موعد مع الرَّامي: تاريخ ومستقبل علاقتنا القلقة مع الكويكبات

السبت 24 آب 2019
تمثيل فني لكويكب يقترب من الأرض. وكالة ناسا.

«إن حدث شيءٌ كهذا مرة، فلا بد أنه قد حدث من قبلها مرات عديدة في هذه المجرة التي تسكنها مئة بليون شمس».
آرثر سي كلارك، «موعد مع راما».

في روايته «موعد مع راما» الصادرة صيف 1973، يحكي كاتب الخيال العلمي الكبير آرثر سي كلارك عما حدث صباح 11 أيلول 2077، حين شاهد سكان أوروبا ظهور كرة نارية في السماء أخذت تتوهج وهي تدنو من الأرض بسرعة مخيفة حتى صارت أكثر توهجًا من الشمس نفسها خلال ثوانٍ، قبل أن تنفجر فوق النمسا وترجُم شمال إيطاليا بكتل من الصخور والمعادن تزن في مجموعها قرابة الألف طن وتشق الهواء بسرعة 50 كيلومترًا في الثانية، لتمحي فور الارتطام مدنًا كاملة، مثل بادوا وفيرونا من وجه الأرض، وتُغرق آخر أمجاد فينيسيا إلى الأبد في بحر البنادقة، وتقتل 600 ألف نفس، وتصيب الجنس البشري بخسائر يستحيل حصرها في التاريخ والعلوم والفنون والأموال، ويقرر البشر -بعد الإفاقة من الصدمة الأولى- أن اللحظة قد حانت لبذل كل ما يمكن من أجل ألا تكون هناك مرة قادمة، وهكذا يولد «مشروع حارس الفضاء» للدفاع عن الأرض ضد أي تسلل مشابه في المستقبل.

أما ما حدث في الساعات الأولى من 25 يوليو الماضي فلم يكن للخيال فيه أي دور على الإطلاق. فقد اقترب كويكب كبير نسبيًا -يصل قطره إلى 130 مترًا- من الأرض بسرعة 24.5 كيلومترًا في الثانية، ليصل إلى أدنى نقطة من الأرض على بعد أقل من 72,000 كيلومتر، وهو ما يساوي تقريبًا خُمس المسافة بين الأرض والقمر! ولا ينتهي الرعب عند هذا الحد، وإنما يتخذ بُعدًا جديدًا تمامًا حين نعرف أن أول حالة رصد لهذا الكويكب (الذي أُعطي اسم 2019OK) حدثت بتاريخ 24 يوليو 2019، أي قبل ساعات معدودة من الكارثة الوشيكة التي كانت مراصد الأرض في غفلة تامة عنها.

فكيف حدث هذا؟ وماذا كان ليحدث لو كان 2019OK قد اقترب قليلًا فقط لتصبح الأرض على موعد محقق مع هذا الزائر المخيف المتخفي؟ سنحاول عرض الإجابات، لكن لا بد أولًا من بعض الأسئلة الضرورية.

ما الكويكبات؟

في روايته الشهيرة «الأمير الصغير»، يصف الطيار والكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري المكان الذي أتى منه بطل روايته بأنه «كويكب صغير يدعى B612، يأوي بركانين نشطين وآخرَ خامدًا، والقليل من الزهور، ووردة واحدة»، ويؤكد مرة أخرى على ضآلة حجمه حين يرسمه بنفسه ضمن الرسوم التي زين بها صفحات روايته، ونرى أنه يكفي بالكاد لاستيعاب ما عليه. والحقيقة أن بعض الكويكبات (asteroids) -وهي كتل من الصخور أو المعادن تبقت منذ عهد ولادة الكواكب أو نشأت من ارتطامات أحدث، تدور كالكواكب في مدارات حول الشمس- أصغر حتى من هذا الكويكب الخيالي، حيث يصل قُطر أصغر الكويكبات إلى متر واحد، أما أكبرها، وهو كويكب يُدعى سيريز، فيبلغ قطره 945 كيلومترًا (أي أكثر من 7% من قطر الأرض)، وهو يدور، مثل معظم الكويكبات الأخرى، في المنطقة بين مداريّ المريخ والمشترى المعروفة بحزام الكويكبات، لكن الغالبية العظمى من الكويكبات يقل قطرها عن كيلومتر واحد.

أما النيازك (meteoroids) فهي جسيمات من الصخور أو المعادن أيضًا، لكن أقطارها لا تتجاوز المتر الواحد. بينما يستخدم مصطلح الشهب (meteors) لوصف خطوط الوهج التي تحدثها الكويكبات أو المذنبات حين تخترق الغلاف الجوي للأرض بسرعات عالية تحرقها. أما الأحجاز النيزكية (meteorites) فتطلق على بقايا الكويكب أو النيزك أو المذنب التي تصل إلى سطح الأرض.

وأما المذنبات (comets)، فهي كتل من تراب وجليد تتكون في أطراف المجموعة الشمسية تدور حول الشمس في مدارات طويلة تقع معظمها بعد مدار نبتون، وحين تقترب المذنبات من مركز المجموعة الشمسية يتسامى بعض جليدها (يتحول من الصلابة إلى الحالة الغازية مباشرة) وتظهر حينئذ ملامحها المميزة: الذيل والذؤابة (coma).

وهناك مصطلح آخر يجب تفسيره هو «الأجرام المقتربة من الأرض» (Near Earth Objects NEOs) ويستخدم لوصف الكويكبات أو المذنبات التي تدنو من مدار الأرض بمسافة 50 مليون كيلومتر أو أقل.  وقد شهد عام 2018 رصد 18,000 كويكب ينطبق عليه الوصف، في مقابل 100 مذنب فقط. أما الكويكبات التي يتجاوز قطرها 140 مترًا والتي يمكن أن تدنيها مداراتها من الأرض بمقدار 7.5 مليون كيلومتر أو أقل، فتوصف بمصطلح «كويكبات كامنة الخطر» (Potentially Hazardous Asteroids PHAs)، وقد تجاوز عدد الكويكبات كامنة الخطر –حسب آخر رصد في أغسطس 2019– 2000 كويكب، بنسبة 10% تقريبًا من مجموع الأجرام المقتربة من الأرض، منها 155 يزيد قطرها عن كيلومتر واحد، وهي التي يُعتقد أننا رصدنا 90% منها تقريبًا. أما الكويكبات الأصغر -والتي ما زالت قادرة على إحداث أضرار كبرى- فهي أصعب كثيرًا في الرصد، ولهذا لم يُكتشف منها حتى اليوم سوى نسبة ضئيلة.

كيف نكتشف الكويكبات؟ وكيف نعرف مدى خطورتها؟

تستقبل مراصدنا صور الأجرام السماوية على مدار الساعة، وتتميز صور النجوم بثباتٍ نسبي يسمح برصد الأجسام الأخرى التي تظهر حركتها بوضوح أكبر خلال فترات قصيرة بالساعات وبالأيام، مثل الكواكب والكويكبات والمذنبات. وباستبعاد الأجرام التي نتوقع وجودها ومواقعها كالكواكب، يُنظر لما قد يتبقى باعتباره كويكبات محتمَلة. وتُرسل الصور -مثل هذه المتتالية المصورة للكويكب 2012DA14 على مدار ساعة ونصف تقريبًا- إلى مركز الكواكب الصغيرة (Minor Planet Center) التابع لناسا حيث تخضع للمزيد من التدقيق قبل إطلاق صفة الكويكب على الجسم المكتشَف ومواصلة الأبحاث حول خصائصه ومداره.

بعد اكتشاف الكويكبات القريبة تبدأ عمليات المتابعة المكثفة لحركتها، لتحديد مساراتها ومعرفة إذا ما كانت ستتقاطع مع مسار الأرض في لحظةٍ ما. وفي هذا الشأن الخطير لا تعتمد مهمة الدفاع عن كوكبنا فقط على علماء الفلك المحترفين، وإنما كذلك على جيش من الفلكيين الهواة حول العالم، يتتبعون الكويكبات بمراصدهم الخاصة، ويرسلون بياناتهم إلى الجهات المعنية كمركز الكواكب الصغيرة ومختبر الدفع النفاث (Jet Propulsion Laboratory) حيث تُحسَب خطوط سير الكويكبات بدقةٍ تعتمد على كم وجودة الصور المتاحة.

متى تزورنا الكويكبات؟ وماذا تفعل بنا؟

ربما لن يخطر هذا ببالنا، لكن الحقيقة أن الأرض تتلقى زيارات أجرام الفضاء طوال الوقت، إلا أنها -لحسن الحظ- تستقبل من صغارها أضعاف أضعاف ما تستقبل من الكبار. ومن بين الستين طنًا من الأجسام التي تصل من الفضاء إلى غلاف الأرض الجوي يوميًا، يشكل الغبار والحصى الأغلبية الساحقة. وكل عام تتعرض الأرض لزيارة أكثر من ثلاثين كويكبًا صغيرًا يحترق معظمها في الهواء ولا يسبب ما قد يتبقى منها الكثير من الضرر. بينما لا تصل الكويكبات التي تداني أقطارها العشرين مترًا -مثل ذلك الذي انفجر في الهواء فوق مقاطعة تشيليابينسك الروسية عام 2013 فحطَّم النوافذ وألحق أضرارًا مختلفة بأكثر من 7000 مبنى وأصاب أكثر من 1500 إنسان- إلى الأرض إلا مرة أو مرتين كل قرن في المتوسط، وقد تصادَفَ أن مراصد الأرض في هذا اليوم بالذات كانت في غفلةٍ عنه بسبب متابعة اقتراب الكويكب 2012DA14 (بقطر 30 متر) من الأرض عند أقرب نقطة في مساره (على بُعد 27000 كيلومتر تقريبًا) فلم يُنتَبه إليه إلا حين كان يخترق الغلاف الجوي بالفعل! 

أما الكويكبات التي تصل أقطارها إلى مئة متر، فاحتمالية استهدافها للأرض تنخفض إلى مرتين في الألفية، آخرها كان الكويكب (قطره 50 مترًا تقريبًا) الذي انفجر فوق غابة صنوبر نائية قريبًا من نهر تونجوسكا في سيبيريا في صباح يوم 30 يونيو عام 1908 (وهو اليوم الذي اختير بعد ذلك يومًا عالميًا للكويكبات)، وقصف في الحال أكثر من 80 مليون شجرة على مساحة 2000 كيلومتر مربع. وأما الزوار الأكثر إرعابًا على الإطلاق، مثل ذاك الكويكب بقطرٍ يقترب من 15 كيلومتر الذي دكَّ الكوكب قبل 66 مليون عام فأثارت الصدمة الهائلة غبارًا حجب نور الشمس لسنوات، وأخرجت الحمم لتنشر الحرائق في كل مكان، ودفعت مياه البحار في موجات تسونامي جبارة، وقضت في النهاية على ثلاثة أرباع الأنواع الحية على الأرض -ومنها الديناصورات التي سادت كوكبنا طوال 180 مليون عام تقريبًا- فالحسابات تقول إن حضورها الكاسح قد لا يتكرر إلا كل مائة مليون سنة.

كيف غفلت مراصدنا عن الكويكب 2019OK؟

يبدو أن مسار وسرعة واتجاه الكويكب المتسلل 2019OK قد تضافرَت معًا لإحكام الصمت المخيف الذي كان يدنو به من الأرض. يقول علماء الفلك إن مسار هذا الكويكب يتخذ شكلَ قطعٍ ناقصٍ بالغ الانبعاج، يأتي من خلف مدار المريخ ويمضي حتى يتجاوز مدار الزُّهرة، مما يجعله يقضي فترة قصيرة جدًا بالقرب من مدار الأرض لا تكفي ربما للسماح برصده. ومع سرعته العالية التي بلغت 24 كيلومترًا في الثانية -بينما تراوحت سرعة الكويكبات المكتشفة بالقرب من الأرض مؤخرًا بين 4 و19 كيلومترًا في الثانية- يصير الرصد أصعب. وإذا أضفنا إلى كل ذلك حقيقة أنه كان قادمًا ناحية الأرض من اتجاه الشمس، سنعرف أن مهمة الرصد -التي تعتمد تمامًا على انعكاس ضوء الشمس- كانت حقًّا في غاية الصعوبة.

يقول آلان دافي (Alan Duffy)، أستاذ علم الفلك والباحث الرئيس بالمعهد الملكي الأسترالي: «يطلق الفلكيون على كويكب بهذا الحجم لقب (قاتل المُدُن)، لأن أمثاله لا يمكن أن تحترق تمامًا في الغلاف الجوي، ويتبقى منها كتل كافية لإحداث أضرار كبرى حين تبلغ سطح الأرض. وستشبه الخسائر حينها الدمار الذي يمكن أن يحدثه القصف بسلاح نووي من العيار الثقيل».

وفي محاكاة لما يمكن أن يحدث لو ضرب كويكب مُتخيَّل بقطر 60 مترًا وسرعة 19 كيلومتر في الثانية منتزه سنترال بارك في نيويورك -شاركت فيها ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية ESA وأقيمت بين 29 نيسان و3 أيار 2019- تنبأ العلماء بأن الارتطام سيُطلق 20 ميجا طن من الطاقة (وهو ما يعادل ألف ضعف كمية الطاقة المحرَّرة في انفجار قنبلة هيروشيما) مُسوِّيًا بالأرض مساحة قطرها 15 كيلومتر تقريبًا، ليُلحق بمانهاتن دمارًا شاملًا يُذهب بأرواح البشر في دائرةٍ تتجاوز 82 كيلومترًا مربعًا، ويصيب 20 مليون إنسان بإصابات خطيرة وحرجة. أما عن الخسائر المادية فتكفي لتوضيح مداها المحتمل مقارنةٌ بسيطة مع أحداث 11 سبتمبر التي سببت خسائر بقيمة 2 تريليون دولار، بينما لم تتجاوز مساحة الدمار 0.06 كيلومتر مربع.

كيف ندافع عن الأرض أمام هجوم الكويكبات؟

هناك -لحسن الحظ- الكثير مما يمكن فعله للدفاع عن الكوكب، ويمكن اختصار خطة الدفاع في خمس خطوات. أولًا: اكتشاف الكويكبات التي قد تشكل تهديدًا محتملا. ثانيًا: مراقبة الكويكبات كامنة الخطر وجمع أكبر قدر ممكن من الصور والبيانات لتسهيل عملية تحديد مساراتها بأعلى دقةٍ ممكنة. ثالثًا: تشخيص الكويكبات ومعرفة طبيعة مكوناتها وخصائصها الفيزيائية واتجاهات دورانها تمهيدًا لاتخاذ الخطوة الرابعة إذا دعت الضرورة، وهي تحويل مسار الكويكب إذا تأكدنا من كونه على مسار ارتطام حتمي بالأرض، وهناك العديد من التقنيات التجريبية التي ما زالت قيد التطوير، تتضمن القذف بمركبات الفضاء أو التأثير بالجاذبية أو التذرية بالليزر. لكن تلك التقنيات المعقدة تشترك في احتياجها جميعًا للكثير من الوقت، وللاكتشاف المبكر قدر الإمكان، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للخطوة الخامسة، وهي التنسيق الدولي بين برامج الرصد والأبحاث والتوعية حول العالم مثل المؤسسات والمعامل السابق ذكرها في هذا المقال، وتلك المؤسسة الخاصة غير الربحية التي أُسِّسَت في أكتوبر 2002 في كاليفورنيا بإشراف علماء ورواد فضاء عملوا سابقًا مع ناسا، وبغرض دراسة الأجرام المقتربة من الأرض والدفاع عن الكوكب ضد مخاطر الكويكبات، والتي اتخذت اسمها (B612) من اسم الكويكب الخيالي الذي أتى منه الأمير الصغير في رواية سانت إكزوبيري.

بهذه الروح التي يبعثها تلاحُم جدية العلم مع جموح الخيال، وتضافُر جهود محترفي علم الفلك وهواته حول العالم، تولد في نفوسنا الآمال بأن نخلف يومًا ما موعدًا مع رامٍ قاتلٍ من الفضاء، وأن نلاقي -إذا تجدَّد اللقاء- مصيرًا مختلفًا عن الديناصورات.