تدوينة

الحب في زمن صالح علماني

الخميس 12 كانون الأول 2019

منذ ترجمات سامي الدروبي العظيمة لروايات دوستويفسكي، لم يحدث في الثقافة العربية أن ارتبط اسم مترجم بحقل روائي أجنبي كما ارتبط صالح علماني بأدب أمريكا الجنوبية. صار علماني الوجه الآخر لذلك الأدب في ثقافتنا، والوسيلة المثلى إلى التقاط سحره والغوص في متاهاته. بفضل علماني صار غارسيا ماركيز كاتبًا عربيًا، وبفضل ماركيز صار علماني روائيًا بترجماته. 

سيتوقف مؤرخو الثقافة العربية كثيرًا عند دور علماني في غرس أدب أمريكا الجنوبية في البيئة العربية. سيطر كُتاب الواقعية السحرية على مخيلة القراء العرب منذ ثمانينات القرن الماضي. ماركيز وبارغاس يوسا وإيزابيل أيندي أصبحوا إحالات مألوفة لدينا، وغدت مجازات تلك الأرض البعيدة جغرافيًا عنّا مثل كوليرا اجتاحت سوق النشر العربي ورفوف المكتبات العامة والخاصة. 

يتناقش علماء الترجمة في تعريف دور المترجم وأثره في النص الأصلي. المترجم خائن، كما تقول العبارة الشهيرة. لكن المترجم مؤلف آخر للنص، والمترجم العظيم هو الذي يخلق صوتًا منفردًا يصبح دالة تصاحبه في كل أعماله التي ينقلها إلى لغته الأصلية. علماني كان واحدًا من هؤلاء. وجود اسمه على غلاف العمل كان هوية أخرى لأدب أمريكا الجنوبية، أو علامة مسجلة كما أشارت بعض المراثي التي كتبت عنه. لا أدري كيف سيكون شكل ماركيز عربيًا دون علماني. لا أدري كيف سيكون شكل ماركيز أصلًا دون علماني. للقارئ العربي، فإن أغلب روايات ماركيز لا تنطق دون علماني. هل ماركيز هو مؤلفها حقًا؟ بالتأكيد. هل هو مؤلفها وحده؟ ثمة «مراكيز» عدة في أغلب لغات العالم، وماركيزنا نحن علماني الهوية. لنفتح «الحب في زمن الكوليرا» ونقرأ العبارة الأولى: «لا مناص». لمن تعود هذه العبارة؟ من الإنصاف القول إنها تنتمي لعلماني بالقدر ذاته الذي تنتمي به لماركيز. 

حين تسرّبت عام 2005 أنباء عن قرب نشر آخر روايات ماركيز «ذاكرة غانياتي الحزينات» بالعربية تمنيت مع أصدقاء لي أن يكون المترجم علماني. تحققت الأمنية واشتريت الرواية فور وصولها إلى عمّان. أذكر أنها لم تكن مدهشة كما كنت آمل، لكن حضور الثنائي ماركيز/علماني كان كافيًا لملئها بعبارات شهية لا تنسى. أصبح علماني ملاذًا أدبيًا كما لم يحدث لمترجم من قبل. انتقل بالمترجم إلى مكانة تضاهي مكانة المؤلف. بعض المكتبات في عمان كانت ترتب الكتب في الأرفف حسب أسماء المؤلفين، لكنها كانت تضع ترجمات علماني وحدها في مكان خاص. زبائن الكتب لا يبحثون عن اسم الرواية أو المؤلف فقط، لكنهم يبحثون عن أعمال علماني. 

أن تقرأ المترجم أولًا ثم تقرأ العمل الأصلي: أيهما الأصل وأيهما الفرع في هذه الحالة؟

رفع علماني سقف التوقعات في ترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية. براعته وشهرته ظلمت غيره من مترجمي ذلك الأدب، وبعضهم بالتأكيد ممتازون. في مرحلة ماضية كنت أرفض قراءة عمل إسباني لم يترجمه علماني، باستثناء وحيد هو ترجمة محمد لطفي اليوسفي العظيمة لرواية «خريف البطريرك» لماركيز. في تاريخ الأدب العربي قيل مرّة إن أبا تمام والبحتري أخملا، بشعرهما، ذكر 500 شاعر آخر كلهم مُجيد. الأمر ذاته أعاده علماني على غيره من مترجمي الإسبانية. وإضافة إلى جودة الترجمات فقد امتاز علماني باستمرارية إنتاجية يحسد عليها، فكمّ الكتب الهائل الذي ترجمه منفردًا يحتاج إلى مؤسسة كاملة كي تقوم به. 

رغم سطوته على غيره من المترجمين فقد قدم علماني خدمة جليلة لترجمات أقل شهرة من الإسبانية إلى العربية. الغزو اللاتيني الودود للمكتبة العربية فتح عيون القراء العرب على كتاب سابقين لا يقلون أهمية عن ماركيز ويوسا، وبدأ القراء يسألون عن سر أمريكا الجنوبية وما يسمى بالطفرة الروائية التي جسدها ماركيز. شرع كثير منا يتساءل: من هم سحرة السرد هؤلاء؟ هل ظهروا على كوكبنا فجأة بلا مقدمات؟ كيف أصبحت قرية متخيلة في كولومبيا نحتها المرعب ماركيز في «مئة عام من العزلة» إحدى أهم الإحالات الأدبية في القرن العشرين؟ 

اكتشفنا، بعد مزيد من البحث، أن هذه الطفرة ليست طفرة في الحقيقة، وأن ثمة سردًا مدهشًا في ذلك الجزء من العالم يسبق ماركيز وزملاءه. بدأنا نسمع بخورخي لويس بورخيس، كبيرهم الذي علمهم السحر، وأليخو كاربنتيير، وخوان رولفو، وميغيل أستورياس، وغيرهم. اتضح أن بعضهم ترجم أصلًا إلى العربية، من مرحلة ما قبل علماني، وأن تلك الترجمات، لسبب ما، لم تحفر لها مكانًا في الذاكرة الأدبية العربية. بهذا المعنى فإن علماني قد قام، بأثر رجعي، بإنعاش ترجمات أخرى من الإسبانية إلى العربية لولاه لظلت ربما طيّ الاهتمام الضيق للمتخصصين في الأدب الإسباني. 

أفكر أحيانًا كم هو محظوظ علماني. كيف يمكن لك أن تعيد، بلغتك، تشكيل هذا السرد الإسباني الفاتن وتضع بصمتك عليه لتصبح جزءًا منه ويصبح هو جزءًا منك؟ أن تتحدث العربية مع خوفينال أوربينو وفيرمينا داثا وفلورينتينو اريثا وأورليانو بوينديا والعشرات من الجنرالات والفقراء والعشاق والعاهرات الذين تضج بهم صفحات هذا الأدب. كيف تحمّل علماني أن يعيش وسط هذا الصخب لعشرات السنين؟ أتساءل إن كانت علاقته بريئة بهذا الأدب. ماذا لو عشق علماني إحدى شخصيات ماركيز وأراد إعادة صياغتها؟ أتمنى أن يكون ذلك قد حدث فعلًا. أتمنى أن يكون علماني قد خان ولطّخ وحرّف وشارك ماركيز نفسه في صياغة شخصياته. ماذا لو لم تعجبه النهاية الماركيزية لإحدى الروايات؟ على القارئ غير المتقن للغة أجنبية أخرى أن يصدق علماني. العلاقة بالمترجم هنا لا تعود مجرّد اعتماد عليه لنقل الأصل إلى لغتنا، بل التسليم المطلق له. المترجم هو الفرع والأصل معًا، ومن لا تعجبه هذه الحقيقة فليذهب ويتعلم اللغة الأصلية ويقرأ الرواية بها. 

لكني تعلمت لغات أجنبية ولم أقرأ أدب أمريكا الجنوبية بها. ظل هذا الأدب عربيًا بالنسبة لي. لا يمكنني أن أعيد قراءة «مئة عام من العزلة» بالإنجليزية. لا يمكنني أن أقرأ «حفلة التيس» بالإنجليزية. ذاكرة عبارات علماني ستظل تطاردني وتلعنني وأنا أشوّهها عبر اللجوء للغات أخرى. وحين تعلمت بعض الإسبانية أصبحت راغبًا بمعرفة أصل بعض العبارات التي خلّدها علماني في لغتنا. ليست مبالغة القول إن اختيارات علماني تفوق أحيانًا اختيارات المؤلف الأصلي للكتاب الإسباني. 

عنونَ ماركيز سيرته الذاتية بعنوان فاتن هو: «Vivir para contarla». العنوان يعني، حرفيًا، «العيش لأرويها». لم تعجب علماني هذه الـ«هاء» في نهاية الجملة، ذلك الضمير المتصل الذي كان بالإمكان الاستغناء عنه لجعل الفعل «يروي» أكثر حرية في التأويل، وهذا ما كان. أصبحت سيرة ماركيز بالعربية «عشت لأروي»، وهو ما يقابل في اللغة الأصلية: «Vivir para contar».

لا يمكّنني مستواي في الإسبانية من قراءة روايات كاملة بها، لذلك كنت ألجأ لبعض الأصدقاء من أمريكا الجنوبية كي يجدوا لي عبارة معينة في النص الإسباني الأصلي. ما هو الأصل الإسباني لألقاب الازدراء المجنونة التي كان يشير بها الديكتاتور لرفقائه في رائعة بارغاس يوسا «حفلة التيس»؟ كيف نقول بالإسبانية عبارات مثل «مخيخ» و«دستوري سكران» و«القذارة الحية»؟ فتحت هذه الرواية بالإسبانية مئة مرّة كي أجد هذه العبارات ولم أستطع. في أي صفحة وأي فقرة وأي سطر في النص الأصلي لهذه الرواية نجد عبارة علماني الساخرة عن الديكتاتور: «كان يتنازل عن جزء من وقته الثمين كي يضاجع نساءنا»؟ 

علماني جعلني مهووسًا باللغة الإسبانية في مرحلة ما. أشعر الآن أنني تعلّمت تلك اللغة فقط كي أعيد قراءة علماني بها. علماني أصبح الأصل العربي الذي كنت أبحث عن ترجمته بالإسبانية. أن تقرأ المترجم أولًا ثم تقرأ العمل الأصلي: أيهما الأصل وأيهما الفرع في هذه الحالة؟ لغة علماني الفاتنة جعلتني أشعر أن أولئك الكتّاب نشروا كتبهم تحديدًا كي يترجمها. لو عرف ماركيز علماني شخصيًا لرجاه أن يعلّمه العربية كي يقرأ نفسه بها، كي يرى شخصياته وهي تكتسب من علماني حيوات أخرى، وكي يرانا ونحن نتساءل، من شدة دهشتنا كلما قرأنا عملًا من مؤلفات علماني: كيف ترجم ماركيز روايات علماني؟ 

لم يُهدنا علماني «الحب في زمن الكوليرا» كتابًا فحسب، بل فتح لنا بابًا واسعًا من الحب سنظل ممتنين له عقودًا لأجله. حبّ خلخل عبره علماني سيطرة الآداب الأوروبية على حركة الترجمة الأدبية العربية، حبّ جعل من أمريكا الجنوبية حديث الصباح والمساء في أوساط القراء العرب، حبّ أضفى على اللغة الإسبانية أبعادًا جغرافية أخرى لم نكن ندريها، حبّ جعل للحب ذاته صورًا ومجازات جديدة طازجة مدهشة. إنه الحب في زمن صالح علماني.