ارمات عمان

بالصور: تاريخ حرفة صناعة اللافتات في عمّان

متحف آرمات عمّان، تصوير روان بيبرس.

بالصور: تاريخ حرفة صناعة اللافتات في عمّان

الأربعاء 07 تشرين الأول 2020

تبدأ علاقتنا مع القراءة المبكرة من محاولات فكّ حروف لافتاتٍ بأحرفٍ واضحةٍ نراها في الحياة اليومية، خارج الكتب والكرّاسات الصفية، وكأنها توظيف مباشر لما نتعلمه في المدرسة، وأحد انتصاراتنا الأولى في مواقف نختبر أنفسنا فيها سرًا، نتدرب عليها همسًا عند مرورنا بمعالم المدن التي نسكنها.

كانت شخصيات برنامج المناهل، الذي عُرض في تسعينيات القرن الماضي على أكثر من شاشة عربية، مشهورة بالوقوف عند اللوحات الإرشادية وأسماء المحال والأماكن المكتوبة بخط النسخ، وتهجئة اللوحات بتمهلٍ وتروٍّ شجّع العديد من الأطفال على بناء علاقةٍ مشابهةٍ مع عناصر المدينة البصرية.

مؤخرًا، افتتح الخطاط غازي خطاب «متحف آرمات عمان» في وسط البلد، الذي يشارك فيه مجموعةً واسعة من لافتات ولوحات المدينة، التي بدأ بجمعها منذ عام 1986. اللوحات المتفاوتة في العمر والحجم والألوان كانت جزءًا من الفضاء البصري للحياة اليومية في عمان. ونظرًا لقيمتها الفنية والحرفية والتاريخية، جمعها خطاب لحمايتها من الاندثار، ولمشاركتها مع أهالي المدينة وزوارها. 

للوقوف على التفاصيل الخاصة بحرفة صناعة اللافتات، والتغييرات التي طرأت عليها، زرنا متحف آرمات عمان برفقة حسين الأزعط، مؤسس مساحة الحرف، وهو مصمم وحُروفي شغوف بحفظ إرث المدينة والمحافظة على هويتها البصرية، ومهتم بتوثيق اللافتات القديمة وإبراز أهميتها التاريخية والفنية.

المناهل، التلفزيون الأردني، 1986.

تطوّر الحرفة والعلاقة مع الخط العربي

تطوّر توظيف الخط العربي في التواصل بدءًا من الرسائل والمخطوطات، وصولًا إلى الزخارف في العمارة والبناء، ومن ثم في تصميم الطوابع والعملات. وكغيرها من دول المنطقة، انتشرت في الأردن منذ عهد تأسيس الإمارة، شواخص مرورية وإرشادية لأسماء المدن والمحافظات، ولوحات لمحلات تجارية ومعالم حضرية، كُتبت بأنواع مختلفة من الخط العربي.

يرى حسين الأزعط أنه يمكن لتلك اللوحات، والتي خطّها يدويًا خطاطون ورسّامون اشتهروا في أوساط الحرفيين والتجار على مدى عقود متعاقبة، أن تروي الكثير عن المدينة وأهلها وعن الحرف التي ازدهرت فيها. فهوية المدينة تأتي من سكانها، وتتجدد مع كل مكون جديد يأتي بخبراته وحرفه وأساليبه. وخصوصًا في حرفة مثل صناعة اللافتات، فإن قيمتها البصرية والفنية واضحة في المساحات العامة كمكون من المكونات المرئية للمشهد الحضري. وعكسَ ذلك مجتمع الخطاطين والرسامين في الأردن، الذي تنوّع بشكلٍ لافت، وتأثّر بالكثير من مدارس الخط العربي والتصميم في مصر وسوريا وفلسطين وغيرها.

كتاب «عمان حكاية الناس والتلال»، تصوير روان بيبرس.

حتى نهاية الثمانينيات، وقبل انتشار تقنيات الطباعة الرقمية على نطاق واسع، وُجِدت محلات متخصصة لصناعة اللافتات، ضمّت فرق عمل متكاملة. بحسب الأزعط، كانت صناعة لافتة تجارية تتطلب مجهود خطاط، وفي أحيان أخرى من يطلق عليه «رسام اللافتة»، الذي يقوم برسم الحروف وكتابة التفاصيل المطلوبة ويُعنى بالجانب التصميميّ. بينما يوكل التنفيذ إلى «صانع اللافتة»، الذي يتكفّل بتحضير لوحٍ خشبيّ أو معدنيّ أو زجاجيّ حسب الطلب، ويقوم بمعالجة النصوص والنقوش لمقاومة العوامل الجوية، ومن ثم تعليق وتركيب اللافتة في الموقع. 

ليس بالضرورة أن يكون الخطاطُ رسامَ لوحةٍ. يرى الأزعط أن الخطاطين متمسكون بقواعد الخط العربي بجميع أنواعه ويعاملونه كفن أصيل، تُعامل مخرجاته كتحف فنية. في المقابل، يتمتع رسامو اللافتات بمرونة أكبر من تلك الناحية، الأمر الذي يجعلهم أكثر تقبلًا لكسر القواعد والابتكار، فيبدعون في دمج واستكشاف أساليب مختلفة لإنتاج مخرجات جرافيكية جذابة وبحرفية عالية في الوقت نفسه. 

بيت الحرف، تصوير روان بيبرس.

وسواء أكانت التقنيات قديمة أو متقدمة، فإن لكل تقنية جماليتها. يشير الأزعط إلى لوحة المكتبة الوطنية -على سبيل المثال- لرياض طبّال، والتي استخدم فيها تقنية قديمة هي الرسم بالفرشاة. لوحة كحلية غامقة بحروف بيضاء رشيقة رسمت بالخط الفارسي. عند التدقيق بحروف اللوحة الموجودة في متحف آرمات عمان، يمكن تتبع مسار الفرشاة. الأمر الذي يعطيها، بحسب الأزعط، روحًا وبُعدًا إنسانيًا، لوضوح الأثر اليدوي فيها. 

يلفت الأزعط النظر إلى تقنية أخرى تنمّ عن احترافية عالية، يمكن رؤيتها في لوحات «أحذية عاشور» الزجاجية. فاللوحات المربعة التي كانت تستخدم داخل المحل تم خطّ حروفها بالمقلوب (مثل انعكاس المرآة) على ظهر اللوح الزجاجي، بحيث تكون قابلة للقراءة عند تعليقها بالعكس. فالجزء الأمامي هو المكشوف بينما الظهر الذي عليه الكتابة محميّ من عوامل البيئة المحيطة.

متحف آرمات عمان، تصوير روان بيبرس.

وكما كان لكلّ رسّام وصانع لافتة أسلوبه، فقد كان له جمهوره وزبائنه أيضًا. وكغيرها من الحرف، من غير المفاجئ وجود تراتبية بين العاملين فيها، تتناسب مع الاسم وسنوات الخبرة والمهارة والأسعار.

يستشهد الأزعط بإيليا كيّال كمثال على رجل أنيق، تنعكس أناقته وذوقه الرفيع في اللافتات التي صنعها في الستينيات. كانت أسعار كيّال مرتفعة نسبيًا، مقارنة بخطاطين ورسامين آخرين في ذلك الوقت. نقولا سبانخ كان أيضًا من الرواد في صناعة اللافتات المبتكرة في السبعينيات والثمانينيات. فقد كان لديه تطويع فريد للحروف العربية واللاتينية بما يتماشي مع الموضات الرائجة والمدارس التصميمية حينها، وساعده في ذلك أسفاره واطلاعه على أحدث تقنيات الحرفة في الأماكن التي زارها.

لافتة محل «دباس» للخطاط إيليا كيال، ولافتة «صالون سامي» للخطاط نقولا سبانخ. تصوير حسين الأزعط 2013.

يضيف الأزعط، أن حتى أولئك الذين كانوا يعتبرون من صنّاع اللافتات «الشعبيّين»، كانت منتجاتهم جيدة جدًا وعالية الاحترافية. يفسّر ذلك بأن المعايير العامة كانت مرتفعة، وأن عيون المبتدئين كانت دائمًا على المتمرسين والخطاطين العريقين، حيث كانوا يحاولون محاكاة أساليبهم لتقديم منتجات عالية الجودة.

الخطاط ياسين الجوخي، الشهير بلقبه المختصر «ياسين»، يقول في مقابلة له إنه في بداية مشواره كان يطّلع على الخطوط في المصاحف العثمانية والمطبوعات والجرائد والكرّاسات المصرية ويقوم بتقليدها. قبل أن يفتح محله الخاص في الزرقاء، دأب ياسين على التردد على عمان والتعرف على الخطاطين المشهورين ومساعدتهم في العمل، فقد تعرف على الخطاط فضل المطوبسي والذي كان له، بحسب ياسين، أسلوب خاص في خط الرقعة، والرسام أحمد كرد علي والخطاط عبد الرحمن الأركاني وغيرهم. 

صورة الخطاط ياسين الجوخي (أعلى) وتوقيعه في متحف آرمات عمان، تصوير روان بيبرس.

لافتة للخطاط ياسين الجوخي، تصوير حسين الأزعط 2013.

هل نشهد انتكاسة في صناعة اللافتات؟

بإلقاء نظرة سريعة من إحدى شرفات مباني وسط البلد القديمة، يشير الأزعط إلى عدد من التشوهات البصرية في اللافتات الموجودة اليوم في المدينة. تفاوت كبير في الأحجام والألوان وتخمة في العناصر والأشكال. لذلك سألناه: ماذا الذي حصل، وكيف تغيرت الذائقة الجمالية وأصبحت تلك التشوهات مقبولة؟

يفسر الأزعط ذلك بالتعدّي على الاختصاص، وتوافر الأدوات في متناول يد الجميع. لم تعد الخبرة، أو المهارة والحرفية هي المعيار لاختيار صانع اللافتة. يكفي أن يكون لدى أي شخص تطبيقات تدمج صورًا ونصوصًا وأشكال، وتمكنه من الطباعة على لافتة أو ملصق أو لوحة إعلانية، وتعليقها في مكانٍ عام. 

سابقًا كان صاحب المحل يزور الخطاط أو رسام اللافتة، ويخبره عمّا يريده، مثل اسم المكان والتفاصيل التي يريد أن تكون مذكورة، ولا يعود إلا لاستلام العمل وهو منجز وجاهز للتعليق. كان هناك مساحة للمصمم والخطاط أو الرسام المختص لأداء عمله وتقديم ما يعبر عنه وعن أسلوبه. 

متحف آرمات عمان، تصوير روان بيبرس.

في المقابل، ما يحصل اليوم هو أن العميل -الذي لا يكون لديه غالبًا خلفية في التصميم- يتدخّل في عملية صناعة اللوحة خطوة بخطوة، ويطلب تعديلات باستمرار، قد لا يكون المصمم مقتنعًا بها. مرونة التطبيقات الحديثة وإمكانية التعديل أحدثت نوعًا من الفوضى، بحسب الأزعط. فهو يرى أن مخرجات تلك الأدوات الحديثة جعلت بعض الأنماط من الصور والألوان أكثر رواجًا على حساب الخط العربي والجماليات التي ترافقه في عملية التصميم. 

أمر آخر  يرى الأزعط أنه ساهم في الوضع الحالي يتمثل في عدم اتساق قرارت أمانة عمان وتغيّرها بتغير الشخص المسؤول. فقد كانت هناك حملات ومبادرات سابقة لتنظيم لوحات المحلات التجارية، لكنها لم تستمر. كالحملة التي أطلقتها الأمانة في 2016، والتي قامت على إثرها بإزالة سبعة آلاف مترٍ من اليافطات واللوحات الإعلانية «المخالفة وغير المرخصة». وأخرى في عام 2018 أزالت فيها أربعة آلاف متر مربع من اليافطات واللوحات، كانت تهدف بحسب الأمانة إلى «حماية المظهر الحضاري للمدينة والمحافظة على السلامة العامة لمستخدمي الأرصفة والطرق». فانتهى المطاف، بحسب الأزعط، بالتفريط بلوحات قديمة لم تنطبق عليها الشروط، ورجوع اللافتات المخالفة بعد أن توقف سريان العمل بتلك القوانين والتعليمات. 

مثال آخر على عدم اتساق القرارات البلدية هو نظام تسمية الشوارع وترقيمها. فالأصل أن تكون لوحات أسماء الشوارع موحدة وأن يكون نوع الخط وحجمه قياسيًا، كما لون اللوحة وأبعادها. يعزو الأزعط التنوع في أشكال الخطوط إلى تنوع أذواق المسؤولين في الأمانة، ويقول إن اعتماد نوع خط معين، سواء كان مطبوعًا أو مخطوطًا يدويًا، يعتمد في عمان على ذوق الشخص المسؤول في وقت صنع اللوحة وما يراه مناسبًا أو جميلًا. 

بيت الحرف، تصوير روان بيبرس.

يشدد الأزعط على أن مسؤولية المحافظة على آرمات ولافتات المحلات الأيقونية في المدينة وحمايتها من الإهمال والتخريب تقع على عاتق الجميع. فهي لا تقتصر على صاحب المحل، بل تشمل البلديات والمسؤولين، بالإضافة إلى الأهالي والأفراد. 

يوضح الأزعط أن هناك جهودًا مستمرة لتشكيل لجان أهلية تضم المهتمين بتراث المدينة وهويتها الحضارية، فالانضمام إلى مثل هذه اللجان ضروري للتنسيق مع البلديات من جهة، وأصحاب المحلات والمجتمع من جهة أخرى. كما أنّ أصحاب الاختصاص والخبرة من معماريين ومصممين وفنانين وغيرهم مهمّون في مثل تلك اللجان، حيث يمكنهم التطوع لتقديم اقتراحات بنّاءة لصيانة اللافتات القديمة، والاحتفاظ بها في مكانها، والمساعدة في إيجاد حلول في حال وجود أي تغييرات أو حاجات معينة للتوسعة أو الهدّ والبناء.

ويضيف الأزعط أن هناك ممارسات بسيطة يمكن للأفراد القيام بها للمساعدة في نشر الوعي ولفت النظر لأهمية  تلك اللافتات. كالحديث مع أصحاب المحلات القديمة والإطراء على جمال لوحاتهم، ونصحهم بعدم التفريط بها،  فهي دليل مادي ملموس للأجيال القادمة على تاريخ المبنى أو المحل التجاري وأصحابه. إرث يمكن دراسته والتعمق في العناصر المحيطة به لفهم أبعاده التاريخية والاجتماعية. 

شارع الملك حسين، وسط البلد – عمّان، تصوير روان بيبرس.