حين نستيقظُ نحن الموتى: القراءةُ بصفتها مراجعة

الخميس 06 آب 2020
تصميم ندى جفّال.

كُتبت هذه الورقة لهيئة جمعية اللغات الحديثة MLA، حول وضع النساء في المهنة، وقُرِأت في اجتماعات الجمعية في كانون الأول 1971.

مسرحية إبسن «حين نستيقظ نحن الموتى»[1] هي مسرحيةٌ عن استغلالِ الرجل الفنّان والمفكّر -وفق نهجِ صناعةِ الثقافة كما نعرفه- للنساء في حياته وأعماله. مسرحيةٌ عن تيقّظ المرأة، تيقّظًا بطيئًا ومُناضلًا، باستغلالِ الرجل لحياتها. كتب برنارد شو عن هذه المسرحية عامَ 1900م:

[إبسن] يُرينا أنّ لا انحطاطَ -ابتُكر أو سُمح به يومًا- أكثرُ كارثيّةً من هذا الانحطاط؛ الذي من خلاله يمكنُ أن تموتَ النساءُ متحولّاتٍ إلى رفاهيةٍ للرجال إلا أنّ بإمكانهنّ أيضًا أن يقتلنهم. لقد بدأ الرجالُ والنساءُ يعون هذا الأمر. وما نترقّب حدوثه، بصفته الحدثَ الأكثر إثارةً للاهتمام من بين كل التطوّرات الاجتماعية الوشيكة، هو ما سيحدثُ «حين نستيقظ نحن الموتى».[2]

إنّه لأمرٌ مُبهِجٌ أنْ نكون أحياء في زمن الوعي المتيقّظ، إلا أنّه قد يكونُ مُحيّرًا، مربكًا، ومؤلمًا كذلك. تيقّظُ هذا الوعي الميّت أو النائم قد أثّر بالفعل على حياة ملايين النساء، حتى أولئك اللاتي لم يُدركن ذلك بعد. وهو يؤثّر أيضًا في حياة الرّجال، حتى أولئك الذين ينكرون دعواه ضدّهم.

سيستمرُّ الجدالُ فيما إذا كان النظامُ الاقتصاديُّ الطبقيُّ القمعيُّ هو المسؤول عن الطبيعةِ القمعيّة للعلاقاتِ بين الرجال والنساء، أو إذا كان، في الحقيقة، النظامُ الطبقيّ الجنسيّ هو النظام الأصلي الذي أُسّست بناءً عليه كلُّ الأنظمةِ الأخرى. ولكن في السنوات القليلة الماضية قد استُنتجت تلك الصّلات بين حيواتنا الجنسيّة ومؤسّساتنا السياسيّة، وهي صلاتٌ تُسلّط الضوءَ على الأمر ولا يمكنُ الفرارُ منها. المُسَرْنمون[3] يستيقظون الآن، ولأوّل مرّةٍ صار لهذه اليقظةِ واقعٌ جمعيّ؛ لم يعد عملًا وحيدًا أنْ يفتحَ المرءُ عينيه.  

نحتاج أنْ نعرفَ كتابةَ الماضي، وأنْ نعرفها على نحوٍ مختلفٍ عمّا عرفناه يومًا؛ ليس من أجل توريث تقليدٍ [ثقافي]، وإنّما لهدمِ سلطته علينا.

إنّ إعادة النظر[4] -فعلَ الالتفاتِ إلى الوراء، النظرَ بعينين مُنتعشتين، الدخولَ إلى نصٍّ قديمٍ من منظورٍ نقديّ جديد- هو بالنسبة لنا أكثرُ من مجرّدِ فصلٍ في التاريخ الثقافي: إنّه فعلُ نجاة. لنْ نستطيعَ معرفةَ ذواتِنا إلى أن نتمكّن من فهم الافتراضات التي غرقنا فيها. وهذا الدافعُ إلى معرفة الذّات، بالنسبة للمرأة، هو أكثرُ من مجرّد بحثٍ عن هُويّة: إنّه جزءٌ من رفضِها تدميرَ الذّاتِ في مجتمعٍ ذي هيمنةٍ ذكوريّة.

إنّ نقدًا راديكاليًّا للأدب، نسويًّا في باعثِه، قد يتعاملُ مع النصّ -قبل كلّ شيء- بصفته دليلًا على الكيفيّة التي نعيشُ بها [الآن]، والكيفيّة التي عشنا بها [في الماضي]، والكيفية التي دُفعنا بها إلى تخيّلِ أنفسنا، دليلًا على كيفية محاصرة لغتنا لنا وتحريرها إيانا في ذات الوقت؛ وعلى أننا نستطيع أن نبدأ بالإبصار، وبالتالي، نحيا من جديد. إحداثُ تغيير في مفهومِ الهُويّة الجنسيّة أمرٌ ضروري حتى لا نرى النظامَ السياسيَ القديم يُعيد ترسيخ نفسه في كلّ ثورةٍ جديدة. نحتاج أنْ نعرفَ كتابةَ الماضي، وأنْ نعرفها على نحوٍ مختلفٍ عمّا عرفناه يومًا؛ ليس من أجل توريث تقليدٍ [ثقافي]، وإنّما لهدمِ سلطته علينا.

بالنسبة للكتّاب، وفي هذا الوقت للنساء الكاتبات على وجه الخصوص، ثمة تحدٍّ ووعدٌ باستكشافِ جغرافيا نفسيّة جديدة كليًّا. ولكنْ ثمّة أيضًا مشيٌّ صعبٌ وخطيرٌ فوق الجليد، إذ نحاولُ العثورَ على لغةٍ وصورٍ لوعيٍ بدأنا باعتناقه للتوّ، ولا يُعيننا على ذلك من الماضي إلا القليل. أرغبُ في الحديث عن بعض جوانب هذه الصعوبة وهاتهِ الخطورة.

جين هاريسون، باحثة الأنثروبولوجيا الكلاسيكيّة العظيمة، كتبت عام 1914م في رسالةٍ إلى صديقها غيلبِرت موري:

بالمناسبة، فيما يخصُّ «النساء»، لطالما ضايقني أمرٌ ما، لمَ لا تريدُ النساء أبدًا أن تكتبَ الشعر عن الرجلِ بصفته جنسًا – لماذا المرأة[5] حلمٌ ورعبٌ بالنسبة للرّجلِ وليس العكس؟ (..) أهو مجرّدُ عُرفٍ واحتشام، أم أنّ الأمرَ أعمقُ من ذلك؟[6]

أظنُّ أنّ سؤالَ جين هاريسون يتوغّل عميقًا في التقليّد [الثقافي] لصناعة الخرافة، التقليّد [الثقافي] الرومنسي، عميقًا فيما تعنيه المرأةُ للرّجلِ وما يعنيهِ الرجلُ لها، عميقًا في نفسيّة المرأة الكاتبة. عند تأمّلي في ذاك السؤال، شرعتُ أفكّر في أعمال شاعرتين اثنتين من القرن العشرين: سيلفيا بلاث ودايان واكوسكي.[7] لقد أذهلني في شِعر الاثنتين أنّ الرجلَ يظهرُ بصفته هوسًا أو رعبًا، ما لم يكن حُلمًا، وأنّ مصدرَ هذا الهوس أو الرّعب هو، ببساطةٍ، سلطةُ الرجل في الهيمنة على المرأة، والاستبداد بها، سلطتُه في اختيارِ امرأةٍ أو رفضها.

يبدو أنّ كاريزما الرجل تتأتّى على نحوٍ محضٍ من سُلطتهِ على المرأة وتحكّمه في العالم بالقوة، لا من أيّ شيءٍ خصبٍ أو مانحٍ للحياة في داخله. ولكن، في أعمال هاتين الشاعرتين، نجدُ في النهاية أنّ إحساسَ المرأةِ بذاتها -المحاصَرة، المسكونة- هو ما يمنحُ الشعرَ شُحنتَه الديناميكية. إحساسها بذاتها هو ما يهبُ الشعرَ إيقاعاته؛ إيقاعات النّضال، الحاجة، الإرادة، والطاقة الأنثوية. العُرف والاحتشام ربّما ليستا الكلمتين المناسبتين، ولكن حتى وقتٍ قريب لم يكنْ هذا الغضبُ الأنثويُّ وهذا الوعيُ المحتدُّ بسلطة الرجل على المرأة الشاعرة من الأدوات المتاحة لها؛ لقد كانت تميلُ إلى الكتابةِ عن الحبِّ بصفته مصدرَ معاناتها، وإلى النظر في ذلك الأذى الناتجِ عن الحبّ كما لو أنّه قدرٌ حتميّ، أو كانت -أي المرأة الشاعرة- تُبقي العلاقات الجنسيّة بعيدةً عن قصائدها بمسافةٍ محسوبةٍ ومصقولة، مثل ماريان مور وإليزابيث بيشوب.[8]

إحدى الإجابات على سؤال جين هاريسون لا بدّ أنّ تكون أنّ الرجالَ والنساءَ، تاريخيًّا، قد لعبوا أدوارًا مختلفةً جدًا في حيواتِ بعضهم بعضًا. فبينما كانت المرأةُ رفاهيةً للرجل، تؤدّي دورَ مودِل الرسّام ومُلهمة الشاعر، إلى جانبِ دورها مواسيةً، مُمرّضة، طبّاخة، حاملة بذرته، سكرتيرته، وناسخةَ مخطوطاته، كان الرجلُ يؤدّي دورًا مختلفًا تمامًا للمرأة الفنّانة. يروي هنري جيمس عن الكاتب بروسبير ميريميه حادثةً حصلتْ معه حين كان يقيمُ مع جورج صاند،[9] إذ إنه:

فتح عينيه ذات مرّةٍ، فجرَ شتاءٍ غِرّ، ليرى رفيقته، في رداءِ النوم، على ركبتيها قبالةَ موقدِ البيت؛ بجوارها شمعدان وتلفّ حول رأسها وشاحًا أحمر،[10] تُوقد بشجاعةٍ، بكلتا يديها، النار التي ستُمكّنها من الجلوس باكرًا لكتابةٍ مُلحّة. القصّةُ تُصوّره على أنّه شعر بأنّ المشهد فتّرَ مشاعرَه إزاءها وأثار استهجانه. كان مظهرُها بائسًا، عملها لا يُعبأ به، وجُهدها توبيخًا، فكانت نتيجةُ كلِّ ذلك انزعاجًا جليًّا وانفصالًا مبكرًا.[11]

ما أقترحُه هو أنّ شبحَ هذا النوع من الأحكامِ الذكوريّة، إضافةً إلى التثبيطِ الفعليّ لحاجاتِ المرأة وعرقلتها من قِبل ثقافة يتحكّمُ بها الرجال، قد أدّى إلى خلقِ مشاكلَ للمرأةِ الكاتبة: مشاكل في التواصلِ مع ذاتها، مشاكل في اللّغةِ والأسلوب، مشاكل تتعلّق بالحيويّة والنجاة.

حين أعدتُ قراءة غرفة خاصة بالمرءِ وحده لفرجينيا وولف،[12] للمرّة الأولى منذُ بضعِ سنوات، أدهشني ما لمسته من سعيٍ حثيثٍ، وجهدٍ مبذولٍ، وتردّدٍ ملحاحٍ في لهجة تلك المقالة. لقد ميّزتُ تلك اللهجة؛ فقد سمعتها بما يكفي، عندي وعند نساء أخريات. إنّها لهجةُ امرأةٍ تكادُ أن تكونَ على اتّصالٍ مع غضبها، امرأةٍ مُصمّمةٍ على ألّا تبدو غاضبةً، امرأةٍ تفرضُ على نفسها إرادةَ أن تكون هادئةً، منفصلة، بل حتى ساحرةً في غرفةٍ مليئةٍ بالرجال، غرفةٍ سبق أن قيل فيها ما يطعنُ في نزاهتها.

تخاطبُ فرجينيا وولف جمهورًا من النساء، ولكنّها واعيةٌ على نحوٍ حاد -كما كانت دائمًا- بأنّ الرجال يختلسون السمعَ أيضًا: يسمعها مورغان وليتون ومينارد كينيز، وحتى والدها ليلزي ستيفن. لقد نسجت فرجينيا من اللغة خطابًا محتدًّا بسبب إصرارها على أنْ تمتلكَ إحساسَها الخاصّ بها؛ إحساسًا أرادت أن تحميَهُ من ذلك الحضور الذكوري. في لحظاتٍ نادرةٍ فقط في تلك المقالة نستطيعُ سماعَ الشغفِ في صوتها؛ لقد كانت تحاولُ أن يكونَ صوتُها برزانةِ صوت جين أوستن، وبهيبة صوت شيكسبير،[13] لأنّ هذه هي الطريقة التي يرى رجالُ الثقافة أنّ على الكاتب أو الكاتبة التحدّثَ بها.

لم يكتب أيٌّ من الكتّاب الذكور للنساء بشكلٍ أساسيّ ولا حتى بشكلٍ غالب، بل لم يكتب أحدٌ منهم آخذًا بعين الاعتبار النقد النسويّ عند اختيار موادّ عمله، وثيماته، ولغته. لكنّ كلَّ امرأةٍ كاتبة كتبتْ للرجال، بقدرٍ أو بآخر، حتى حين كان من المفترض أنّها، مثل فرجينيا وولف، تخاطبُ نساءً. إذا وصلنا إلى النقطة التي قد يبدأُ عندها هذا الوضع بالتغيّر، -أي حين يصيرُ باستطاعة النساء التوقّفُ عن كونهنّ مسكوناتٍ  لا بـ«العرف والاحتشام» فقط، بل حتى بمخاوفهنّ الدفينة من أن يكُنّ أنفسَهنّ ويتحدّثن بأصواتهنّ-، فستكون إذن لحظة استثنائيّة  للمرأة، كاتبةً كانت أو قارئة.

لقد ترددتُ في فعل ما سأفعله الآن، وهو أن أستخدم نفسي مثالًا. أحدُ أسباب تردّدي هو أنّه من الأسهل والأقلِّ خطورةً التحدّثُ عن كاتبات أخريات. ولكن ثمة شيءٌ آخر. أنا واعية، مثل فرجينيا وولف، بالنساء اللاتي لسن موجودات معنا هنا لأنهنّ يغسلن الصحون ويعتنين بالأطفال. حتى بعد مرور خمسين عامًا من حديثها، ما زال ذاك الواقعُ قائمًا إلى حدٍّ كبير. أفكّر أيضًا في نساء أغفلت [فرجينيا وولف] ذكرهنّ كليًّا – نساء يغسلن صحون أناسٍ آخرين ويعتنين بأطفال أناسٍ آخرين، ناهيك عن النساء اللاتي نزلن إلى الشوارع في الليلة الماضية من أجل إطعام أطفالهنّ.

ثمّة بصيرةٌ ذات أهميّة تمخّضت عن حراكِ المرأة الراديكالي، بالنسبة لي، تتمثّل في الكشف عن مدى إقصائيّة وتدميريّة خرافة المرأة المميّزة، التي هي أيضًا المرأة الرّمز.

يبدو أنّنا نساءٌ مميَّزات هنا، لطالما أحببنا التفكيرَ في أنفسنا على أنّنا مميّزات، ونحن نعرفُ أنّ الرجالَ سيتقبّلون بل قد يُرمسنون تميّزنا، ما دامت كلماتُنا وتصرّفاتنا لا تهدّد امتيازهم الذي يسمح لهم بتقبّلنا أو رفضنا وفقًا لتصوّراتهم هم عن المرأة المميّزة. ثمّة بصيرةٌ ذات أهميّة تمخّضت عن حراكِ المرأة الراديكالي، بالنسبة لي، تتمثّل في الكشف عن مدى إقصائيّة وتدميريّة خرافة المرأة المميّزة، التي هي أيضًا المرأة الرّمز. كل واحدةٍ منّا في هذه الغرفة قد تمتّعت بحظٍّ عظيم، إنّنا معلّمات، كاتبات، أكاديميات، ومع ذلك لا يمكنُ أن تكون مواهبنا الذاتية كافية؛ لأن جميعنا نعرف نساءً دُفنت مواهبهنّ أو أُجهضت. نضالاتنا لن يكون لها معنى إلّا إذا استطاعت أن تساعدَ في تغيير حيوات النساء اللاتي مازالت مواهبهنّ تُقمع -بل حتى كينونتهنّ ذاتها.

شخصيًّا، تمثّل حظي في كوني وُلدت لعائلةٍ بيضاء من طبقة متوسطة، في بيتٍ مليءٍ بالكتب، لأبٍ شجّعني على القراءة والكتابة. هكذا، ولقرابة 20 عامًا، كتبتُ لرجلٍ مُعيّن، وجّه لي النقد والثناء وجعلني أشعر أنّني «مميّزة» بالفعل. الجانب الآخر لهذا الأمر، بالطبع، كان أنني حاولتُ لوقتٍ طويل أن أُرضيَه، أو بالأحرى ألّا أُثيرَ استياءه. ثم بالطبع كان فيما بعد رجالٌ آخرون -كتّاب، أساتذة: الرجل، الذي لم يكن رعبًا ولا حلمًا وإنما سيّدًا أدبيًّا وسيّدًا بطرقٍ أخرى الاعترافُ بها أقلُّ سهولةً.

كانت هناك كلُّ تلك القصائد عن النساء التي كتبها الرجال: كان يبدو أمرًا مُسلّمًا به أن يكتبَ الرجالُ قصائد غالبًا ما تسكنها النساء. هؤلاء النساء تقريبًا كُنّ دائمًا جميلات، ولكنّهن مُهدّداتٌ بفقدانِ الجمال، وبخسارة الشباب – كلا الأمرين مصيرٌ أسوأ من الموت. أو كنّ -أي نساء القصائد- جميلات فقدن حياتهنّ في الصغر، مثل لوسي وليونور، أو أنّ المرأة كانت مثل مود غون،[14] قاسية ومخطئة على نحوٍ كارثيّ، وقد عاتبتها القصيدة لأنها رفضت أن تصير ترفًا للشاعر.

 يُقال الكثيرُ اليوم عن تأثير خرافات وصور النساء علينا جميعًا، -نحن نواتج الثقافة-. أظنُّ أنّ الأمر قد أحدثَ تشويشًا فارِقًا للفتاة أو المرأة التي تحاولُ أن تكتب، ذلك أنها عرضةٌ للتأثّر باللغة على نحوٍ خاص. إنها تلجأُ إلى الشعر أو إلى القصّة والرواية باحثةً عن طريقتها للوجود في العالم؛ لأنّها هي أيضًا كانت تنحتُ الكلمات والصور. إنّها تبحثُ بتشوّقٍ عن دلائل، ترسمُ خرائطَ للاحتمالات، ومرّةً تلو الأخرى، في «الطاقة الذكوريّة الكاسحة للكلمات» في الأدب، تصطدمُ بشيءٍ يمثّلُ الضدّ من كل شيءٍ هي عليه: تلتقي صورة المرأة في كتبٍ كتبها رجال. تجدُ رعبًا وحلمًا، تجدُ وجهًا جميلًا شاحبًا، تجد [قصيدة] [15]La Belle Dame Sans Merci (المرأة الجميلة عديمة الرحمة)، تجد جولييت أو تِس أو سالوميه. ولكن ما لا تجدُه، بالتحديد، هو تلك الكائنة المستغرقة الكادحة المتحيّرة والمُلهَمة أحيانًا: لا تجد ذاتها التي تجلس إلى مكتبٍ محاولةً أن تنسجَ الكلمات.

فما الذي تفعله إذن؟ ما الذي فعلته أنا؟ قرأتُ الشاعرات القديمات، بما فيهنّ من فِراسةٍ وازدواجيّة: سافو، كريستينا روزيتي، إيميلي ديكنسون، إيلينور ويلي، إدنا ميلاي، إتش. دي. فاكتشفتُ أن الشاعرة التي حازت الإعجاب الأعظمَ في زمنها (من قِبَل الرجال) كانت ماريان مور، التي كانت عفيفةً، أنيقةً، مثقّفةً، ومُتحفّظة. ولكن حتى عند قراءتي لهؤلاء النساء، كنتُ أبحثُ فيهنّ عن ذاتِ الأشياء التي وجدتها في شعر الرجال، لأنني أردت للشاعراتِ أنْ يكُنّ مساوياتٍ للرجال، والمساواةُ في ذلك الوقت كانت ما تزال ملتبِسةً بمفهوم المماثلة.

أعلم أنّ أسلوبي قد شكّله ابتداءً الشعراءُ من الرجال: الرجال الذين كنتُ أقرأهم حين كنت طالبةً جامعيّة: فروست، ديلان توماس، دون، أودن، مكنيس، ستيفينز، ييتس الشيء الأساسيّ الذي تعلمته منهم كان الصَّنعة. لكنّ القصائدَ مثلُ الأحلام: نضعُ فيها ما لا نعرف أنّنا نعرفه. حين أُعيد النظر في القصائد التي كتبتها قبل بلوغي سنّ الواحد والعشرين، أُذهَل؛ لأنّ تحت الصَّنعةِ الواعية لمحاتٍ من الفصام الذي كنت أختبرُه حتى ذلك الحين: الفصام بين الفتاة التي تكتبُ الشعرَ وتجدُ هويّتها في هذه الكتابة، وبين تلك التي كانت تُعرّفُ نفسَها من خلال علاقتها بالرجال. قصيدة «نمور العمة جينيفر» -التي كُتبت حين كنتُ طالبةً- قصيدةٌ  تعالجُ هذا الفصام، ولكنها تترفّعُ عنه بشكلٍ مُتعمّد:

تمشي نمورُ العمّة جينيفر بخطواتٍ واسعةٍ عبر لوحة،
كائناتٌ ياقوتيّة متلألئة في عالمٍ أخضر.
لا تهابُ الرجالَ الجالسين تحت الشجرة؛
تخطو بانسيابيّةٍ وبثقةٍ شُجاعة.
ترتعِشُ أصابعُ العمّة جينيفر بين حبالِ صوفها
حتى الإبرةُ العاجيّةُ يصعُبُ عليها سحبُها.
الوزنُ الهائلُ لخاتمِ زفافها من العمّ
يتربَّعُ ثقيلًا على يدها.
حين تموتُ العمّة، سترقدُ يداها الخائفتان
وهما ما تزالان مُحاطَتين بمِحنٍ استبدّت بها
النّمورُ في اللّوحةِ التي صنعَتها
ستتابعُ المشيَ، مطمئنّةً عالِيةَ الرّأس.[16]

حين كتبتُ هذه القصيدة، رزينةً وهادئةً مثلما تبدو، كنتُ أعتقدُ أنني أرسمُ لوحةً لامرأةٍ من نسج الخيال. ولكن ما تعاني منه هذه المرأة هو التناقضُ بين خيالها الذي تنسجُه في حياكتها، وبين أسلوب حياتها «المحاطةِ بمحن تستبدّ بها». كان يهمُّني أن تكونَ العمّةُ جينيفر مختلفةً عني قدرَ المستطاع، مُبعَدةً عنّي ببنيةِ القصيدة، وبلهجتها الموضوعيّة المتيقّظة، بل حتى بتصويري لها على أنّها من جيلٍ مُختلِف.

في تلك السنواتِ كانتْ بنيةُ القصيدةِ جزءًا من الاستراتيجيّة؛ -كما لو أنّها قفّازات واقية-، سمَحتْ لي بتناولِ موادٍّ لم أكنْ لأستطيعَ تناولَها بيديّ المُجرّدتين، (استراتيجيّة أخرى استخدمتها لاحقًا كانت بأن أتقمّصَ شخصيّة رجل، مثلما فعلتُ في قصيدة «الخاسر»). أنهيتُ دراستي الجامعية، نشرتُ كتابي الأول بضربةِ حظٍّ أو هكذا خُيِّل لي، وأنهيتُ علاقةً غراميّةً. توظّفتُ، عشتُ لوحدي، تابعتُ الكتابةَ، ووقعتُ في الحُبّ.

كنتُ شابّةً مفعمةً بالطاقة، وبدا أنّ [نشرَ] كتابي الأوّل كان إقرارًا من الآخرين بأنّي شاعرة. ولأنّني كنتُ مُزمِعةً على أن أحظى بحياةٍ «كاملةٍ» لامرأة، اندفعتُ في أوّل عشرينيّاتي نحو الزوّاج وأنجبتُ ثلاثةَ أطفالٍ قبل بلوغِ الثلاثين. لم يكُن ثمّة ما يحذّرُني جِهارًا في محيطي. كانت تلك أيّامُ الخمسينيّات، وفي ردّةِ فعلٍ على الموجةِ النسويّة السابقة، صارتْ نساءُ الطبقةِ الوسطى يمتهنّ المثاليّةَ المنزليّة: فكُنّ يعمَلْنَ من أجلِ إرسالِ أزواجِهنّ لمدارسَ احترافيّةٍ، ثم يتقاعَدْن للعنايةِ بأُسَرٍ كبيرة. كان الناسُ وقتها ينتقلون إلى ضواحي المُدن، وكانت التكنولوجيا في طريقها لتصيرَ الحلّ لكلِّ شيء، حتى الجنس.

كانت الأُسرةُ في أوجِ مجدِها، فقد امتلكت الحياةُ وقتها خصوصية عالية، وعاشت النساءُ معزولاتٍ عن بعضهنّ بحكم ولائهنّ لمسؤوليّاتهنّ الزوجيّة. عندي إحساسٌ بأنّ النساءَ لم يكُنّ يتحدّثن مع بعضهنّ كثيرًا في الخمسينيّات، لا عن فراغهنّ السريّ، ولا عن خيباتِ آمالهنّ. أمّا أنا، فقد تابعتُ محاولاتِ الكتابة؛ كتابي الثاني وطفلي الأول خرجا إلى النور في ذاتِ الشّهر. كنتُ قد فقدتُ رضايَ عن قصائدي في ذلك الكتاب، حتى قبلَ أن يُطبع؛ فقد بدت لي مُجرّد تدريباتٍ على قصائدَ لم أكتبها بعد. ورغم ذلك، لقد مُدح الكتاب «لكِياسته الرشيقة»؛[17] كنتُ زوجةً وأمًّا. لو أنّ شكوكًا راودتني، لو أنني مررتُ بفتراتِ اكتئابٍ خامدٍ أو يأسٍ عاصفٍ، فلا بدّ أن هذا يعني أنّني جاحدةٌ ، وأنّ إرضائي مُستحيلٌ، ولربّما كنتُ مسخًا.

في الوقتِ الذي أنجبتُ فيه طفليَ الثالث، تقريبًا، شعرتُ أنّه من الواجبِ عليّ إمّا أنْ أعدَّ نفسي امرأةً وشاعرةً فاشلة أو أنْ أحاولَ إيجادَ توليفةٍ ما أستطيعُ من خلالها فَهْمَ ما يحدثُ لي. كان أكثر ما أرعبني هو إحساسي  بالانجراف، بأنّ شيئًا ما يسحبُني في تيّارٍ سمّى نفسَه قدري؛ كان يبدو أنّني أفقدُ فيه التواصلَ مع الشخص الذي كنته، مع الفتاة التي اختبرَت إرادَتها وطاقَتها، حدّ النشوةِ أحيانًا، متجوّلةً في مدينةٍ أو راكبةً قطارًا في اللّيل، أو جالسةً تكتبُ في غرفةِ الطلبة. في قصيدة كتبتُها عن جدّتي قلتُ (عن نفسي): «فتاةٌ شابّة، يُظنّ أنّها نائمة، سُجّلت متوّفاة».[18] 

كنتُ أكتبُ بشكلٍ شحيح جدًّا، كان ذلك جزئيًّا بفعلِ الإعياء، -إعياء المرأةِ الناتجِ عن غضبها المكبوت وفقدانِها الاتصالَ مع كينونتها الذاتيّة- ، وجزئيًّا بفعلِ تشتّت حياة المرأةِ باهتمامها بالواجبات المنزلية الصغيرة، بقضاء المهَمّات، بالأعمالِ التي يُفسدُها الآخرون دائمًا، وباحتياجاتِ الأطفالِ المتكرّرة. وما كتبتُه لم يكُنْ مُقنِعًا بالنسبة لي؛ كان الاعترافُ بغضبي وإحباطي صعبًا، داخلَ الشعرِ أو خارجَه، ذلك أنّني في الواقعِ، كنتُ شديدةَ الاهتمامِ بزوجي وأطفالي. محاولةً الالتفاتَ إلى الوراء وفهم ذلك الماضي، جرّبْتُ أنْ أحلّلَ الطبيعة الحقيقيّة للصرّاع. إنّ مُعظَمَ حيواتِ الناسِ، إنْ لم تكُن جلّها، ممتلئةٌ بالخيالِ: بأحلامِ يقظةٍ خاملة لا يتمّ التصرّفُ وفقها.

ولكن أنْ أكتُبَ الشعر أو النّثرَ، أو حتى أن أفكّرَ بشكلٍ سليم، يعني ألّا أتخيّلَ أو أُدوّنَ خيالاتٍ على الورق فحسب. لا بدّ للقصيدةِ حتى تأتلفَ أجزاؤها، للشخصيّة أو للحدث حتى يتشكّلا، من تحويلٍ تخييليًّ للواقعِ بعيدٍ كلَّ البُعدِ عن الخمول. ولا بدّ للعقل من حريّةٍ مُعيّنة – حرية المضيّ قدمًا، والدخولِ في تيارات فكركِ كما لو كنتِ تحلّقين بطائرةٍ شراعيّةٍ، مُدركةً قدرة حركتكِ على الاستمرار، وواثقةً أنّ أحدًا لن يُخلخل فجأةً توازن انتباهك العائم. وأيضًا، إذا كان للتخييل أن يتجاوز التجربة ويُحوّلها، فلا بدّ له من أن يتساءل، أن يتحدّى، أن يبتكر بدائلَ، ربّما حتى لحياتكِ ذاتها التي تعيشينها الآن.

ليس ثمّة ما هو مقدّسٌ بالنسبة للخيال، أي ليس ثمة ما يحول دون قلب شيءٍ إلى ضدّه، أو ما يمنعُ من تسميته بغير اسمه ولو تجريبيًّا.

عليكِ أن تمتلكي حرية اللعب مع احتماليّة أن يكون النهارُ ليلًا، أو أن يكون الحبُّ كرهًا؛ ليس ثمّة ما هو مقدّسٌ بالنسبة للخيال، أي ليس ثمة ما يحول دون قلب شيءٍ إلى ضدّه، أو ما يمنعُ من تسميته بغير اسمه ولو تجريبيًّا. وذلك لأنّ الكتابةَ فعلُ إعادةِ تسمية. أن أكون أمًّا تقليديّةً لأطفالٍ صغار طوال اليوم أو زوجةً تقليديّةً لرجل، أمرٌ يتطلّب مني كبحَ وتأجيلَ ذاك النشاطَ التخييلي، ويبدو أنّه في المقابل يفرض عليّ نزعةً مُحافظة. لا أريد أن يُفهم من كلامي أنكِ حتى تكتبي جيّدًا أو تفكّري جيّدًا، فإنّ عليكِ أن تنأَيْ بنفسكِ عن الآخرين، أو أن تصيري مُتضخّمة الأنا.

هذه خرافةُ الرجل فنّانًا كان أو مُفكّرًا؛ أُعيد وأُكرّر: أنا لا أقبلُ بها.  لكنّ حقيقة كونك امرأة تحاول إنجاز الوظائف الأنثويّة التقليديّة بطرائق تقليديّةٍ حقيقةٌ متعارضة بشكلٍ مباشرٍ مع الوظيفة التقويضيّة للخيال. كلمة «تقليديّ» هامةٌ في هذا السياق. لا بدّ من سُبُل يمكنُ أن تتّحدَ من خلالها طاقتا الإبداع والعلاقات، ونحن سنعملُ على تجلِيَتِها شيئًا فشيئًا. ولكنّني لطالما شعرتُ في تلك السنواتِ المبكّرة أنّ هذا التعارضَ يعني فشل الحبّ في داخلي. لقد اعتقدتُ أنّني كنتُ أختارُ حياةً كاملةً: الحياة المتاحة لأغلب الرجال، حيث يمكن للجنسانيّة والعمل والأبوّة أن تتعايش معًا. رغم ذلك، شعرتُ وأنا في الـ29 بأنّني مذنبةٌ بحقّ أقرب الناس لي، بل وبحقّ وجودي ذاته.

لقد أردتُ حينها، أكثر من أي شيءٍ آخر، ذاك الشيء الوحيد الذي لم يتوفّر لي بشكلٍ كافٍ قطّ: أردتُ وقتًا للتفكير، وقتًا للكتابة. كانت الخمسينياتُ وأوائل الستينيات سنواتٍ من التجلّيات المتلاحقة: الاعتصامات والمظاهرات في الجنوب، وعملية خليج الخنازير، والحراك المبكّر المناهض للحرب [على فيتنام]،[19] كلّها أشعلت أسئلةً كبيرة –أسئلةً بدا أنّ عاَلم الرجال الأكاديمي مِن حولي يمتلك لها أجوبةً خبيرةً وفصيحةً. إلا إنّني كنتُ بأمسِّ الحاجة إلى أن أُفكّر لنفسي في أسئلة السلميّة والمعارضة والعنف، في الشعر والمجتمع، وفي علاقتي الشخصيّة بكلّ هذه الأشياء. على مدى 10 سنوات تقريبًا كنتُ أقرأ بنهمٍ مُتقطّع، أخربشُ في الدفاتر، وأكتب الشعر على شذرات. كنت أبحث بيأسٍ عن أدلّة؛ لأن الأدلّة لو لم تكن موجودة لظننتُ أنّني مجنونة. كتبت عن ذاك الوقت في دفتر:

يشلّني ذاك الإحساس باحتمال وجود شبكة علاقاتٍ بين أمورٍ شتّى، مثل غضبي على الأطفال، وحياتي الحسيّة، والمقاومة السلميّة، والجنس، (أعني الجنس بمعناه الأوسع، وليس فقط الرغبة الجنسية). إن استطعتُ رؤية تلك العلائق المتشابكة، إن استطعت البرهنةَ على وجودها، فإن من شأنِ ذلك أن يُعيد إليّ ذاتي، ويمكّنني من العملِ بشفافيّةٍ وشغف. ولكنّني ما زلت أتلمّسُ طريقي داخلَ تلك الشبكاتِ المظلمةِ وخارجَها.

أظنّني حينئذٍ قد بدأتُ أدركُ أنّ السياسة لم تكن شيئًا «هناك» في الخارج، ولكنّها شيءٌ «هنا» في الداخل، في صُلْب وجودي.

في أواخرِ الخمسينيّات استطعتُ أن أكتب، للمرّة الأولى، بشفافيّةٍ، عن تجربتي في العيش بصفتي امرأةً. كُتبتْ تلك القصيدة على شذرات؛ أثناء غفوِ الأطفال، في سويعاتٍ مُختلَسةٍ في المكتبة، أو في الثالثة صباحًا بعد أن تُؤرّقني إفاقةُ أحدِ أطفالي. في تلك الفترة فقدتُ الأملَ في العملِ بشكلٍ متواصل. ومع ذلك، كنتُ قد بدأتُ أرى في شذراتي وقُصاصاتي وعيًا مشتركًا وثيمةً متكرّرةً ما كنتُ لأضعها في نصوصي سابقًا؛ ذلك أنّني كنتُ قد لُقِّنتُ أنّ على الشعرِ أن يكون «عالميًّا»، وهذا بالطبع، يعني ألّا يكونَ الشعرُ أنثويًّا.

حاولتُ حتى ذلك الحين ألّا أُعرّف نفسي بصفتي امرأةً شاعرة. على مدى سنتين اشتغلتُ على قصيدةٍ من 10 أجزاءٍ سمّيتُها «لقطات من حياة زوجة ابن»، وقد جاءت على نسقٍ أكثرِ تحرّرًا واسترسالًا من أيّ نسقٍ ألفتُه قبل كتابتها. كان انعتاقًا استثنائيًّا أن أكتُبَ تلك القصيدة. لكنّها تذهلني الآن بفصاحتها المُتكَلَّفة واعتمادها المبالغ فيه على التورية. لم أكن قد وجدتُ الشجاعة اللازمة  لأكتب متحرّرةً من السُّلطات، أو حتى أن أستخدم ضمير المتكلم «أنا»، فالمرأة في القصيدة ضميرٌ غائبٌ دائمًا. يعالجُ المقطعُ الثاني من القصيدة حالةَ امرأةٍ تظُنّ أنها تُشارِفُ على الجنون؛ إنها مسكونةٌ بأصواتٍ تأمرُها أن تقاومَ وتتمرّد، أصواتٍ تستطيع سماعها لكنّها تعجزُ عن الانقيادِ لها.

قصيدة «أوراين»،[20] المكتوبة بعد القصيدة السابقِ ذكرُها بخمس سنوات، هي قصيدةٌ عن إعادة الاتصال بجانبٍ من ذاتي كنتُ أشعرُ أنني أخسرُه – العنصر الفاعل، الخيال الحيويّ، «الأخ غير الشقيق» الذي استعرتُ لصورته، كما فعلتُ لسنواتٍ طويلة، كوكبةَ أوراين.[21] ليس عرَضًا أن تظهرَ كلمتي «لا مُبالٍ ومغرور» في هذه القصيدة، وليس صدفةً أن تنطبقا عليّ. حينئذ، بدا لي الأمرُ كما لو كنتُ عالقةً بين خيارين: «الحبّ» -النسويّ الأموميّ الإيثاريّ-، حبّ يرزحُ تحت ثقل ثقافةٍ كاملةٍ تحدّده وتتحكّم به، أو الغرور، قوّة يدفعُها الرجال نحو الإبداع والإنجاز والطموح، غالبًا على حساب الآخرين، ولكن بطريقةٍ مُبرّرة. أوليسوا رجالًا وهذا مصيرُهم بينما الحبّ النسائيّ مصيرنا نحن؟ أعرفُ الآن أنّ تلك الخيارات خياراتٌ زائفة – وأنّ كلمةَ «الحبّ» هي الأخرى بحاجةٍ للمراجعة.

ثمّة قصيدةٌ متّصلةٌ بقصيدةِ «أوراين»، كانت قد كُتبت بعدها بثلاثِ سنوات، تصيرُ فيها المرأة في النصّ والمرأة التي تكتب النصّ ذات الشخص أخيرًا. سميتُ القصيدة «قبّة فلكيّة»، وكنتُ قد كتبتُها بعد زيارةٍ لقُبّةٍ فلكيّةٍ حقيقيّةٍ، قرأتُ فيها عن إنجازات الفلكيّة كارولين هيرشيل التي عملت إلى جانب أخيها وليام،[22] إلا أنّ اسمها ظلّ مغمورًا بينما اشتهر اسمه.

ختامًا، أريد أن أحدّثكم عمّا رأيتُ في منامي الصيف الماضي. حلمتُ أنّني دُعيتُ لقراءة قصائدي في تجمّعٍ نسائيّ حاشد، ولكنني حين بدأتُ أقرأ، وجدتني أنطقُ بكلمات أغنية بلوز. أشارككم هذا الحلم لأنني شعرتُ أنّه يعبّر عن مآزق ومستقبل المرأة الكاتبة، وفي الغالب، يعبّرُ عن مآزق ومستقبل النساء بوجهٍ عام. إنّ تيقّظ الوعي لا يشبهُ في شيءٍ عبورَ الحدود – خطوة واحدة، فإذا أنتِ في بلادٍ أخرى.

بإمكانِ الشعر والنثر أن يكشفا لنا ما يمرّ به الآخر؛ ولكنّ النساءَ لم يعد باستطاعتهنّ أن يكنّ أمّهاتٍ وملهماتٍ للرجالِ فقط: لدينا عملٌ شاقٌّ جدًّا لنُنجِزَه.

كثيرٌ من شعرِ النساء كانت له طبيعةٌ مماثلة لأغاني البلوز: صرخةُ ألمٍ، صرخةُ ضحيّة تعاني أذىً، أو كلماتُ أغنيةِ غواية. واليوم، معظمُ شعرِ النساءِ، وحتى نثرهنّ، مشحونٌ بالغضب. أعتقدُ أنّنا يجبُ أن نخوضَ في ذلك الغضب، لأنّنا سنخونُ واقعنا لو حاولنا، مثلما فعلت فرجينا وولف، تقمّصَ موضوعيّةٍ وانفصالٍ يجعلان أصواتنا أشبه بصوتيْ جين أوستن وشيكسبير. نحن نعرفُ أكثر مما عرفت جين أوستن أو مما عرف شيكسبير: أكثر من جين أوستن لأنّ حيواتنا أكثرُ تعقيدًا، وأكثر من شيكسبير لأنّنا نعرفُ أكثر منه عن حيوات النساء، بما فيهنّ جين أوستن وفرجينيا وولف.

كلا الظلم والغضب اللذين تختبرُهما النساء حقيقيّان، ومصادرهما حقيقيّةٌ موجودةٌ حولنا أينما التفتنا، مغروسةٌ في المجتمع. يجب أن يبقيا -أي الظلم والغضب- موضعَ رصدٍ واستكشافٍ دائمٍ بين الشاعرات وغيرهنّ. لا يمكننا إنكارُهما، كما لا يمكننا التوقّفُ [عند الإقرار بوجودهما]. إنّهما آلامُ مخاضنا، ونحن لا نلدُ هنا غيرَ أنفسنا. سنكون قد خذلنا بعضنا كاتباتٍ ونساءً، إنْ نحنُ أهملنا أو أنكرنا ما هو سلبيّ، ورجعيّ، وسيزيفيّ في دواخلنا.[23] 

كلّنا نعرفُ أنّ ثمّة قصّة أخرى في انتظارِ أن تُروى. أشعرُ بفضولٍ وترقّبٍ إزاء مستقبل وعي الرجال. إنّني ألمحُ تشاؤمًا عميقًا وحزنًا مودِيًا في أعمال الرجال الذين أقرأ شعرهم اليوم؛ وأتساءل ما إذا كان هذا هو الجانب الذكوريّ لما قد اختبرته النساء؛ ثمن الهيمنة الذكورية. أمرٌ وحيدٌ متأكّدةٌ أنا منه: مثلما بدأت المرأةُ تصيرُ دايةً لنفسها، تُجدّدُ خلقَ ذاتها، فعلى الرجل أيضًا أن يتعلّم كيف يحبل ويلدُ ذاتيّته الخاصّة به – الأمر الذي كثيرًا ما أراد المرأةَ أن تفعلَهُ لأجله. نستطيعُ أن نتابعَ محاولةَ التحدّثِ إلى بعضنا. نستطيعُ أن نساعدَ بعضنا أحيانًا. بإمكانِ الشعر والنثر أن يكشفا لنا ما يمرّ به الآخر؛ ولكنّ النساءَ لم يعد باستطاعتهنّ أن يكنّ أمّهاتٍ وملهماتٍ للرجالِ فقط: لدينا عملٌ شاقٌّ جدًّا لنُنجِزَه.

  • الهوامش

    * أدريان ريتش (1929-2012) شاعرة وأكاديمية نسويّة أمريكية، لها عدّة كتب -غير المجموعات الشعرية- تتراوح بين المقالات الأكاديمية والكتابات النثرية.  تُعَدّ أدريان من أكثر الشاعرات تأثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين، ويُنسب لها الفضل -من بين أخريات- في إبراز قضايا اضطهاد النساء عامّة، والمثليّات منهنّ خاصّة، في الشعر. إذ إنها جعلت من تلك الموضوعات واجهةً شعريّةً في نصوصها. مشْكَلتْ أدريان القول بجمود وثبوتيّة الهويّة النسويّة، وعملت على مشاريع تضامنيّة تدعم الإبداع الفنّي للمرأة الكاتبة. (المترجمتان)

    [1] مسرحية (حين نستيقظُ نحن الموتى)، مسرحية للنرويجيّ هنريك إبسن، كُتبت في (1899)، وهي من آخر أعماله المسرحية، كان قد سمّاها (يوم البعث)، قبل أن يغيّر رأيه ويرسو على اختيار العنوان المعهود عندنا. (المترجمتان)

    [2] G. B. Shaw, The Quintessence of Ibsenism (Hill and Wang, 1922), p. 139.

    [3] السائرون خلال النوم.

    [4]  أدريان ريتش تستخدمُ كلمة re-vision هنا، كما في العنوان، والكلمة تعني المراجعة، ولكنّها تفكّكها في هذه الفقرة مُعيدةً الكلمة إلى تقسيمها الحرفيّ: vision أي النظر، و re أي الإعادة، وذلك من خلال شرحها فعلَ القراءة بالنسبة للمرأة. (المترجمتان)

    [5]  تكتب أدريان ريتش الكلمتين الدالّتين على الجندر بأحرف كبيرة حتى لو جاءتا وسط الجملة: Man / Woman  . (المترجمتان)

    [6] 2J. G. Stewart, Jane Ellen Harrison: A Portrait from Letters (London, 1959), p. 140.

    [7] دايان واكوسيكي (1937- ) شاعرة أمريكية من جيل البِيْت Beat Generation. اسمها يرتبط بشعراء «الصورة العميقة»، وبروّاد «الشعر الاعترافي» في أمريكا.

    سيلفيا بلاث (1932-1963) شاعرة وروائية وكاتبة قصة قصيرة أمريكية، وتُعدّ رائدة «الشعر الاعترافي». تُوفّيت منتحرةَ بعد معاناة طويلة مع الاكتئاب. (المترجمتان)

    [8] ماريان مور (1887-1972) شاعرة وناقدة ومترجمة ومحرّرة أمريكية. (المترجمتان)

    إليزابيث بيشوب (1911-1979) شاعرة وكاتبة قصة قصيرة أمريكية، حصلت على جائزة بوليتزير للشعر عام 1956م. (المترجمتان)

    [9] كانت الروائية الفرنسية جورج صاند (1804-1876) في علاقة لفترة وجيزة مع الكاتب المسرحي والباحث التاريخي والقاصّ الفرنسي بروسبير ميرميه (1803-1870). (المترجمتان)

    [10]  الوشاح في اقتباس هنري جيمس يُشار إليه بـ(مدراس – madras)، وهو وشاحٌ يُستر به الرأس؛ يُصنع من قُماش قطنيّ مزيّن عادةً بخطوط ملوّنة. (المترجمتان)

    [12] 3Henry James, «Notes on Novelists» in Selected Literary Criticism of Henry James, ed. Morris Shapira (London: Heineman, 1963), pp. 157-58.

    [12] فرجينيا وولف (1882-1941) واحدة من أهم روائيّي القرن العشرين، من روّاد «تيّار الوعي» في السرد. تُعدّ رواياتها وأعمالها من أهم ما كُتب في الأدب والنقد النسويّ. تُوفّيت منتحرة، وعانت قبل ذلك من اكتئاب شديد. (المترجمتان)

    [13] وصفت أدريان ريتش صوت شيكسبير السردي بالأولمبيّة Olympian، ومرجعيّة الوصف تعود إلى جبل أوليمبيس مسكن آلهة اليونان الكلاسيكيّة، وفي الثقافة الغربيّة، حين يوصف أمرٌ ما بأنه أولمبيّ ففي ذلك إشارة إلى ما فيه من فخامة وهيبة وترفّع. (المترجمتان)

    [14] مود غون (1866-1953) مناضلة حقوقيّة وممثّلة إيرلندية عُرفت بمواقفها المؤيدة للقوميّة الإيرلندية -أثناء حرب الأرض-، كما اشتُهرت بمناداتها بحكمٍ ذاتيّ لإيرلندا. (المترجمتان)

    [15] قصيدة للشاعر الانجليزي جون كيتس (1795-1821)، هي صورة تقليدية لفارسٍ يقعُ في حبّ امرأة، ثم يكتشف ضحاياها، فيدرك ارتباط الحبّ بالألم.  للاطلاع على شرحٍ للقصيدة، يُنظر: https://www.poetryfoundation.org/poems/44475/la-belle-dame-sans-merci-a-ballad . (المترجمتان)

    [16] Adrienne Rich, A Change of World (Yale University Press, 1951). Quoted by permission of the author.

    [17] لقد استخدمت الكاتبة مفردة ‘gracefulness’، وهي كلمة قد تشير إلى عدّة معاني في السياق: كتابها تلقّى مدحًا ومجاملة لطيفة لأنها تمكّنت من كتابة القصائد ونشرها، مع قيامها بمسؤوليتها الأموميّة والزوجية. (المترجمتان)

    [18] «Halfway,« in Necessities of Life (W. W. Norton and Company, 1966), p. 34.

    [19] مظاهرات الجنوب ارتبطت بحركة الحقوق المدنيّة للمطالبة بحقوق الأمريكيين السود، وعملية خليج الخنازير كانت محاولة فاشلة من المعارضة الكوبية بالتواطؤ مع الحكومة الأمريكية لإسقاط النظام الشيوعي في كوبا، أما الحراك المناهض للحرب الفيتناميّة فقد كان حراكًا اجتماعيًا واسع النطاق في أمريكا. (المترجمتان)

    [20]  كوكبة الجبّار، أو الجوزاء. (المترجمتان)

    [21] أدريان ريتش تتخفى هنا وراء فكرة «الأخ غير الشقيق» وهو تخفِّ يتّسق مع ما سيأتي من حديث عن ضرورة تخيّرها بين الحب الأنثوي والغرور الرجولي. (المترجمتان)

    [22] كارولين هيرشيل (1750-1848) عالمة فلك ألمانيّة. صحيح أنها عملت مع أخيها في حياتها المهنيّة، لكن كانت لها إنجازاتها الخاصة والهامة، ومن بين ذلك اكتشافها للعديد من المُذنّبات بما في ذلك المذنّب الدوري الحاملِ لاسمها. وهي أول امرأة تحظى براتب لوظيفة علميّة، وأول امرأة تشغل منصبًا حكوميا في إنجلترا، وأول امرأة تحصل على ميداليّة ذهبيّة من الجمعيّة الفلكيّة الملكيّة. (المترجمتان)

    [23] في الميثولوجيا اليونانية، يُعاقَب سيزيف من قبل كبير الآلهة زيوس بأن يحمل صخرةً من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة هوت الصخرة إلى الوادي، فيعود إليها ويحملها ثانيةً إلى قمة الجبل، ويتكرر الفعل للأبد. ما تشير إليه أدريان ريتش هنا هو ضرورة تخلّص النساء من الأعمال العبثيّة -والتي قد تكون بطلب أو توجيهٍ أو توقّعٍ من أصحاب الامتياز الجندري: الرجال-، أعمال تشتّتها أو تُقعدها عن بلوغ الأهمّ. (المترجمتان)