التلقين بالصور: عن إصلاح الفن ومَسرحَته

الخميس 29 آب 2019
لوحة «يهوديت تقطع رأس هولوفيرنس» للفنان كارفاجيو، 1598-1599. المصدر ويكميديا كومنز.

في حديثه عن الفن في ظل الأنظمة الاستبدادية الحديثة، يرى الناقد كليمنت جرينبرج أن تلك الأنظمة «بما أنها غير قادرة على رفع السوية الثقافية للحشود (…) فإنها تقوم بإطراء الحشود بإنزال الثقافة إلى مستواهم».[1] تصريح شائك في وقت صارت فيه كلمة «ثقافة» تُطلق على كل ما ينتجه البشر دون استثناء، بينما صار الحديث عن «مستويات» ثقافية يبدو غير صحيح سياسيًا. لكن حتى بعيدًا عن صياغة جرينبرج المتعجرفة، يظهر تاريخ الفن بوضوح أن بعض التيارات الفنية جرى إخضاعها أكثر من غيرها لحملات ممنهجة من التبسيط القسري، وذلك كي تتمكن السلطة من أدلجتها وتوظيفها سياسيًا.

عندما انشق البروتستانت مثلًا عن الكنيسة الكاثوليكية، استجابت الكنيسة بعقد مجمع ترنت الذي اعتبر بمثابة إعلان حالة طوارئ، ودعوة صارخة إلى «إصلاح مضاد» في سياسة الكنيسة إذا أرادت ألا تواجه حتفها، إصلاح طال كذلك السياسة الفنية. فتحريم البروتستانت للتصوير الديني ولاستخدام للصور أثناء الصلاة دفع الكنيسة الكاثوليكية إلى اتخاذ الموقف المعاكس تمامًا، مؤكدة على أهمية الصور كوسيلة للتقرب من الله ولشد الناس نحو الكنائس. وعام 1582، قام الكاردينال الإيطالي جابرييل باليوتي بنشر كتابه الدسم خطاب حول الصور الدنيوية والمقدسة، حيث اجتهد بالتوسع بمقررات مجمع ترنت نحو سياسة تنفيذية مفصلة لما يجب وما لا يجب رسمه، سياسة رديفة لمحاكم التفتيش التي جرت مأسستها في روما في الفترة نفسها وللأسباب نفسها: تصفية كل تهديد لوحدة الكنيسة من بشر أو صور.

اشتهر الكثير من الفن في غرب أوروبا آنذاك بتعقيده وحبّه للمعاني المُبطنة الموجهة لأبناء الطبقات المتعلمة، الشيء الذي لم يناسب الكنيسة ورؤيتها للصور كوسيلة تلقين للحشود، «فالصور تستطيع الإحاطة بمفاهيم ضخمة وخطيرة بمساحة قليلة ودون الحاجة لتقليب صفحات ومجلدات».[2] ولذلك، دعا كتاب باليوتي إلى تطهير الفن من الممارسات الضالة وتجريد اللوحة من أي تفاصيل تزيينية أو ترفيهية قد تشتت الانتباه عن الحدث الرئيسي، وشن هجومًا خاصًا على الصور الغامضة والمعقدة. فالدور الأساسي للصور حسب كلمات الكاردينال يكمن في الإقناع، والذي «سيوجه تارةً نحو الحرب، وتارةً نحو السلم، وتارةً لمعاقبة أحدهم أو الصفح عنه»، وهدف الصور الدينية خصوصًا يكمن في «تحريك كل إنسان نحو الطاعة المطلوبة والخضوع لله».

اللوحات التي نجدها اليوم في المتاحف تحت مسمى «فن» كانت في القرن السابع عشر أغراضًا عمليةً ذات قيمة استخدامية

مع مجيء القرن السابع عشر أو عصر «الباروك»، شهدت إيطاليا ومن ثم باقي أوروبا الكاثوليكية انبثاق فن جديد يتماشى مع تلك المقررات. لم يعد على المشاهد أن يبذل الكثير من الجهد للتقرب من اللوحة وفهمها، من الآن فصاعدًا، تذهب اللوحة إلى المشاهد، تصعقه بوضوحها ودراماتيكيتها وتلقنه ما تريد بالحرف العريض، وباستخدام تقنيات بلاغية مدهشة يمكن تلخيصها بـ«مسرحة» للصور.

يبدو ذلك واضحًا لدى كارافاجيو، النجم الألمع لفن الإصلاح المضاد والطفل العاق للكنيسة الكاثوليكية في الآن ذاته. في لوحة يهوديت من عام 1598-1599، يعيد الفنان رواية القصة الإنجيلية التي تحكي قصة الحصار الآشوري لبني إسرائيل، ومعاشرة الفتاة يهوديت لقائد الآشوريين على مدى أيام لتقوم بإسكاره وقتله، منقذةً شعبها من الغزو.

مثل عادته الشهيرة، يعتّم كرافاجيو اللوحة بالكامل ثم يسقط ضوءًا حادًا على الحدث، يسطع من فوق ليباغت ضحيته، والذي ينظر بهلع إلى مصدره المجهول كمن تنقض عليه أضواء الكاميرات في برنامج واقعي لجعله عبرة. أما الستارة الحمراء التي تحتل ثلث اللوحة، فلا دور لها باستثناء تعزيز الطابع المسرحي ومحاكاة اللون القرمزي القاني لدم الضحية مثل صدى لوني في الخلفية.

لا حاجة لأن يكون أيٌ منّا قد ارتكب جريمة من قبل ليرى أن وضعية الفتاة غير عملية أبدًا، وتجعل حفاظها على توازنها مستحيلًا في وجه ضحية تفوقها حجمًا بمرتين، ومع ذلك لا يبدو أن ذلك يشكل أي مشكلة. بكل أناقة، تذبح البطلة ضحيتها بأعصاب باردة وحد أدنى من التماس، تمسك به بعيدًا بمزيج من القرف واللامبالاة وتدير جسدها نحونا كأستاذ تشريح على مدرج جامعي، يفتح جثته المئة أمام الطلاب. فالشخصيات ممثلون يتخذون وضعيات تعليمية، واللوحة درس عن جزاء الكفار لم يستصعبه أحد من أهل العصر العائشين في رعب مستمر من البروتستانت، فالقائد الآشوري تلميح عن البروتستانت الهمج الذين يهددون الأمة، بينما تمثل يهوديت الكنيسة الكاثوليكية الحقة والعادلة التي ستنقذ رعاياها.

تشير يهوديت بثيابها وتسريحتها وملامحها إلى فتاة إيطالية عادية من فترة الفنان، وليس إلى شخصية أسطورية بعيدة، فالرهان الأعظم للقصص الدينية فترة الإصلاح المضاد قام على كونها ليست حدثًا تاريخيًا بل شأنًا راهنًا، قاعدة أزلية تتكرر خارج الزمان والمكان، وبالتالي يمكن -بل يستحب- تحديث مظاهرها لتخاطب أهل عصرها، ولتستمد قوتها من الاحتمال الضمني بأن أي أحد في اللوحة يمكن أن يكون أنت أو أنا، بأن كل متفرجة هي يهوديت.

إضافة إلى التماهي مع الشخصيات، يؤكد باليوتي في كتابه أن الصور قادرة على التواصل «تمامًا كالكلام»، الشيء الذي يقوم مؤرخ الفن وولفجانج كيمب بدراسته،[3] مبينًا التقنيات المستخدمة في اللوحات لخلق شبكات تواصل، سواء بين شخصيات اللوحة أو بين تلك الشخصيات والمشاهد.

في ظهور القديسين بروتايوس وجرفايوس مثلًا للفنان الفرنسي دو شامبين، تروي اللوحة رؤيا أسقف مدينة ميلانو أثناء صلاته. في لحظة مسرحية مشحونة، وبينما تقبع جموع المصلين في الظلام، يجتاح الكنيسة نور إلهي، ويرى الأسقف القديسين الشهيدين في ظهور إعجازي. كالمرآة، يعكس أولئك المصلون في الخلفية مشاهدي اللوحة الحقيقيين على الطرف الآخر من القصة، أي المصلين الذين يتأملون اللوحة في الكنيسة المظلمة. أما بالنسبة للشخصيات، فتعمل نظراتها مع حركات الأيدي المسرحية مثل شبكة أسهم تقود نظراتنا عبر الحدث من اليمين إلى اليسار، ترتفع بنا وصولًا إلى القديسيْن اللذين يرسلان بنظراتنا نحو مصدر النور السماوي.

منطقيًا، لا تحتاج الشخصيات إلى تلك الحركات والوضعيات المفرطة للتواصل مع بعضها، لكن الهدف هو إخبار المشاهد بأنها تتواصل، وتلقينه ماهية ذلك التواصل، هرميته ومعناه. فالأسقف الراكع يطوي ذراعيه في حركة خشوع أمام المعجزة، بينما يقوم القديسان بحركات تسبيح، يأخذان وضعيات مفذلكة مثل نجوم مشاهير يتحضرون للتصوير أو يحيّون جمهورًا وهميًا. بين الطرفين يوجد شخص رابع هو بطرس الرسول، ينزل على درجة ليصل المنسوبين الأرضي والسماوي، متوسطًا بين الطرفين بذراع تشير كالسهم، بينما تشير الأخرى باتجاه المشاهد للتوسط له عند القديسين، لضمه إلى القصة وطلب الشفاعة له.

تعج لوحات القرن السابع عشر بشخصيات مماثلة تتوسط بين شخصيات اللوحة والمشاهد، شخصيات داخل الحدث وخارجه في ذات الوقت، مهمتها التواصل معنا وتعليمنا كيف نتعامل مع القصة وكيف ننظر إليها. فعندما يمثل الفنان مريم المجدلية راكعةً أمام الصليب، بعيدةً عن المجموعة في وضعية موازية لوضعيتنا كمشاهدين، فإنه يشير في الحقيقة إلى ما يجب على كل مصلٍ أن يفعله أمام اللوحة: أن يركع مقتديًا بتلك الشخصية، أن يشعر بما تشعر ويتصرف كما تتصرف.

لوحة نزول الروح القدس على الحواريين، للوبران.

أما الحالة الأكثر إدهاشًا، فهي عندما ينظر الوسيط باتجاه المشاهد، كما لو أنه الوحيد الواعي بوجودنا، كما في لوحة لوبران نزول الروح القدس على الحواريين، والتي تمثل الحدث الإعجازي على ما يشبه المسرح الحجري، تصطف حوله الشخصيات مذهولةً، ترتدي ملابس رومانية قديمة، بعكس العمارة المحيطة بهم والمعاصرة بأسلوبها لعمارة القرن السابع عشر، وكأن الكنيسة اليومية للمشاهد قد اجتاحتها فجأة شخصيات مقدسة خرجت من الكتاب.

لكن العمارة ليست العنصر الوحيد من عالم المشاهد. يكفي أن نقوم بعدّ الرجال في اللوحة، أي الحواريين، لنكتشف أنهم ثلاث عشر، بدلًا من اثني عشر، كما يجب. توجد إذن شخصية دخيلة، سرعان ما تكشف عن ذاتها: فإلى أقصى اليسار يوجد الوسيط، الشخص الوحيد في اللوحة غير المتأثر بالحدث، خارجه تمامًا، ينظر إلينا بتعابير هادئة، وهو شيء طبيعي كون هذا الشخص هو لوبران، الفنان ذاته. فمنذ عصر النهضة، درجت عادة بين الفنانين برسم أنفسهم في اللوحة، غالبًا بدور الوسيط الذي ينظر إلى الخارج، فالفنان دخيل على القصة التي يرسمها، رسول بين العالمين، دوره التلقيني يشبه دور مضيف تلفزيوني، نظراته تذكرنا أنه آت من طرفنا، يرينا كيف نأخذ المسافة اللازمة من الحدث كي نستطيع التفكر في معناه.

تدعو الشخصيات المشاهد إلى المشاركة في الحدث، وهي دعوة أكثر من شكلية، ففي بعض الحالات تحتاج اللوحة إلى من يشاهدها وإلا فلن تعمل. فالكثير من لوحات القرن تترك فراغات مقصودة في التسلسل الروائي على المشاهد إكمالها مثل تمرين مدرسي. في لوحة صعود العذراء للفنان الفلمنكي روبنز مثلًا، لا يعرف الحواريون المتفاجئون بالقبر الفارغ أن مريم قد صعدت إلى السماء، فقط المشاهد يعرف، فضلًا عن أن مريم صعدت قبل وصولهم بمدة. تختصر اللوحة إذن زمانين ومكانين مختلفين، والقصة لا تبدو بشقيها، أي بشكلها الكامل، إلا للمشاهد، فهي مصنوعة من أجله وهو الوحيد القادر على تركيب عناصرها وتفعيل معناها وفق الوصفة المعطاة إليه من قبل محيطه الاجتماعي ومخزون الصور في رأسه.

يجب ألا ننسى أن جميع تلك اللوحات التي نجدها اليوم في المتاحف تحت مسمى «فن» كانت في القرن السابع عشر أغراضًا عمليةً ذات قيمة استخدامية، وظيفتها مساعدة المؤمنين على التركيز والصلاة وتذكيرهم بالقصص المقدسة. لم يكن تأمل تلك الأعمال في الكنائس غاية جمالية بحد ذاته كما هو اليوم، بل وسيلة من أجل غاية دينية، جزءًا من سياق يتضمن العمارة المحيطة والألبسة والطقوس المرافقة للمكان. وبالتالي، فإن مسرحة اللوحات الدينية هذه تعبر عن لحظة مفصلية خاصة بالقرن السابع عشر، لحظة تجرأت الصور الدينية فيها على الخروج عن سكونها، على أنسنة نفسها في محاولة للتقرب من المشاهد ومخاطبته، تجنيده لصالح الكنيسة في حربها ضد المنشقين. لم تعد الصور الدينية أغراضًا تأملية مستكينة وغامضة، بل صورًا سينمائية ناشطة، عنيفة وضوضائية، تقوم بتنميط المشاعر اليومية من غضب وشهوة وخوف في جرعات مكثفة تشد المشاهد، وتلقنه القصة وردة الفعل المطلوبة منه بملعقة واحدة.

قد لا يكون من الممكن اليوم تصوير الشخصيات الدينية بالجينز والتيشيرت أسوة بفناني القرن السابع عشر، لكن الكثير من التقنيات البلاغية الأخرى للتقريب بين الصورة والمشاهد تستمر بالازدهار في البروباغاندا والإعلانات التجارية، في صور تدعونا باستمرار لدخولها والتماهي مع شخصياتها في صراعاتها الممسرحة مع العدو أو في غبطتها الإعجازية أمام سلع لا نحتاجها. في النهاية، يشير تصريح جرينبرج الافتتاحي إلى حقيقة كبرى عن الفن، بل عن الصور مهما كان نوعها، وهي أن تلك الصور لا تُستحدث من العدم، بل تولد في مكان مخصص لها سلفًا من قبل منظومة سياسية تبذل ما بوسعها لترويضها واستخدامها. أمّا تلك الصور، فقد تختار فيما بعد القبول بالمكان المخصص لها أو الالتفاف حوله أو خرقه، تمامًا مثلما يخرق لوبران الجدار الوهمي بيننا وبين اللوحة، ينظر إلينا من الطرف الآخر بهدوء، كما ليذكرنا بأن كل ما في الصورة هو مجرد مسرحية جرى إخراجها من أجلنا.

  • الهوامش

    [1] Greenberg, Clement. (1961). Art and Culture. Beacon Press, Boston.

    [2] Paleotti, Gabriele. Discorso intorno alle immagini sacre e profane.

    [3]Kemp, Wolfgang. (1998). «The Work of Art and its Beholder» in The Subjects of Art History: Historical Subjects in Contemporary Perspective, Cambridge University Press.