيّات، وجد نفسه أمام مشهدٍ مشحونٍ للغاية. فقد أطاح ضبّاط قوميّون مدعومون مصريًّا عام 1962 بنظام الملكيّة الإماميّة في اليمن، مُطلقين حرب وكالة بين القاهرة والرياض في الحديقة الخلفيّة للأخيرة. وقد استمرّ تصاعد الحمى القوميّة في السعوديّة في ضوء هذه التطورات، واكتشف النظام هناك أنّ عمليّة تحديث الجيش لبناء قوّة عسكريّة تُعينه على مواجهة التحديات الإقليميّة الجديدة، ينطوي بحدّ ذاته على رهاناتٍ خطرة للغاية، إذ أبدت أعدادٌ متزايدة من الضبّاط والطيارين السعوديين ميولًا للتوجهات الناصريّة، بل إنّ بعضهم انشقّ عن الجيش طالبًا اللجوء في القاهرة (بالإضافة إلى العوامل البنيويّة التي سبق ذكرها، فإنّ هذه التطوّرات تُفسّر لماذا كان الجيش في السعوديّة تاريخيًّا مؤسسة ضعيفة، ولماذا وُجّه الدعم والاهتمام والتسليح لمؤسسة «الحرس الوطنيّ» التي نشأت لجمع أبناء القبائل الذين حارب آباؤهم وأجدادهم مع «جيش الإخوان» أيّام الملك المؤسس، في تشكيلٍ عسكريّ جديد).

أدرك الملك فيصل أنّ تمدد الاتجاهات التقدميّة في العالم العربي والنظرة التي خلقتها إزاء السعوديّة كبلدٍ رجعيّ، يفرض عليه أن يُقدّم نموذجه التحديثي الخاص، لكن دون أن ينطوي هذا النموذج على تحوّلاتٍ راديكاليّة كتلك التي طُرحت في عهد الملك سعود.

أدرك الملك فيصل أنّ تمدد الاتجاهات التقدميّة في العالم العربي والنظرة التي خلقتها إزاء السعوديّة كبلدٍ رجعيّ، يفرض عليه أن يُقدّم نموذجه التحديثي الخاص، لكن دون أن ينطوي هذا النموذج على تحوّلاتٍ راديكاليّة كتلك التي طُرحت في عهد الملك سعود. ولذلك، فقد شجّع مع الوقت ظهور طبقة وسطى جديدة من التكنوقراط السعوديين، عبر التوسّع في التعليم وبعثات الدراسة والتدريب في الخارج. كما عمل على استمالة ودمج العناصر ذات التوجّه القوميّ، والتي لا تُشكّل خطرًا على النظام، في المؤسسات البيروقراطيّة، مانحًا إياها فرصًا مثاليّة للترقي الاجتماعيّ السريع، في مقابل زجّ الناشطين الأكثر خطورة في السجن[5] لكن، من جانبٍ آخر، فهم الملك أنّ مواجهته للناصريّة تتطلّب أن يجري هذا التحديث في «إطارٍ إسلاميّ»، وأن يستفيد من أجواء الحرب الباردة والرعاية الأمريكيّة لمواجهة اليساريين والقوميين في معركة كسب العقول والقلوب. ولمّا كان هذا التوجّه يتطلّب طبقة وسطى عمادها الكوادر المُؤدلجون، وهو الأمر الذي كانت تفتقر إليه المملكة في ذلك الوقت، فقد اُستوردت هذه الطبقة من الخارج بالمعنى الحرفيّ للكلمة: فُتحت أبواب السعوديّة على مصراعيها للإسلاميين العرب الهاربين من بطش وتضييق الأنظمة الجمهوريّة وأُوكلت إليهم مهمّة بناء مداميك الهيمنة الثقافيّة للنظام الجديد وذلك من خلال اضطلاعهم بصياغة مناهج التربية والتعليم وسياسات أجهزة النشر والإعلام، ومدّ الجسور بين مبادئ الوهابيّة وأفكار الإسلام السياسيّ كما صاغها الإخوان المسلمون (لعب محمّد قطب، شقيق الإسلاميّ الحركيّ الأشهر سيّد قطب، دورًا مركزيًّا في هذه العمليّة). وقد ضمنت هذه الديناميّة للإخوان التمدّد في كلّ مراكز الدولة ومؤسساتها. وعلاوة على ذلك، فقد أضفى توثيق النظام الجديد للتحالف مع المؤسسة الدينيّة الوهابيّة ومَنحِها حيّز عملٍ مُستقلٍ نسبيًّا، ودعمها بموارد ماليّة كبيرة للإنفاق على شبكة عالميّة للدعاية، معانٍ جديدة لهذه السبيكة الاجتماعيّة الفكريّة البازغة. إلا أنّ خلق تعايش بين طبقتين بمنظورين مُختلفين للعالم والقيم لم يكن أمرًا سهلًا، وكان ينطوي على تناقضاتٍ ورهاناتٍ صعبة، وهي تناقضاتٌ ستظهر لاحقًا إلى السطح وسيكون لها تأثيراتٌ عميقة على المشهد السعوديّ الداخليّ. في العام 1965، عندما أطلق الملك مشروع أوّل شبكة تلفزة سعوديّة رسميّة، خرجت مُظاهراتٌ غاضبة مُحاولة اقتحام مقرّ التلفزيون رفضًا لهذا التوجّه التغريبي، وقد قُتل على إثر الحادث أحد الأمراء على يد رجال الشرطة.[6] بعد عشر سنوات، سيقوم شقيق الأمير المقتول باغتيال الملك فيصل. 

إذا كان المؤرّخون يعتبرون إنجاز عمليّة «توحيد» المملكة على يد الملك عبد العزيز مطلع الثلاثينيّات «التأسيس الثالث» للدولة السعوديّة ويتوقفون عنده، فإنني أجادل بأنّ المملكة شهدت مع فيصل «تأسيسًا رابعًا»، إذ أُزيلت إلى حدّ ما ملامح التشوّش الهويّاتيّ التي وسمت مرحلة التأسيس الثالث وما تبعها، ومُحضت السعوديّة عبر السياسة الفيصليّة، هويّة جديدة قائمة على توزيعٍ متوازنٍ للسلطة على أبناء الملك المؤسس، وعلى توجّه محافظٍ اجتماعيًّا وسياسيًّا على المستوى الداخليّ، إلى جانب سياسة «معتدلة» ومناوئة للناصريّة، ميّالة للتحالف مع الغرب على المستوى الإقليميّ، مع ضربٍ من «الأمميّة الإسلاميّة» على المستوى الدوليّ. وقد وجدت هذه الأمميّة تعبيرها العمليّ في المنظمات العالميّة مثل «رابطة العالم الإسلاميّ» و «منظمة التعاون الإسلاميّ» في الستينيّات والسبعينيّات، ثمّ في دعم حركة الجهاد الأفغانيّ ضدّ الشيوعيين في الثمانينيّات. وبالإمكان القول أنّ الكثير من ملامح هذه الهويّة وانحيازاتها ظلّت مُتماسكة، وكانت تُمثّل القاعدة لسياسات السعوديّة حتى بعد أكثر من عقدين من وفاة الملك فيصل عام 1975، مرتكزة بالطبع على استثمارٍ سياسيّ هائل لعوائد النفط والأماكن الإسلاميّة المُقدّسة، فيما يُمكن تسميته بشرعيّة الكعبة والبترول. 

أتاحت سياسة التحديث في عهد فيصل، بالرغم من ذلك، نشوء هامشٍ ثقافيّ محدود، لكن مُنفتح نسبيًّا، عبّر عن نفسه في انتشار دُور المسرح والسينما والإنتاج الصوتيّ والفرق الموسيقيّة التي وجدتْ مُتنفسًا لها في برامج الإذاعة والسهرات التلفزيونيّة، والتي مدّت وشائج التواصل مع المراكز الفنيّة في القاهرة وبيروت وحلب. وقد تشكّلت في قلب هذا الهامش «جماعة فنيّة» ميّزها حضورٌ نسائيّ بارز، ارتكزت بشكلٍ رئيسيّ على المُطربين والمُلحنين والشعراء الغنائيين الحجازيين من أمثال طلال مدّاح، سراج عمر، فوزي محسون، عمر كدرس، ابتسام لطفي، ثريا قابل وإبراهيم خفاجي، وهي المجموعة التي أعادت اكتشاف ثيمات الغناء والفلوكلور الشعبيّ وضروب الإيقاعات المميّزة الضاربة في عمق تاريخ الجزيرة العربيّة، وقدّمتها في أعمالٍ ساحرةٍ وخالدة على مستوى اللحن والكلمة، مُشكّلة ذاكرة سمعيّة ثريّة لأجيالٍ مُختلفة من السعوديين. كما استطاعت هذه الجماعة مواكبة التطوّرات الفنيّة في العالم العربيّ كما تجسّد في صعود تيار «الرومانسيّة الجديدة» في القاهرة في أعقاب نكسة عام 1967، لتقدّم أغنيات عاطفيّة راقية بسماتٍ وكلماتٍ محليّة ومصريّة على السواء (لا نعرف الكثير عن المنتجات الدراميّة لتلك الحقبة بسبب ضعف حركة التأريخ الفنّي والثقافي السعوديّة إجمالًا).

لكنّ هذا الهامش ضاق في النهاية بتمدّد التأثيرات الهائلة لحركة الصحوة الإسلاميّة على الثقافة والمجتمع. وقد رأت أقطاب المؤسسة الدينيّة الوهابيّة والإسلاميّون السعوديّون الذين أحكموا سيطرتهم على الكثير من المؤسسات وعلى رأسها مؤسسات التعليم، أنّ حركة التحديث كانت تسير بسرعة تُهدّد معها القيم المُحافظة الراسخة، وخاصّة في ظلّ طفرة أسعار النفط في منتصف السبعينيّات، والتي أتاحت استيراد نمط حياة استهلاكيّ مُتغربن، وفتحت الباب للسعوديين لاكتشاف عالم الرحلات السياحيّة إلى لندن وباريس وجنيف، بكلّ ما تنطوي عليه هذه الممارسة من قيمٍ ومعانٍ جديدة. وقد وصلت التأثيرات الإسلامويّة ذروتها في سيطرة جماعة جُهيمان العُتيبي على الحرم المكّي عام 1979، وهي الجماعة التي أدانت بأشدّ عبارات الإدانة نمط العيش الغربيّ وظهور النساء في التلفزيون وانغماس أفراد الأسرة الحاكمة في ملذّات الحياة الباذخة. كان مُقدّرًا لهذه الحادثة -التي شاءت الأقدار التاريخيّة أن تتزامن مع زلزال الثورة الإسلاميّة في إيران- أن تُطلق موجة صادمة وكثيفة من التديّن والمحافظة. موجة اكتسحت المزيد من الفضاءات العامّة المُمكنة، وكان من أوضح تجلياتها فرض قيودٍ مُشدّدة على ظهور المرأة في التلفزيون، وزيادة الجرعة الدينيّة في برامجه ونشوء مناخٍ أكثر عدائيّة للإنتاج الفنّي والثقافيّ المُتحرّر. ورغم أن الكثير من المُراقبين يميلون لاعتبار حادثة جُهيمان بداية التأريخ للصحوة وسطوتها، إلا أنّ الواقع يقول بأنّ الحادثة كانت الذروة في مسارٍ مُتصاعد بدأت بذوره في سياسات الملك فيصل قبل ما يزيد عن عقدٍ من السيطرة على الحرم، فـ«الجماعة السلفيّة المُحتسبة» التي خرج منها جُهيمان وصحبه بدأت نشاطها أواسط الستينيّات وحصلت على التزكية من أحد أعمدة المؤسسة الدينيّة الوهابيّة الشيخ ابن باز الذي مَهَرَ بتوقيعه وثيقتها التأسيسيّة.[7] 

لقد كان على حركة الحداثة السعوديّة أن تبحث عن هوامش جديدة لتُعبّر من خلالها عن نفسها وعن صراعاتها خلال عقد الثمانينيّات الذي سيطرت عليه الأطياف الكثيفة لجُهيمان العُتيبيّ وحمّى دعم الجهاد الأفغانيّ.

لقد كان على حركة الحداثة السعوديّة أن تبحث عن هوامش جديدة لتُعبّر من خلالها عن نفسها وعن صراعاتها خلال عقد الثمانينيّات الذي سيطرت عليه الأطياف الكثيفة لجُهيمان العُتيبيّ وحمّى دعم الجهاد الأفغانيّ. صحيحٌ أنّ النظام السعوديّ وجد نفسه مُجبرًا على مسايرة رجال الدين ونشطاء الصحوة وإطلاق يدهم في الحيّز العالم نتيجة لحادث الحرم، إلا أنّ الطبقة الوسطى التي أفرزتها سياسات التحديث وطفرة أسعار النفط، والتي اعتادت على نمط حياةٍ مُتحرّر نسبيًّا، كانت تُشكّل أيضًا ضغطًا على هذا الحيّز، مُحاولة التفلّت من قيوده الجديدة. وقد سهّلت بعض المبتكرات التكنولوجيّة الحديثة عليها هذه المهمّة بنفس المقدار الذي منحتْ فيه لخصومها أدواتٍ جديدة للتعبئة. ففي مواجهة تكثيف الجرعة الدينيّة في التلفزيون وإغلاق دور السينما، وجدت محلات أشرطة الفيديو المُسجّلة ازدهارًا كبيرًا، وباتت عنوانًا للشباب الباحث عن التسلية والمتعة التي لا تحدّها قيود المجتمع. وفي مقابل ذلك، بدأ الدعاة السلفيّون وناشطو الصحوة باستخدام الكاسيت (ربما بتأثير الإمام الخمينيّ الذي كان الملك المتوّج لهذا الحقل) لبثّ ونشر خطبهم الدينيّة على نطاقٍ أوسع، تحديدًا في أوساط الشباب. وفي موازاة ذلك كلّه، فقد شهدت الثمانينيّات ازدهارًا في نشاط النوادي الأدبيّة في المُدن والجامعات، كما ازدهرت حركة الملاحق الثقافيّة في الصحف، وانتقل جانبٌ من الجدل بين التيّار المُحافظ والتيار الليبراليّ، إلى حيّز النقد الأدبيّ، إذ شنّ الدعاة والصحفيّون وأساتذة الجامعات المُحافظون هجومًا عنيفًا على الحداثة الشعريّة وقصيدة النثر التي بدأت تلقى رواجًا أكبر في الأوساط الأدبيّة، وقد أصدر الداعية المعروف عوض القرني في نهاية الثمانينيّات كتابا قدّم له الشيخ ابن باز تحت اسم «الحداثة في ميزان الإسلام» كإسهامٍ في المعركة التي كانت مُشتعلة آنذاك على خلفيّة إصدار عبد الله الغذامي، أستاذ النقد الأدبيّ، كتابه «الخطيئة والتكفير».[8] بشكلٍ عام، يُمكن القول أنّ ذلك العقد قد شهد اختمار التيّارات التي ستصيغ خطابات ولغة الجدل الاجتماعيّ والسياسيّ خلال العقدين اللاحقين اللذين سيشهدان هزّات جديدة. 

تأسيسٌ سعوديّ خامس؟ 

هل نجرؤ على القول بأنّ ما تشهده السعوديّة اليوم هو ملامح «تأسيس خامس»؟ من المبكّر الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الحالي. علينا أوّلًا الإشارة إلى أنّ ما يبدو للوهلة الأولى سياسة «راديكاليّة» تتّخذها نخبة الحكم لتغيير وضعٍ اجتماعيّ أو اقتصاديّ ما -أو ما يُطلق عليه في الأدبيات الأكاديميّة «التحديث من أعلى»- قد لا يعدو أن يكون مُجرّد تظهيرٍ لتغيّرات قد أخذت مجراها الفعليّ منذ زمن طويلٍ نسبيًّا. وبعبارة أخرى، تأتي السياسة الجديدة هُنا لتُعطي دفعة لعربة مُتحركة فعلًا. من هذا المنظور، فإنّ جذور بعض السياسات التي تبنّاها وليّ العهد الجديد خلال السنوات الأخيرة، يُمكن رؤيتها في التحوّلات التي بدأت في السعوديّة منذ مطلع التسعينيّات. 

فقد أدّى قرار استدعاء القوّات الأمريكيّة لأرض الحرمين إبان حرب الخليج الثانية عام 1990 إلى إشعال فتيل حراكٍ سياسيّ واسع في الداخل السعوديّ. ماجت الساحة السياسيّة آنذاك بالانتقادات الموجّهة للنظام، وبالمُطالبات الإصلاحيّة المتنوّعة التي وقف وراءها طيفٌ متنوّع من المشايخ الوهابيين ونشطاء الصحوة ومثقفو التيار الليبراليّ. وقد اتّخذ الحراك طابع إرسال العرائض المفتوحة التي تدعو الأسرة الحاكمة إلى تطبيق إصلاحاتٍ سياسيّة واقتصاديّة واسعة، كما شهدت نفس الفترة أوّل مظاهرة نسائيّة تُطالب بالسماح للمرأة بقيادة السيّارة.[9] 

علاوة على ذلك، أفسحت تلك التطوّرات المجال لتبلور تيّار سلفيّ جهاديّ سعوديّ بلغت ذروة فاعليّته في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ولئن كان النظام قد نجح في امتصاص الموجة الاحتجاجيّة والتملّص من مُطالبات المُعارضة في التسعينيّات بمزيجٍ من القمع والتجاهل وبتطبيق إصلاحاتٍ شكليّة، فقد وجد نفسه في ضوء أحداث سبتمبر وتضرّر صورة السعوديّة على المستوى العالميّ، تحت ضغطٍ كبيرٍ للتخفّف تدريجيًّا من خطاب «الأمميّة الإسلاميّة» الذي صاغ سياسات السعوديّة لعقود، وتبنّي سياسات أكثر انفتاحًا ومواكبةً للعصر، خاصّة في ظلّ دخول العالم عصر ثورة المعلومات والاتّصالات. وقد كان لهذا التوجّه تبعات اجتماعيّة مُهمّة، لعل أهمّها صعود طبقة وسطى شابّة جديدة في ضوء التوسّع الكبير في سياسة الابتعاث الخارجيّ وافتتاح أوّل مدينة جامعيّة مُختلطة في عهد الملك عبد الله، طبقة تحمل قيمًا وأفكارًا جديدة، تسعى للتحرّر من القيود الماضويّة المُتزمتة وترغب في العيش والترقّي في مناخٍ أكثر ليبراليّة بالمعنى الاجتماعيّ. 

إذا كانت تحوّلات التسعينيّات قد أخرجت إلى النور مسلسل «طاش ما طاش» لناصر القصبي كدراما اجتماعيّة نقديّة، بدأت بتناول القضايا الداخليّة المُختلفة والتجرّؤ على نقد الفساد الحكوميّ وممارسات الشرطة الدينيّة وتخلّف نظام التعليم، مثيرة المزيد من الجدل في الأوساط الثقافيّة، فإنّ تحولات الألفيّة الجديدة وما تبعها من زلازل سياسيّة في العالم العربيّ بفعل ثورات «الربيع العربيّ»، أطلقت موجة جديدة من الكوميديا الشبابيّة الساخرة التي حظيت بجماهيريّة كبيرة في أوساط الشبّان السعوديين مطلع هذا العقد، كما تجسّد في تجربتي «تلفاز 11» و«مسامير». وقد كان أبرز صنّاع هذه الموجة الجديدة، طلابٌ مبتعثون، لجؤوا إلى استخدام الترميز لمُعالجة قضايا الصدمة الحضاريّة التي يُواجهها الطلاب السعوديّون في الخارج، وكان الالتفاف على التابوهات الاجتماعيّة الراسخة ثيمة مركزيّة فيها. لفت أحد الأصدقاء الخليجيين انتباهي إلى أنّ الجرعة النقديّة في برامج «تلفاز 11» خفتت تمامًا بعد صعود وليّ العهد الجديد، وأنّ مهندسها الرئيسيّ قد تم اعتقاله. بمقدار ما يعكس هذا الأمر جانبًا من الصراع على الهوامش المُستقلّة للحيّز الثقافيّ ومحاولة قولبته في اتجاهاتٍ معينة من قبل السلطة، فإنّه يعكس من جانبٍ آخر التناقضات الكامنة في السياسة «الإصلاحيّة»، أي في سعيها لغربلة الديناميّات الاجتماعيّة، بين تلك التي يجب أن تُدفع قُدمًا وتلك التي يجب أن تُكبح تمامًا.

بالرغم من ذلك، فإنّ جانبًا آخر من السياسات التي اتّخذها الأمير محمّد بن سلمان يُمثّل مسار قطيعة كاملة وغير مسبوقة مع ما سبقه. على مستوى صيغة الحكم، اتّسمت مرحلة «التأسيس الرابع» بتوزيعٍ متوازنٍ ومستقرّ للسلطة على أبناء الملك عبد العزيز وأحفاده الذين شغلوا على مدار عقود متواصلة، مواقع الدفاع، والسياسة الخارجيّة، والأمن الداخليّ والحرس الوطنيّ. وقد جرت عمليّة توزيع الريع تاريخيًّا عبر هذه القنوات، مانحة كلّ أمير، سلطة ماديّة ومعنويّة ثابتة في هيكل الحكم. كما كانت عمليّة انتقال السلطة بين الأبناء ومنها إلى الأحفاد، تتمّ في إطار مبادئ تحظى بإجماعٍ كبيرٍ نسبيًّا داخل العائلة المالكة. شهدت السنوات القليلة الماضية إطاحة كليّة لهذا الترتيب لصالح تركيز السلطة والنفوذ في «البيت السلماني»، وبات «تحالف الحكم» أضيق من أيّ وقتٍ مضى، وأصبحت سياسات الاحتواء والتفاهم التي ميّزت لعقود توازنات القصر الملكيّ من الماضي البعيد، ليحلّ مكانها سياسة قائمة على الاستبعاد والتصادم المباشر وتفضيل الغَلَبة على الحلول الوسط. منذ العام 1960، تاريخ تأسيس وزارة النفط، كان هنالك عقدٌ غير مكتوبٍ يقضي بتسليم إدارة ملفّ الطاقة لـ«التكنوقراط الوطنيّ» من خارج العائلة المالكة، وقد بقي هذا العقد ساريًا منذ ذلك الحين حتّى العام الماضي، حين صدر مرسومٌ ملكيّ بتعيين الأمير عبد العزيز، الأخ غير الشقيق للأمير محمّد والخبير النفطيّ المُخضرم، في هذا الموقع. بموازاة ذلك، انطلقت عمليّة حثيثة لتفكيك البنية التحتيّة لنظام الهيمنة الثقافيّة والماديّة المُحافظ من خلال المزيد من التهميش للمؤسسة الوهابيّة، وتغليب مُقتضيات السياسيّ على ثوابت الدينيّ، وتقليص صلاحيّات الشرطة الدينيّة من جهة، وعبر جهدٍ دؤوب لإزالة آثار حركة الصحوة من خلال اعتقال رموزها والمُتعاطفين معها، أو إجبار مشايخها على التبرؤ منها وإغلاق الكثير من صنابير تمويل الشبكات الإسلاميّة العالميّة التي ارتبطت بالسعوديّة تاريخيًّا من جهة أخرى. وقد مُلء جانبٌ من الفراغ المتولّد عن هذه العمليّة بمفاهيم مُشتقّة من عالم اقتصاد الخدمات المُعولم كـ«الابتكار» و«ريادة الأعمال» و«تمكين الشباب»، وبفائضٍ هائلٍ من ضروب التسلية المستوردة والجديدة كليًّا على المجتمع السعوديّ، وهو ما يعكس بذاته الرهان المعقود على الطبقة الوسطى الشابّة الجديدة في واحدةٍ من أكثر بلدان العالم فتوّة. وبعباراتٍ أخرى، تنطوي هذه التحوّلات على رهان خلق مجتمعٍ مدنيّ جديد منزوع الدسم السياسيّ والأيدولوجي. 

إلا أنّ هذه التحوّلات بتفكيكها للسبيكة الهويّاتيّة السابقة أعادت طرح سؤال الهويّة ومآزقها إلى الواجهة مرّة آخرى: ما هي السرديّة أو الخطابات التي ستبرّر من خلالها «السعوديّة الخامسة» نفسها؟ ستبقى محاولات الإجابة عن هذا السؤال في السياق السعوديّ محدودة ومرتبكة دائمًا، بالنظر إلى التاريخ المميّز لعمليّة تشكيل الدولة الحديثة والطبقات الاجتماعيّة هناك. 

الذي تطرحه نخبة الحكم للالتفاف على هذا المأزق اليوم هو توليفةٌ من ثلاثة مركّبات. الأوّل هو المركّب «الكوزموبوليتاني» الذي يُعيد تقديم السعوديّة الجديدة كواحة للأعمال والاستثمار العالميّ والانفتاح الثقافي ويربطها بالمشروع الإسرائيليّ من خلال نموذج المناطق الحرّة المُخصّصة للتبادل التجاريّ ونقل التكنولوجيا وأنشطة الترفيه. الثاني هو المُركّب الذي يقوم على إظهار التاريخ ما قبل الإسلاميّ للبلاد من خلال إبراز الآثار الوثنيّة في مدائن صالح، وقد استثمر النظام في السعوديّة خلال السنوات القليلة الماضية أموالًا كثيرة في حملة تسويق وعلاقاتٍ عامّة على المستوى العالميّ من أجل الترويج لهذه المواقع الأثريّة واستقطاب السيّاح الأجانب لزيارتها وأصبح تناول هذه المعالم في الإعلام السعوديّ أمرًا شائعًا، رغم أنّه كان قبل سنواتٍ قليلة فقط من أكبر الكبائر. أمّا المُركّب الثالث فيقوم على النفخ الدؤوب في هويّة شوفينيّة ضديّة، أي في هويّة لا تكتسب كينونتها من تجربة تاريخيّة أو من قيمٍ بعينها، بل من العداء للآخر الغريب.

لقد تشكّل الوعي السياسيّ والفكريّ لجيلي في أواخر التسعينيّات وأوائل الألفيّة الجديدة في مناخٍ هيمنتْ عليه أفكار وأصوات المشايخ الوهابيين ودعاة الصحوة عبر «الكاسيت الإسلاميّ» والكُتيبات الرخيصة والمنتديات الدينيّة أوّل عهد الإنترنت. كان خطاب «الأمميّة الإسلاميّة» لا يزال حيًّا ومؤثّرًا، وتَشغَل فيه قضيّة فلسطين ومظلوميّة شعبها وسلب أرضها حيّزًا كبيرًا.

يُمكن رؤية التوجّهات الجديدة لنخبة الحكم السعوديّ من زاوية أنّها حاصلٌ للتراجع التاريخيّ لمشروعات القوميّة العربيّة التقدميّة وتفكّك تحالفها الاجتماعيّ، وانحدار مكانة وتأثير الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بالذات.

حين يُراقب المرء التحوّلات في السعوديّة اليوم، يستطيع أن يرى كيف أنّ السبيكة الهويّاتيّة والاجتماعيّة التي جاء بها «التأسيس الرابع» كانت تعمل بشكلٍ ما ككتلة مانعة تحدّ من قدرة النظام السعوديّ على اختراق إجماع الأمّة على قضيّة فلسطين، أقلّه على المستوى الرسميّ والعلنيّ، وتضمن في الوقت نفسه استمرار تدفّق المساعدات والتبرعات للفلسطينيين. من هذا المنظور، فإنّ تسارع خطوات التقارب السعوديّ الإسرائيلي، كما يُعبّر عن نفسه في الصحافة والدراما وغيرها من المساحات، يعكس بشكلٍ ما، تحرّر نخبة الحكم السعوديّ الحاليّة من ضغط تلك السبيكة الاجتماعيّة الفكريّة كنتيجة لانتقال مركز الثقل الاجتماعيّ لطبقة جديدة بقيمٍ مُختلفة، وكحصيلة لسياسة قصديّة تستهدف إرث الحقبة الفيصليّة جملةً وتفصيلًا. 

من جانبٍ آخر، وإذا ما نظرنا إلى المملكة من خارج منظور الكليشيهات السائدة التي تتعامل معها ككتلة مُصمتة، وقاربناها كمجتمع ونظامٍ يؤثّر ويتأثّر، فإنّنا نستطيع القول بأنّ الثقل الذي كانت تُمثّله المشروعات القوميّة والتقدّمية، كان يضع هو الآخر ضغطًا على النظام لئلا يخرج عن خطوط الإجماع العربيّ. من هذا المنظور، يُمكن رؤية التوجّهات الجديدة لنخبة الحكم السعوديّ من زاوية أنّها حاصلٌ للتراجع التاريخيّ لمشروعات القوميّة العربيّة التقدميّة وتفكّك تحالفها الاجتماعيّ، وانحدار مكانة وتأثير الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة بالذات. فقد كان أقصى طموحات هذه الحركة تاريخيًّا، بجناحيها العلمانيّ والإسلاميّ على السواء، أن تكون جزءًا من النظام العربيّ الرسميّ الذي ترعاه المملكة، وقد تجنّبت على الدوام الاصطدام المباشر والعلنيّ مع الحكم السعوديّ، وهي لم تجن من هذه السياسة في الواقع سوى المزيد من الارتهان والضعف وقابليّة الابتزاز والتدجين. تبدو هذه المفارقة أوضح في حالة «حماس». فبعد أن كانت القصور الملكيّة السعوديّة تفتح أبوابها لقادة الحركة، وبعد أن كانت تتلقّى تسهيلاتٍ كبيرة في جمع التبرعات هناك، فإنّها تمرّ اليوم بأكبر أزمة ماليّة في تاريخها بعد أن زُجّت كوادرها في السعوديّة في السجون بتهم الإرهاب! وقد لا يكون بعيدًا ذلك اليوم الذي سيُستخدم فيه المال من أجل ابتزاز السلطة الفلسطينيّة للإقدام على المزيد من التنازلات ضمن مشروع التسوية السلميّة المطروح حاليًا. بهذا المعنى، فإنّ أسئلة التطبيع ليست أسئلة سعوديّة فقط، بل هي فلسطينيّة أيضًا، وستتطلب الإجابة عنها حسم الكثير من التناقضات في خطاب وركائز مشروع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة خلال العقود الأخيرة.

  • الهوامش

    [1] عارض الإخوان بشدّة المحاولات التحديثيّة الأولى في عهد الملك عبد العزيز من قبيل إدخال اللاسلكي والسيارات إلى المملكة وكذلك تدريس مواد كالجغرافيا والعلوم الطبيعيّة في المدارس، كما أنّهم أصروا على استمرار حركة التوسّع والغزو لتطال إمارة شرق الأردن والعراق، الأمر الذي أجبر ابن سعود على التصدّي لهم وسحق تمردهم في نهاية العشرينيّات. لتفاصيل أوفى عن تشكّل حركة «إخوان من أطاع الله» أنظر: جون حبيب، «الإخوان السعوديون في عقدين»، الرياض، دار المريخ للنشر والتوزيع، 1998، ترجمة صبري محمد حسن.

    [2] للاطلاع على تفاصيل أوفى لتاريخ الإضرابات العماليّة في المنطقة النفطيّة شرق السعوديّة وتشكّل الحركة الوطنيّة هناك أنظر: علي السيد باقر العوامي، «الحركة الوطنية السعوديّة»، بيروت، دار رياض الريس للكتب والنشر، 2012.

    [3] كان من أبرز رجالات تلك الحكومة الشيخ عبد الله بن حمود الطريقي من أعمال الزلفي بنجد، وهو أوّل وزير بترول سعودي وأوّل عضو سعودي في مجلس إدارة «أرامكو». حصل الطريقي على شهادة البكالوريوس في الكيمياء من جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، ثم على شهادة الماجستير في الجيولوجيا من جامعة تكساس بالولايات المتحدة. شغل في نهاية الأربعينيّات منصب الإشراف على الشئون النفطية بوزارة المالية السعوديّة وأصبح من أبرز المعارضين لسياسات «أرامكو»، وقد ساهم إلى جانب وزير النفط الفنزويلي خوان بيريز ألفونسو بتأسيس منظمة «أوبك» رافعًا شعاره الشهير «نفط العرب للعرب». اختار الطريقي المنفى بعد سقوط الحكومة السعوديّة في عهد الملك سعود وأسس مركزًا بحثيّا في مجال الطاقة في بيروت ومجلّة عربيّة تعنى بشؤون النفط والغاز وقدم استشارات في مجاله لحكومات عربيّة مختلفة إبان حقبة تأميم النفط في الستينيّات والسبعينيات.

    [4] روبرت فيتاليس، «مملكة أمريكا صناعة الأساطير على تخوم النفط السعودي»، بيروت، جسور للترجمة والنشر، ترجمة سلطان العلي، 2016، ص 366 – ص367.

    [5] Mordechai Abir, «Saudi Arabia: Government, Society and the Gulf Crisis», New York, Routledge, 1st edition, 1993, p. 51-68.

    [6] William A. Rugh, «Saudi Mass Media and Society in the Faisal Era» in King Faisal And The Modernisation Of Saudi Arabia, New York, Routledge, 1980, p. 125-144.

    [7] لتفاصيل أوفى عن بدايات مجموعة جهيمان العتيبي، انظر\ي: ناصر الحزيمي، «أيام مع جهيمان»، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

    [8] للإطلاع بشكلٍ واف على المعارك الثقافية في عقد الثمانينيات، انظر\ي: عبد الله محمد الغذامي، «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية»، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2005.

    [9] ستيفان لاكروا، «السياسة بين الإسلاميين والليبراليين في المملكة العربية السعودية» في «المملكة العربية السعودية في الميزان»، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2013، ص 63- 80.