الفلانور المتلاشي في شعر أمل دنقل: حضور «الشيء» وتجليات الرحيل في المدينة

لوحة مشهد من الشارع للفنان الألماني إرنست لودويغ كيرشنر

الفلانور المتلاشي في شعر أمل دنقل: حضور «الشيء» وتجليات الرحيل في المدينة

السبت 17 آب 2019

في كتاب مشروع الأوركيد للفيلسوف الألماني ڤالتر بنيامين، يظهر المتجوّل أو الفلانور في مواضع كثيرة، حيث يعمد لاستعارة نموذج الجوّال من قصيدة «إلى عابر طريق» للشاعر الفرنسي تشارلز بودلير، وعبر استعارة هذا النموذج يركز بنيامين من منحى أدبي أكاديمي على نموذج المتجول أو المتسكع الفرنسي الذي يذرع المدينة بحثًا عن أصواتها وألوانها وحركاتها من غير هدف محدد من رحلات التجول.

بالنسبة لبنيامين، فإن الفلانور، حتى لو كان قد ولد في المدينة عينها، يفتأ أن يكون من ساكنيها «فهي تمثّل له العرض المسرحي».[1] إذ أن المدينة «تنقسم له إلى قطبين دياليكتيين؛ فهي تنفتح له كمشهد حتى عندما تنغلق عليه كحجرة».[2] الفلانور المثالي «هو من يقيم بيتًا في قلب المدينة وصخبها؛ فبذلك يكون بعيدًا عن البيت ولكن يشعر أنه في بيته في كل مكان، أي أن يكون في منتصف العالم ولكن في الوقت نفسه مخفيًا عنه».[3] يشبّه بنيامين الفلانور بمشكال ذي وعي حيث تمثّل كل حركة تنم عنه تعددية الحياة والوقار المتلألئ في كل عناصر الحياة.[4] وينبهنا بنيامين أيضًا إلى أن الفلانور يحوي روح الشاعر، حيث أنه «في شخص الفلانور الذي يحمله تكاسله خلال مدينة الآركيد المتخيلة» تطرأ مواجهة بين الشاعر والداندي الذي يخيط طريقه بين الحشود من غير الانتباه للصدمات التي يتعرض لها. لكنه يضيف أن في الفلانور «كائن منقرض يفتح عينه الكئيبة ويلقي بنظرة تخترق قلب الشاعر».[5]

ببساطة، بالنسبة لبنيامين، فإن الفلانور المثالي هو نظير الحشد، هو البوهيمي، هو المقتلع من جذوره؛ «فهو يشعر بالانتماء ليس لطبقته الاجتماعية ولكن للحشد، أي المدينة».[6] يعكس هذا التعريف بماهية الفلانور طابعًا خاصًا لهذا النموذج الذي لا يبدو أنه كامل الآدمية؛ فهو إضافة لكونه متسكعًا ومراقبًا، رمز وحشد وعضو مديني. ومن هنا تظهر الدياليكتية التي تحكم وصف بنيامين لهذه الشخصية، فالفلانور منتم لكل شيء وللاشيء في الوقت نفسه. فهو ليس بشخص غير اجتماعي، إذ أنه يحتاج إلى الحشود حتى ينمو، لكنه لا ينخرط فيها لأنه يحب أن يتلذذ في عزلته.[7] يرى الكثير أن هذه الدياليكتية أو الانسلاخ عن الهوية والتوق إليها هي نتاج الرأسمالية والحداثة إذ أنها ترمز إلى «الاغتراب في المدينة وفي الرأسمالية».[8] إلّا أن ذلك يشكل تناقضًا واضحًا إذ أن نموذج الفلانور مرفوض من قبل المنظومة الرأسمالية وذلك لعدم انخراطه في العملية الإنتاجية التي تحكم هذا النظام مع إن الفلانور إحدى إفرازاته.[9] ينتج عن ذلك نوع من الإبعاد والنفي المفروض من قبل النفس.[10] 

إلّا أن فهمنا المسطح لنموذج الفلانور وطبيعته الفلانورية يتضعضان عند قراءتنا لمقالة جيكوب إدموند الأكاديمية، الفلانور في المنفى، والتي ينقد فيها هذا النموذج والسياق الذي أنتجه من خلال التركيز على شعر المنفى الصيني، والذي تتجلى كثير من عناصره في شعر أمل دنقل. بالنسبة لإدموند، الفلانور ليس نموذجًا للاغتراب المديني، بل هو رمز «للحداثة الأوروبية» والإمبريالية.[11]«الفلانور هو نتاج لرأس المال الأوروبي الإمبريالي في القرن التاسع عشر، إذ أنه بالرغم من إدراك الفلانور الحاد لموقعه الذي يجزم أنه قلب الحداثة، فإن شعوره بالخاصية الأوروبية وليد لعلاقاته بغير أوروبا».[12] أي أن مدينة الفلانور من منظوره هو، بخصائصها و طبائعها الحميمة لم تكن لتتجلى له لو أن المدن المغايرة لمدينته لم تكن موجودة، أي أن التباين المديني هو الذي يجعل من مدينة الفلانور حيزًا للاستكشاف الذي يفضي إلى الاغتراب والانتماء في الوقت نفسه من قبل المتسكع في المدينة. وبذلك، فإن فلانورية هذا النموذج الطليعي تتضخم في تكاثف شعوره بالاغتراب بسبب ازدياد الطابع الكوزموبوليتاني للمدينة شديدة الإمبريالية، باريس، التي كانت تحتفي بالفلانور الأصلي.[13] 

معنى ذلك أن صفاء المدينة الأوروبية المهددة من قبل العناصر غير الأوروبية التي تفشت في تلك المدن بسبب الغزو الإمبريالي الأوروبي هي التي أضافت نوعًا من «الغربة» للمتسكع الأوروبي الذي اختلطت عليه هوية المدينة. ومن هنا نلحظ مجددًا العنصر الدياليكتي، إذ أن «تهديد» هوية المدينة الأوروبية هو الذي يخلق شعوريْ الانتماء والاغتراب لدى المتسكع «الأصلي». يرى، إذن، إدموند أن دياليكتية الألفة والرغبة بالأمكنة البعيدة مفصلية في نموذج الفلانور لدى بودلير وبنيامين.[14]هل يشكل المتجول، إذن، مفهومًا برجوازيًا كولونياليًا للتفاعل مع المدينة؟ وهل يشكل التجوال في المدينة والانغماس في فك رموزها وتحركاتها الداخلية هواية للطبقات العليا؟ يجيبنا دنقل في أشعاره أن لا، الأمر ليس كذلك وأن رواة قصائده قد أثبتوا أن «معجزة الكتابة الشعرية هي أنها حلم يولد، فوق كل شيء، من تجربة المدن الكبيرة، من تقاطع علاقاتها العديدة».[15] فكيف تحضر المدينة، وفي سياق هذا المقال المدينة المصرية تحديدًا على نطاق أوسع من نظرة المتجول في شعر دنقل؟ وكيف يتواجد الفلانور، قلبًا وقالبًا في المدينة العربية؟

لمحاولة الإجابة على هذه الأسئلة، نقف على آثار المتجول في المدينة العربية في شعر أمل دنقل.

تبرز علاقة الفلانور العربي ومدينته بوضوح في قصيدة أمل دنقل بعنوان «السويس»، التي يقول فيها:

عرفت هذه المدينة الدخانية
مقهى فمقهى .. شارعًا فشارعًا
رأيت فيها (اليشمك) الأسود والبراقعا
وزرت أوكار البغاء واللصوصية!
على مقاعد المحطة الحديدية…
نمت على حقائبي في الليلة الأولى
(حين وجدت الفندق الليلي مأهولًا؟)
وانقشع الضباب في الفجر…فكشف البيوت والمصانعا
والسفن التي تسير في القناة، كالإوز…
والصائدين العائدين في الزوارق البخارية!

قبل الوقوف على أبيات دنقل وتحليلها، ربما يجب أن نفصل بعض الأصوات المتداخلة في قصائد الشاعر، الأسلوب الذي يُغني تجربة قراءة أشعاره ويثري نصوصه. أرى أنه من الغلط أن نشير ببساطة إلى صوت «الشاعر» في قصائد دنقل لأنها مأهولة دومًا بأصوات كثيرة مثل صوت الراوي هنا، وهو الصوت المختلف عن صوت الشاعر. فمع أن الشعر هو التجسد الأدبي الأوضح للتدفق الشعوري، إلّا أنه يجب توخي الحذر في قراءة أعمال دنقل إذ أن الصوت الروائي لديه ينتقل من إنسان أو شيء إلى إنسان أو شيء آخر. يتساءل الباحث فوزي الحاج عن ذلك في ورقة له بعنوان «التشخيص في القصيدة الغندرامية[16]: قراءة نقدية في بعض شعر أمل دنقل». يقول للحاج: «هل يمكن تشظية القصيدة الواحدة إلى شظايا تحت كل عنوان؟ أم ننظر إلى القصيدة وحدة واحدة مع التغاضي -قليلًا- عن التداخل بين الشخصيات؟».[17] بناء على ذلك، فإن الحاج يقوم بتقسيم شخصيات قصيدة دنقل إلى شخصية القناع والشخصية الموضوعية والشخصية المغتربة والشخصية السياقية.[18] ومع أنني لا أتفق تمامًا مع هذه التقسيمة التي أعتقد أنها سطحية، إلا أني أرى أنه من المهم جدًا وجود تقسيمة كهذه عند قراءة قصائد دنقل للأسباب المدرجة قبل قليل وأيضًا حتى نستطيع إيجاد صوت الفلانور، أو أثارًا لصوته على الأقل، في القصائد. يقول الحاج عن شخصية القناع: «فالانفعالات الأولى لم تعد تُمثل شكل القصيدة ومضمونها بل هي الوسيلة إلى الخلق الفني المستقل (..) فالقناع إذن رمز يتخذه الشاعر المعاصر ليضفي على صوته نبرة موضوعية، شبه محايدة، تنأى به عن التدفق المباشر للذات».[19]فالفلانور، الذي يصف الحاج دوره في القصيدة هنا، إذن، هو المشاهد: مشاهد المدينة والمحايد عنها. لكن، هل الفلانور في المدينة العربية يمكن أن يكون مشاهدًا فحسب كما يجدر به أن يكون، طبقًا للمعايير الفلسفية والأدبية التي تحكمه؟

يتجسد الفلانور في المقطع الشعري السابق في صوت الراوي الذي قضى ليلته الأولى في مدينة السويس مشرّدًا فوق حقائب سفره، ولذلك تسنى له أن يراقب «هذه المدينة» التي يشير إليها مباشرة كأنها أمامه لا تزال. يتشرّب الراوي تفاصيل المدينة من نومها ليلًا مثله إلى حين استيقاظها وانقشاع الضباب عند الفجر. إلّا أن هذه المدينة التي تنام معه وتستيقظ معه والتي يشير إليها بإحساس حضور جلي هي مدينة دخانية ضبابية بخارية؛ أي أنها تمثل تجليات هوائية للمكان الفعلي. بكلمات أخرى، «هذه المدينة» دائمة التبخر والانقشاع برمتها. إلّا أن دور الفلانور الأهم، ألا وهو مراقبة المدينة، هو أبرز ما يظهر في الأبيات السابقة. وعن هذا الدور يقول توم ماكدونو أن للفلانور دورًا متحريًا، هو فيه «أداة للمراقبة البانوبتيكونية».[20][21] ولذلك، فإن السرد المُفصّل لتحركات المدينة من راوي القصيدة في هذا المقطع يعزز من الوجود الفلانوري للشخصية فيها، فهو مراقب لتفاصيل المدينة بدقة متناهية توثيقية.

ومِثل شعر المنفى الصيني الذي يدرسه إدموند في نقده، فإن المدينة في هذا السياق خالية ومهجورة. يقول الشاعر الصيني يانج ليان واصفًا الاغتراب المديني:

هذا الشارع غير حقيقي -والخطى كذلك
دائمًا يسمو القمر ببطء
ويسقط-
مع أن النور غير حقيقي

فمدينة المنفى لدى الشعراء الصينيين التي تتسم بالخلو والهجر تأتي مغايرة لتوصيف بنيامين عن «الحشد الشبحي»،[22] إذ أن بنيامين لا يرى أن المدينة بحد ذاتها شبحية ولكن قاطنيها، ويأتي ذلك على عكس توصيف ليان. بالنسبة لبنيامين، تحكم علاقة الفلانور بالحشد «ضبابية» أو «شبحية» الحشد نفسه. أمّا بالنسبة لشعراء المنفى الصينيين، فإن المدينة هي الخالية المتبخرة. يذكرنا إدموند في هذا الصدد بأن كتابات شعراء المنفى «من شعر ونثر تتواسط بين الانفصال الوقتي والمادي للمنفى من خلال نموذج المتمشي في المدينة».[23] ذلك حيث أن وصف التمشّي في المدينة في هذه النصوص «يجمع بين خصائص النموذج الفلانوري بعناصر متباينة ترمز إلى شعور الغربة النافية عن المدينة، لغتها، وناسها. (..) ليصبح المتمشي كالهارب في المدينة الغريبة».[24] 

أي أننا نستطيع أن نستشف أن مصدر التغريب والطرد في شعر المنفى الصيني يقبع في الفلانور نفسه وليس في المدينة كمكان حاوٍ له، أمّا دنقل، فهو يجمع في توصيفه للاغتراب المديني بين الاغتراب «الضبابي» القابع في الفلانور وفي ضبابية المدينة نفسها؛ مؤججًا بذلك شعور النفي والطرد المكاني والميتافيزيقي والشعري حتى.

إلّا أن عبقرية دنقل وجمالية شعره الواخزة تكمن في تزمينه لحالة الاختفاء عند المدينة والمتجول المنفي، فكلاهما واحد وهما غير منفصليْن؛ بل يشكلان كينونة عضوية واحدة. وفي هذه يكمن السؤال: إن كان هناك وجود لهذا الالتحام مع المدينة والنفي منها في الوقت ذاته، ألا يعني ذلك أن الراوي هنا هو المنفي أو الغريب وليس الفلانور؟

ربما يظهر ذلك كانطباع أوّلي عند قراءة القصيدة، ولكن عند التمعن فيها ندرك أن أول شيء يعملنا إياه هذا المتحدث؛ حتى أول كلمة تظهر في القصيدة هي المعرفة الحميمية لكل تفاصيلها. «عرفت هذه المدينة الدخانية مقهى فمقهى، شارعًا فشارعًا». ولذلك، فإنه من التبسيط الجارف أن نصف وجود المُتكلم هنا وشعوره بالغربة والتغريب فحسب. نضيف لهذا سماعنا الصوت «الآخر» في المقطع السابق والذي تجلى في صيغة سؤال معترض: «حين وجدت الفندق الليلي مأهولًا؟». فهذا الصوت يُكذّب الراوي ويكشف لنا عن بعض نواياه وأفعاله في المدينة والتعامل معها. هل يكون هذا الصوت هو شخصية أخرى مستترة في القصيدة أم ضمير الراوي فيها؟ لا نستطيع أن نجزم بذلك ولكننا نستطيع أن نربط هذا الصوت المبهم المنفصل عن الفلانور الذي هو الراوي الحقيقي في القصيدة، «بشيء» ما نلمح آثاره في العديد من قصائد دنقل كما أشرح في هذا المقال.

نتأكد من المعرفة المدينية الموجودة في القصيدة حين يقول:

وفي سكون الليل؛ في طريق «بور توفيق»
بكيت حاجتي إلى صديق
وفي أثير الشوق: كدت أصير…ذبذبة!

فالصوت الراوي هنا يُسمّى الأماكن بأسمائها الحقيقية مثل «بور توفيق»، مما يبين أن المدينة هنا ليست عبارة عن مساحة طاردة ونافية، بل هي مكان يعرفه باسمه. ولكن هذا المكان الذي يعرفه بحميمية يشعره بالوحدة المؤلمة حد البكاء لأنه ليس فيها من صديق. هنا نجد تقاربًا بين هذا المُتجوّل الوحيد والعلاقة التي يصفها بنيامين بين الفلانور والحشد، أي المدينة. فدياليكتية هذه العلاقة تظهر في أن الراوي في القصيدة ينتمي إلى حد الالتحام مع المدينة ولكنه في الوقت نفسه يشعر بوحدة موجعة في ليلها. إلّا أن المدينة، على عكس الانطباع الأولي الذي تبثه القصيدة، غير متنكرة أو نافيه له. يظهر ذلك في قوله: «وفي أثير الشوق: كدت أصير ذبذبة!» ليُتمّ هذا البيت عملية الالتحام مع المدينة، إذ أن المتجول يتحول إلى ذبذبة، أي أثر زائل لوجود سابق، تمامًا كما هي المدينة دخانية ضبابية بخارية. يستعين إدموند بمصطلح آخر قريب بخصوص شعر المنفى الصيني وهو «الشبح الحي».[25] فالراوي هو مجرد أثر للحركة كما هي المدينة مجرد أثر للدفء والاحتراق. المدينة لا تنقذ المتجول، لأنها، مثله تشارف على الاختفاء فلا يبقى من كليهما إلّا آثار لوجود سابق. نتأكد هنا من صدق الرواي وصراحته عندما قال في مطلع القصيدة أنه يعرف هذه المدينة. في قصيدة أخرى بعنوان «يوميات كهل صغير السن» يصف دنقل شعور الموت في الحياة فيقول في مطلع القصيدة «أعرف أن العالم في قلبي…مات!» حيث يوثق بعد ذلك محاولاته الكثيرة لاسترداد الحياة في جثته الشمعية. وعند وجوده في الخارج يقول:

في الشارع….
أتلاقى -في ضوء الصبح- بظلي الفارغ:
نتصافح… بالأقدام!

الشارع هنا، الذي يشكل موطئ القدم الحرفي عند فلانور بنيامين والذي يمارس فيه فضوله نحو المدينة أو الحشود الشبحية، هو، بالنسبة للصوت الراوي في هذه القصيدة التمثيل البصري للوجود الذبذبي له، والذي يتمم تلاشيه في المدينة ومعها. الشاعر هنا يلتقي بظله ولكن نقطة الالتقاء هي عند الأقدام فحسب. فهذا الظل، أي التعريف البصري لوجوده ، فارغ مثله وليس له رغبة بالتقارب والتعاطف. يتلاشى المتجول في الشوارع ولكن بصمت يعجز أن يثقب خواء المدينة. يميز هذا الإبعاد عن الحدث أو المكان صوت الراوي (أو الرواة) في قصائد دنقل، الذي، بحسب الباحث حازم شحاتة، يعكس التجربة الشعرية العربية في «إدخال العين كمتلق محايد».[26] يعزز تناقضية التوحد والالتحام الحزين (مع المدينة أو النفس أو الحشد) «النسيج الهوموفوني»[27] في قصائد دنقل والمعني بها سماع لحنيْن مختلفين في نفس اللحظة في بعض قصائد دنقل التي تحتوي على شطرين متزامنين «حيث لا يمكن لفرد واحد أن يقرأها دون أن يقوم بالتلوين الصوتي المناسب لإعطاء الإيحاء بأن الصوتين يصدران بنفس اللحظة».[28] فنشعر، إذن، في قصائد دنقل بوجود آخر إلى جانب راوي القصيدة؛ وجود غير معترف به أو مصرح عنه لكيان آخر يكمل الراوي في أفكاره ولكن ليس في وجوده الفعلي.

يظهر هذا التحلل في المدينة في قصيدة أخرى له بعنوان «إجازة فوق شاطئ البحر» يقول فيها:

نجرؤ أن نتساءل «هل نحن موتى»؟!
وجولاتنا في الملاهي،
اهتزازاتنا في الترام،
تلاصقنا في ظلام المداخل،
ذبذبة النظرات أمام المعارض والعابرات الرشيقات،
مركبة الخيل حين تسير الهوينى بنا،
الضحكات، النكات:-
بقايا من الزبد المر… والرغوة الذاهبة؟!!

إلى من يشير هنا دنقل؟ إلى حشد شبحي كما يحلو للفلانور الغربي أن يفعل؟ كلا. فهو قد عايش هذا الحشد بمادية ملموسة: جال معه في الملاهي، وصعد معه الترام، وانتظر معه في الأروقة المظلمة. يذكرنا دنقل هنا بمخالتطنا نحن بروح المدينة وجسدها وليس هو وحده، فتتحول تجربته الفردية في التفاعل مع المدينة إلى تجاربنا نحن. يقول «جولاتنا» و«اهتزازاتنا» و«تلاصقنا»، فيصبح الشاعر هو الراوي والراوي هو الحشد والحشد هو القارئ، أي نحن. يسأل دنقل، إن كنا نجرؤ أن نطعن في وجودنا؛ فهل نحن موتى؟ يجيبنا في النهاية أننا فعلًا كذلك: مجرد بقايا من الزبد المر والرغوة الذاهبة. يعكس هذا المقطع من قصيدة الشاعر المصري نموذج المتمشي في شعر المنفى الصيني وعلى الأخص الشاعر يانغ ليان: المتمشي دائم الوحدة ودائم التحرك في مدن مهجورة من الناس والتي تشكل نقيض المدن المليئة بالحشود التي هي موطئ قدم الفلانور». [29]

كما يعكس المقطع السابق حِرفية دنقل في صوغ القصيدة الغندرماية على حد تعبير الحاج، والتي تتميز «بموت الفردية وظهور الشخصية الجماعية، فلم يعد الشعر [فيها] بوحًا ذاتيًا»،[30] خالقًا بذلك «الأنا الجمعية»[31] والتي نشهدها في إدراجنا نحن تحت تجربة الشاعر الشخصية؛ الأمر الذي يحيل بذلك شعور الغربة المتدفق لشعور جمعي بدلًا من تجربة فردية. تكمن هنا حرفية دنقل الشعرية، إذ أنه حوّل شعورًا فرديًا خالصًا إلى تجربة جمعية، وذلك لأنه في القصيدة الغندرامية الشخصيات هي الأعلى مرتبة وقيمة؛ «فهذه الشخصيات المتحاورة المتصارعة هي بمثابة رموز لأفكار الشاعر وأحاسيسه».[32]

يذكرني المقطع السابق بلوحات الرسام الأمريكي إدوارد هوبر والذي يوثق في أعماله مظاهر الاغتراب في المدينة. فتارة نجد امرأة يافعة تشرب القهوة لوحدها في صالة كبيرة خالية بإضاءة مقلقة أو أخرى متكئة على زجاج قطار خال يبدو أنه غير متجه إلى أي مكان أو امرأة تجلس وحدها في سرير بمواجهة نافذة كبيرة يسقط منها نور الشمس الحارقة على شكل مستطيل حاد بحواف تكاد تكون جارحة. إلّا أن غربة دنقل في هذه القصيدة مختلفة لأنها غربة نستشعرها جميعنا وأحيانًا في اللحظة نفسها على عكس نساء هوبر اللاتي يستشعرنها في الخواء الطاغي وغياب الآدميين في رأسمالية المدينة وحداثتها.

يقول دنقل في قصيدة «بكائية ليلية»:

نتوه في القاهرة العجوز، ننسى الزمنا
نفلت من ضجيج سياراتها، وأغنيات المتسولين
تظلنا محطة المترو مع المساء…متعبين.

يشرح توم ماكدونو في ورقته البحثية ازدواجية هوية الفلانور: فهو متحرٍ يراقب الحشود مطبّقًا شكلًا من أشكال الرقابة الاجتماعية ولكنه في تربّصه هذا يكون أيضًا مجرمًا أو على الأقل مشروع مجرم أو مخالفٍ للقوانين الاجتماعية.[33] لذا، هناك علاقة حِسّية تربط الفلانور بالـ«الآخر»: فالفلانور «يتزوّج الحشد ويستحم في الجموع».[34] إلّا أن الفلانور واختلافه عن الحشد بالرغم من انغماسه فيه يجعل منه مصدر خطر وقلق ولكن رغبة أيضًا.[35] فيصبح، نسبة للعلاقة التي تجمعه بالحشد ولا شفافيته مصدر قلق واضطراب.[36] إلّا أن الأبيات السابقة لدنقل تمثّل جانبًا آخر لهذه العلاقة، ناقشها ماكدونو أيضًا في ورقته، وتتضح في قوله أن قرار ممارسة الفلانورية سياسي بما أنه يمثل «رفض وقائع المدينة المعاصرة [خاصة في تخللها لاضطرابات سياسية] لصالح فانتازيا مواسية».[37] 

نشهد هذا التوق للضياع والانمساح في المدينة في سرد راوي القصيدة لتوهانه في القاهرة ونسيانه للزمن فيها. يعكس هذا السرد قدرة المدينة على التحول بين يدي الفلانور من مكان مادي إلى بعد آخر تذوب فيه دلالات المكان والزمن، محوّلًا بذلك المكان الجغرافي إلى حلم أو فانتازيا تجمعه وآخرين غيره في نسخة متخيلة عن المدينة وقاطنيها. نستشعر عند قراءة هذه الأبيات قدرة الفلانور الخارقة على التحويل والخلق والعجن. يكبر الفلانور حتى يفوق حجم دنقل ويطغى على نصوصه.

فما الذي يسبب تلاشينا في مدننا بالنسبة لدنقل؟

الهزيمة، بكل أطيافها، ثيمة تطغى على معظم أعمال دنقل، ولذا، من المحتم أن نجد تجلّيات لها عند متجوليه الحزانى في المدن العربية. يقول دنقل في قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»:

كيف حملت العار…
ثم مشيت؟ دون أن أقتل نفسي؟ دون أن أنهار؟!
ودون أن يسقط لحمي…من غبار التربة المدنسة ؟!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي… بالله… باللعنة… بالشيطان
لا تغمضي عينيك، فالجرذان…
تلعق من دمي حساءها…ولا أردّها!
تكلمي…لشد ما أنا مهان
لا الليل يخفي عورتي… ولا الجدران!
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدها…
ولا احتمائي في سحائب الدخان!

تلحق الهزيمة براوي القصيدة أينما هرب في المدينة: داخل بيوتها أو في الخارج في سواد ليلها. مجدّدًا نتصور هنا مدينة شبحية لا يسكنها إلّا هذا الرجل الوحيد والجرذان والجدران. أمّا زرقاء اليمامة، التي كانت قد حاولت أن تنبه ناسها إلى الهزيمة التي كانت ستلحق بهم فكُذِّبَت، فيحاول الراوي هنا استنطاقها، لكنّها لا تَرد عليه لأنها، كباقي سكان المدينة، ماتت. لقد فات الأوان ولحقت الهزيمة بالتربة التي أصبحت مدنّسة بعد الهزيمة. ولذا يطرأ هنا تنكّر المدينة للراوي وخلوّها الطاغي إذ أن الحركة الوحيدة التي تنم عن المدينة في هذا المقطع هو لعق الجرذان لدم الرجل. يعكس هذا المقطع ما وصفه الحاج في ورقته، ألا وهو أن «عنصر إدراك المأساة قد أوصل إليه [أي أمل دنقل كشاعر] وعيه الحاد الذي جعله يدرك حجم الهزيمة».[38] إلّا أن «الفلانور» هنا لا يتسكّع في المدينة بأريحية دانديّ باريسي ينتقي ما يحلو له من مشاهد وروائح وأفكار وتخيلات.

الفلانور في هذه القصيدة ليس متجوّلًا بل هاربًا نازحًا محمّلًا بالعار الذي يتجلى هنا في كونه، ببساطة، على قيد الحياة بعد الهزيمة. الفلانورية الغربية، إذن، هي امتياز لمن يسكنون المدن الهادئة، السالمة، والموجودة ماديًا وليس ضبابيًا. وأنه لذلك، أعني لتلاشي المدن العربية كما وصف دنقل، يصعب ظهور الفلانور الغربي كنموذج فعلي وأدبي في أحيان أخرى.

إلّا أن ألذ قصائد دنقل هي التي يُسقِط فيها موت الحب على المدينة، معززًا بذلك انطباع عجز المدينة -الذي يكاد يطابق شعوره هو بالعجز حقيقيًا كان أم متوهمًا. يقول دنقل في مطلع قصيدة «الملهى الصغير»:

لم يعد يذكرنا حتى المكان!
كيف هنا عنده؟
والأمس هان؟
قد دخلنا…
لم تنشر المائدة نحونا!
لم يستضفنا المقعدان!!
الجليسان غريبان
فما بيننا إلا.. ظلال الشمعدان!

مجددًا نشهد ذلك الانمحاء، لكن هذه المرة هو تنكر مزدوج من قبل المدينة: فهي لا تتنكر له فقط ولكن لحبه أيضًا. المكان الذي كان قد حوى حبه لا يذكره الآن، فلا يبقى في المدينة الحزينة المهجورة من الحب إلّا ظلال الشمعدان. مجددًا، لا نلمح في المدينة إلّا آثارًا للحياة، وآثارًا للاحتراق. لمن يشكي الراوي هنا تنكّر المكان له؟ ليس ثمة أحد. فنحن نعرف أن المدينة غير مأهولة، ولذلك فإن تشكّيه يضاعف من الشعور بالوحدة في المدينة وتلاشيه فيها، فحتى المقعدان ماتت فيهما بهجة الاستضافة. ومع الراوي في القصيدة هنا، أو مراقب المدينة وقاطن المكان (أي الفلانور) يشير إلى وجود أنثوي تنكر المكان له أيضًا، الا أن حضور هذه المرأة، التي ربما تكون متخيلة تمامًا، خاصة مع تخلّل القصيدة المتكرر لألفاظ مثل «هذيان» و«دخان» و«سدى»، فنحن لا نسمع صوتًا لها أو وصفًا لتجسدها الفعلي. هل تكون هذه المرأة، أو ظلها في قصائد دنقل امتدادًا لذلك «الشيء»؟ ألم يقل في قصيدة «براءة» : «أحس حيال عينيك؛ بشيء داخلي يبكي» ومن ثم في قصيدة «شيء يحترق»: «شيء في قلبي يحترق؛ إذ يمضي الوقت ونفترق». لماذا لم يسمّ دنقل هنا الأشياء بمسمياتها؟ لماذا ترك «الشيء» الذي يرمز، في كل مرة تقريبًا إلى وجود أنثوي حزين ضبابي مثله، مطلق العنان في شعره؟ لماذا يسبب ذلك «الشيء» الألم والحزن له؟ ولماذا يعمد دنقل إلى توثيق وجود هذا «الشيء» الذي لا يعرف ماهيته؟ لا نعرف ولكننا نتنبّه إلى أن وجود الشيء هذا مقرون دائمًا بوجود الفلانور في القصيدة، كأن هذا «الشيء» ليس إلّا صوت دنقل في آدميته الخالصة محاولًا اختراق الوجود الطاغي للفلانور الذي لا يفعل شيئًا إلّا مراقبة تلاشي وموت مدينته ببرود وصمت مجرمين.

يمثل الانمحاء الذي علقت عليه آنفًا طرفًا من دياليكتية وجود الفلانور كما هو معكوس في قصيدة «سوليه» من ديوان «أزهار الشر» لبودلير حيث أن «قصيدة بودلير بأكلمها مبنية من خلال عمليتي مضاعفة ومسح نموذج الفلانور؛ أي من خلال شعرية التصادم والالتقاء».[39]

يقول دنقل في قصيدة «الحزن لا يعرف القراءة»:

تأكلني دوائر الغبار.
أدور في طاحونة الصمت، أذوب في مكاني المختار
شيئًا فشيئًا…يختفي وجهي وراء الأقنعة
أعمدة البرق التي تطل من نوافذ القطار
كأنه سرب إوز أسود الأعناق
يطلق في سكينتي صرخته المروعة
ويختفي…متابعًا رحلته مع التيار!

يقول إدموند: «إن شعرية الكوكبة النصية تتجلى في منهجية الاستشهادية في «مشروع الآركيد» عند بنيامين المرموز إليها من خلال تحركات الفلانور في نص المدينة».[40]أي أنه، بالنسبة لإدموند، فإن «التمشي يصبح بحد ذاته فعل كتابي والمدينة تصبح نصًا يوجد فيها الشطر [أي شطر القصيدة] المرتبط حميميًا بنص البلد والذي يمكن، في أي لحظة أن يزدهر مثلما تفعل الورود».[41] نشعر بذلك في الأبيات المنقولة فوق إذ أن صوت الراوي أو الفلانور فيها يبعد رويدًا رويدًا عنّا في تصوّرنا لمشهد ابتلاعه من قبل المدينة على نحو بطيء. تعكس العلاقة التي تربط الفلانور بوجهه (أي هويته أو كيانه) هنا علاقة مغايرة لها وهي علاقة الفلانور بالحشد، حيث يتحدث ماكدونو في ورقته عن جزئية «محو أثار الفرد في حشد المدينة الكبيرة».[42] والتي تتمثل في «قدرة الجموع على حماية المجرم من دون إدراك لذلك».[43] الراوي في هذه القصيدة يخاف من وجهه الذي اتخذ لنفسه كيانًا منفصلًا عنه هدفه ترويع الراوي المبتور ثم التخلي عنه. المجرم هنا هو الفلانور نفسه. إلّا أن هذا الانفصال المروّع والبتر والترهيب أمور تضاعف من فجيعة التلاشي لدى الفلانور، إذ أن عملية الانسلاخ هنا تتخذ مناح جسدية وميتافيزيقية وحداثية أيضًا، فهو قد تلاشى في المدينة للحد الذي شوه كيانه على كل الصعد.

إلّا أن دنقل يرفض أن يترك المدينة. نسمع صوته الجريح بشكل مباشر عند اعترافه في قصيدة «مقابلة خاصة مع ابن نوح»:

كان قلبي الذي نسجته الجروح
كان قلبي الذي لعنته الشروح
يرقد ـالآن- فوق بقايا المدينة
وردة من عطن
هادئًا…
بعد أن قال «لا» للسفينة
وأحب الوطن!

يسترجع هنا دنقل صوته تمامًا ويعلن أنه يرفض الرحيل عن المدينة التي قتلته. قلبه الآن هادئ، أخيرًا، بعد الصراع الطويل معها لأنه قال «لا» فظل روحًا أبدية الألم.

  • الهوامش

    [1] Walter Benjamin and Rolf Tidermann, The Arcades Project, Cambridge, Mass: Belknap Press, p.347

    [2] Benjamin, The Arcades Project, p.417

    [3]Benjamin, The Arcades Project, p.443

    [4] Ibid.

    [5] Ibid.

    [6] Benjamin, The Arcades Project, p.895

    [7] Evgeny Morozov, «The Death of the Cyber Flaneur» in The New York Times

    [8] Bijan Stephen, «In Praise of the Flâneur», in The Paris Review

    [9] Stephen, «In Praise of the Flâneur»

    [10]Stephen, «In Praise of the Flâneur»

    [11]Jacob Edmund, «The Flâneur in Exile», Comparative Literature Review, Vol 62 (4), 2010, p.377

    [12]Edmund, «The Flâneur in Exile», p.377.

    [13] Ibid.

    [14] Ibid.

    [15] Edmund, «The Flâneur in Exile», p.388.

    [16] تشير الغندرامية إلى القصيدة الغنائية الدرامية

    [17] فوزي الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية: قراءة نقدية في بعض شعر أمل دنقل»، كلية الآداب في جامعة الأزهر، فلسطين، الصفحة 350

    [18] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية»، صفحة 351

    [19] السابق

    [20] Tom McDonough, «The Crimes of the Flaneur», The MIT Press Vol. 102, 2002, p.106

    [21] البانوبتيكون هو بناء مؤسسي صمم من قبل الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بينثام في القرن الثامن عشر والذي يخول السجان مراقبة مئات السجناء من نقطة وقوفه في برج وسط البناء. استعار لاحقا ميشيل فوكو فكرة هذا البناء ليبني نظريات متعددة حول المراقبة وموازين القوى السلطوية

    [22] Edmund,«The Flâneur in Exile», p.385.

    [23] Ibid.

    [24] Ibid.

    [25] Edmund,«The Flâneur in Exile», p.386.

    [26] «حازم شحاتة «التشكيل المكاني وإنتاج المعنى: الصفحة الشعرية عند أمل دنقل

    [27] حازم شحاتة، «التشكيل المكاني»، صفحة 52

    [28] السابق

    [29] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية»، صفحة 386

    [30] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية» صفحة 347

    [31] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية» صفحة 349

    [32]الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية» صفحة 348

    [33] McDonough. «The Crimes of the Flaneur». p. 106

    [34] Ibid

    [35]McDonough. «The Crimes of the Flaneur». p. 107

    [36] McDonough. «The Crimes of the Flaneur». p. 104

    [37] McDonough, «The Crimes of the Flaneur», p.103

    [38] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية»، صفحة 351

    [39] الحاج، «التشخيص في القصيدة الغندرامية»، صفحة 381

    [40] Edmund,«The Flâneur in Exile», p.377

    [41] Edmund,«The Flâneur in Exile», p.382.

    [42] McDonough. «The Crimes of the Flaneur». p. 105.

    [43]Ibid.