حوار مع لويس غوردون: العودة إلى «معذبو الأرض»

فرانز فانون، تصميم بيان حبيب.

حوار مع لويس غوردون: العودة إلى «معذبو الأرض»

الجمعة 06 كانون الأول 2019

(نشر هذا الحوار مع الفيلسوف لويس غوردون في موقع ستايت أوف نايتشر في 22 نيسان 2018). 

لطالما أثار «معذبو الأرض» الجدل. وُضع الكتاب في أوج حرب التحرير الجزائرية ونشر عام 1961، وكان صاحبه، فرانز فانون، مارتينيكي الأصل والذي استقر في الجزائر، حيث عمل طبيبًا نفسيًا وارتبط بشكل وثيق مع جبهة التحرير الجزائرية. جاء فانون في هذا الكتاب بِدعًا من القول لا يُتوقّع من رجل أسود حيث يقول: إن الانحطاط الواقع على الأمم الأصلية بفعل الاستعمار لا يمكن دفعه والتخلص منه إلا بعنف مقاوم للاستعمار. وفي هذا الحوار، أناقش مع لويس غوردن المستويات المتعددة لهذا العنف المناهض للاستعمار، والذي جرى (عن قصد أحيانًا) تشويه صورته في كتابات النقاد (البيض غالبًا). وإلى جانب السياق الكولونيالي، فإننا نتطرق في هذا الحوار إلى الأثر الذي تركته أفكار فانون على الشعوب المضطهدة حول العالم، ولاسيما الأمريكيين السود (بدءًا من حركة الفهود السود، والذين اتخذوا «معذبو الأرض» كتابًا مرشدًا للثورة)، والنضال في وجه العنصرية والظلم.

هذا الحوار مع لويس غوردن، الفيلسوف والموسيقي والمفكر السياسي المعروف، وهو أستاذ الفلسفة، المتخصص بالدراسات اليهودية، ودراسات أمريكا اللاتينية والكاريبي، والدراسات الآسيوية والأسيوأمريكية، والدراسات الدولية، في جامعة كونيتكيت-ستورز. يشغل غوردن أيضًا منصب الرئيس الفخري للمركز العالمي للدراسات المتقدمة، وهو أستاذ شرف في وحدة الإنسانيات في جامعة رودس في جنوب أفريقيا، وله اهتمامات جديّة بالموسيقى، فهو طبّال في فرقة «ثري جينريشنز» وعدد من فرق موسيقى الجاز والبلوز في نيو إنجلند. صدر له في العام 2016 كتاب بعنوان «ما قاله فانون: مقدمة فلسفية لحياته وفكره»،[1] وكتاب سيصدر قريبًا بعنوان «الخوف من الوعي الأسود».[2] لويس غوردن هو محرر مدونة «قضايا سوداء في الفلسفة»[3] التابعة للرابطة الأمريكية للفلسفة، كما يساهم في تحرير سلسلة كتب تصدر عن دار «رومان آند ليتلفيد الدولية» تحت عنوان «الفكر الكاريبي النقدي العالمي».[4] 

جيهان أكسان: صدر كتاب فانون «معذبو الأرض» عام 1961 بالفرنسية بعنوان «Les Damnés de la terre»، وترجم إلى الإنجليزية بعنوان «The Wretched of the Earth»، بينما تفضل أنت ترجمته إلى «The Damned of the Earth»، مفضلًا أن تكون أقرب إلى العنوان الفرنسي، فهل هذه الكلمة «damned» تقارب النص من زاوية أفضل؟

لويس غوردن: كلمة «damned» [ملعون/معذب] ليست أنسب وحسب، بل إنها أقدر على إضاءة مساحات أوسع على الكتاب. ولعل الردّ المتوقع على اختياري هو الإحالة إلى الترجمة الإنجليزية لقصيدة أوجين بوتييه، المعروفة باسم نشيد الأممية، والتي وضعها عام 1871. تبدأ هذه القصيدة بسطر شهير يقول: «Debout, les damnés de la terre!» أي هبّوا، يا معذبي الأرض. والتي اشتهرت بترجمتها الإنجليزية: «Arise, the wretched of the earth!». لكن يمكن أن تترجم أيضًا إلى: «Arise, the damned of the earth!». وبعدها يقول: «غد الأممية / يوحّد البشر».[5]

لكن تجدر الإشارة إلى أن فانون لم يكن يحيل إلى هذه القصيدة، بل إلى قصيدة للشاعر الهاييتي جاك رومين بعنوان «السود القذرون»، من مجموعته الشعرية «خشب الأبنوس».[6] وقد أشار فانون إلى هذا العمل في الفصل الخامس من كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» الصادر عام 1952. فمربط الفرس هنا ليس نشيد الأممية، بل ثورة العبيد الهايتيين وارتباطها بالثورة في العالم الثالث، أو ما يعرف اليوم باسم «الجنوب العالمي». وقد ختم رومين قصيدته تلك بذكر قائمة طويلة من الشعوب المضطهدة التي ترفض أن يصمها المستعمر بالقذارة، مثل «السود القذرون» و«الهنود القذرون»، و«الهندوس القذرون»، «والهندو-صينيون القذرون»، و«العرب القذرون»، و«الماليزيون القذرون»، و«اليهود القذرون»، «والعمال القذرون»، ثم جاء في نهاية القصيدة قوله: «معًا نقف على قلب واحد / نحن معذبو الأرض».[7]

ولا يصعب عند النظر إلى كلتا القصيدتين رؤية الاختلاف بين ما للأممية من دور إزاء البشر وبين قائمة محددة من هؤلاء البشر وعلاقتهم الأصيلة بالأرض. فكلمة «human» أصلها «homo» اللاتينية، والتي تعود إلى كلمة «humus» التي تعني «التراب» أو «الطين». ولو نظرنا في الإنجليزية إلى كلمات من قبيل «humility» و«humble» فسنجد فيها ما يذكّر بالعلاقة بالأرض. هذه العلاقة مع الأرض والطين تفصح أثر العلاقة مع مفاهيم أفريقية قديمة تجد أثرًا لها في اللغة العبرية، حيث تستخدم كلمة «adamah» بمعنى إنسان، وهذه الأخرى، لها علاقة بالأرض والتراب، وبالأخص الصلصال الأحمر، الذي يشبه ما يحدث حين تذبح الحيوانات من نحرها ويسيل دمها على التراب. وهذا هو أصل اسم «آدم»، والذي يعني حرفيًا «الأحمر» إضافة إلى «إنسان». وثمة جهود حفرية لغوية ذهبت أبعد من ذلك، تقترح أن الكلمة تعود إلى مصر القديمة، حيث الإله «أتوم» (وربما كان يلفظ بالدال)، وهو الرب الذي خلق نفسه من كومة من الطين الناشئة في حضن المحيط «نون» (العدم أو ظلمات المياه الممتدة بلا حدّ).

ومن هنا يأتي الحرص على استخدام الكلمة «damned»، القادمة من اللاتينية «damnum»، والتي تعني الأذى أو الضرر أو الإصابة. وثمة ارتباط بين كلمتي «damnum» و«adamah» يكشف عن قصّة نشوء من الأرض وصعود منها وعقاب وابتلاء بالرجوع إليها. فالإنسان كما نعلم كائن متسامٍ، قدماه في الأرض وهو يرنو إلى السماوات.

كل ذلك يشكل مفتاحًا أساسيًا للفكرة التي انطلق منها فانون في كتابه «معذبو الأرض». فهو يجادل بأن المشاكل تبرز حين يُدفع بالناس خارج نطاق العلاقات البشرية. فالبشر، كما يجادل فانون، لا يمكن لهم العيش إلا في عوالم إنسانية، ودفعهم خارجها يعني ظهور كائنات غير إنسانية وتحويل الإنسان إلى «زومبي» على حد تعبيره. إن الإخفاق في التعامل مع مشاكل الإنسان -والذي يعني بالنسبة له دفعه خارج نطاق العلاقات البشرية- هو شكل من الطرد واللعنة. والنضال من أجل الأنسنة في نظر فانون يستلزم مواجهة هذا الطرد. وهذا النضال ويتطلب تحمل المسؤولية إزاء حال البشرية، والذي يعني، بالنسبة إليه، الترقي إلى مفاهيم جديدة، مع بقاء الأقدام ثابتة على أرضيتنا البشرية.

يبدأ فانون كتابه بالتأكيد على أن «محو الاستعمار حدث عنيف دائمًا». أي أن محو الاستعمار، باعتباره نزالًا بين قوتين متعارضتين أساسًا (المستعمِر والمستعمَر)، لا يمكن أن يتحقق على نحو سلميّ. وكما هي فلسفة الصراع في الحياة والموت عند هيغل، حيث لا بد من خوض معركة قبل أن يوجد حيّز لتحقيق الاعتراف المتبادل، وكذا الاستقلال الحقيقي لا يتمّ إلا إن انتزع انتزاعًا من المستعمِر. هل هذا يعني مثلًا أن استقلال غانا، الذي حصل على يد كوامي نكروما دون اللجوء إلى العنف، لم يكن استقلالًا حقيقيًا؟ أو أن المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، والذي اختار التسوية مع المستعمر عبر المفاوضات، ما يزال مرتهنًا إلى مستعمريه السابقين ولم يتحرر من ربقتهم؟

قد يجادل فانون بأن كلًا من غانا وجمهورية جنوب أفريقيا دولتان ما تزالان تمران بعنف مستمر. علينا أن نتذكر أن «الانتقال السلمي» يعني باختصار أن لا يلحق الأذى بالبيض أو أن يكون الأذى لو حصل في حدّه الأدنى. في المقابل، قد تُقتل أعداد لا تحصى من السود في المجتمعات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، بدعوى تحقيق «السلام» وإنهاء العنف. هذه قطعًا هي الحال في الولايات المتحدة، ليس فقط في علاقتها مع السود، ولكن أيضًا فيما ارتكبته بحق السكان الأصليين.

علينا هنا أن نتذكر نقد فانون لفكرة الاعتراف عند هيغل، حيث يرى فانون أنها غير ذات صلة بالسياق الكولونيالي. بل إن الاعتراف يفاقم المشكلة، إذ إنه يتضمن قياس الذات اعتمادًا على معايير أولئك الذين يستحقرون الشعوب المستعمَرة. إنّ الهدف من مناهضة العنصرية والاستعمار، كما يرى فانون، ليس تحصيل الاعتراف، وإنما إخراج العنصريين والمستعمرين من المعادلة. وهذا يتطلب خلق نظام لا يكون لهم فيه من القوّة والنفوذ ما يجعلهم ذوي أثر في الوضع القائم. للمستعمرين السابقين أن ينشغلوا بتطوير ذواتهم أو ممارسة السلطة على أنفسهم لو رغبوا، لكن قدرتهم على فرض السلطة على سواهم ستكون قد انتهت، أي أنهم سيكونون، باختصار، عاجزين عن فعل ذلك.

إن تأكيد فانون على النضال لمحو الاستعمار ينضوي على جانبين اثنين. الأول منطقي؛ فإن كان الاستعمار الاستيطاني يعتبر عادلًا، فإن محوه سيعني الاعتداء على هذه العدالة. أما لو كان الاستعمار غير عادل، فإن عدم القيام بشيء حياله سيعني المساهمة في ترسيخ حالة الظلم. وهنا يبرز الجانب الجدلي في المسألة. أحد إشكالات الاستعمار هو نشوء عالمَين منقسمين متناقضين، ولفكر هيغل أهمية في هذه النقطة. فكل فئة منفصلة عن الأخرى بشكل قطعي وشامل في تقسيم مثالي مانويّ، ولا علاقة تربط بينهما. هذان النموذجان «النقيان»، المعرّفان خطأً بوصفهما تعبيرًا عن «السلام»، يعتبران الشوائب نموذجًا للعنف في حال تفاعل أحدهما مع الآخر. وبما أن الفصل يخفي وراءه علاقة راسخة من القوة، فإن قطع ذلك الرابط يكشف عمّا كان يلزم أن يظل مستترًا. وهذا على المستوى المنطقي يعدّ عنفًا، لأنه يخترق فضاء الظهور المشروع. ولتجنب هذا العنف، فمن الأفضل الحفاظ على نظام الاستعمار. ولتوضيح الفكرة، فإنه ليس ثمة فرصة لمحو الاستعمار في مجتمع استعماري دون تعرض بعض الأطراف للخسارة، وهذا أمر حتميّ.

أما الجانب الثاني فهو عملي. وهنا نرى التوافق بين فانون وشخصية فكرية ثورية، وهي الأناركية النسوية هيي-ين تزين (He-Yin Zhen)، التي رأت أنه لا يحسن بالمرأة أن «تُمنح» حريتها، لأن في ذلك اعترافًا بأحقية مانحيها، فالحرية تنتزع انتزاعًا. ولذلك دعت إلى المساواة كهدف يجب أن يسعى الجميع لتحقيقه، دون أن تعتمد المرأة على الرجل للوصول إلى ذلك الهدف وإضفاء الشرعية عليه. وبالمثل، فقد جادل فانون بأن أنظمة العدالة على طراز الحداثة الأوروبي يلزمها أن تعلن بكل وضوح أن الشعوب المستعمَرة المستعبدة والمستحقرة عرقيًا، لها أن تطالب بحقّها من المستعمِر، لكن الدول الأوروبية الحديثة التي راكمت ثرواتها بنهب هذه الشعوب لن تخضع لأي التزامات أخلاقية. إن تراجعهم، ونذكّر هنا بتعليقنا في السؤال السابق عن اللعنة والطرد، لا يحدث إلا لصالح من يعتبرونه بشرًا. أضف إلى ذلك، وهنا مربط الالتقاء العملي بين هيي-ين وفانون، أنه لا معنى للأخلاقية بلا قوة سياسية تضمن تطبيقها في المجال العام. لذلك فإن مهمة تحصيل القوة السياسية منوطة بأولئك الذين يرزحون بالتبعية لأنظمة ظالمة، رغبوا بذلك أم لا. وبعبارة أخرى يمكن القول إن أحد مخرجات الاستعمار هو التأكيد على أن المسؤولية السياسية تتبع المسؤولية الأخلاقية وتنشأ عنها.

من الناحية العملية، يقول فانون وهيي-ين لمعذبي الأرض: لا تتوانوا ولا تنتظروا. تحرّكوا وكونوا على يقين بأن أفعالكم ستتسم بالعنف، قصدتم ذلك أم لم تقصدوا. إنكم تضيعون الوقت في محاولة إثبات سلميتكم، لأن ذلك في نهاية المطاف لا معنى له. لا بدّ أن نتذكر في المقابل أنه وعلى الرغم من أن هذا تصور فضفاض للعنف، فإن ذلك النوع من العنف بمفهومه الضيق والمتعلق بالعنف المادي هو أمر أبغضه المفكران ولكنهما لم يرفضاه، وذلك لأنهما اعتبرا عدم مقاومة العنف المادي وتبني السلمية إزاءه خيارًا إشكاليًا، بل وينضوي على نفاق صريح. إن الرفض الحقيقي للعنف يستلزم القيام بشيء حياله. ويقرّ فانون بأن القيام بشيء حيال هذا العنف يضعنا في اتصال مباشر معه، فالعنف معدٍ، ويلزم عن إنهائه التورط فيه، وهكذا نصل إلى خيار تبنّي العنف.

لقد رأى فانون كذلك في العنف قوة تطهيرية تحرر المستعمَر من عقدة النقص وتساعده على إعادة تشكيل إنسانيته. لكن أليس من الممكن أن يتطور هذا العنف «التطهيري» إلى عنف مرضي؟

دعيني أضع موقف فانون في سياقه. لقد خاض فانون تجربة مباشرة في التصدي للبحارة الفرنسيين في المارتينيك في سنوات شبابه إبان حكم فيشي لفرنسا، وقتاله ضد الألمان في الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة أتاحت له فرصة الاستبصار عبر التماس المباشر مع الاستعمار بشكله الفجّ. لقد خبر فانون مواجهة الرجل الأبيض، وعرف أنّه من طينة البشر لا الآلهة. وهذه تجربة لطالما أراد فانون لرفاقه ورفيقاته، الذين كانوا فريسة رعب من الرجل الأبيض أن يختبروها. إضافة إلى ذلك فقد كانت جهود وقت الحرب قائمة على آماله بأنه كان يحارب إلى جانب الطرف صاحب الحق. وهذا ما جعل رؤيته الجنود الفرنسيين ينتهجون أساليب فاشية لحماية المستعمرات الفرنسية يشكّل لديه حالة من الاضطراب التالي للصدمة. وهكذا اتّضح أن ما ارتكبه الألمان في الحرب العالمية الثانية، في المحصلة، ليس إلا حلقة أخرى من مظاهر استحقار الحداثة الأوروبية البشرَ في مستعمراتها، والتي تطورت بأحد أفظع أشكالها مع الاستعمار الألماني، في ناميبيا على سبيل المثال.

أما فيما يتعلق بالنظر إلى العنف باعتبار أثره «التطهيري»، فإن علينا أن نفكر هنا بالوظيفة الطبية لعملية التطهير والأهمية السياسية للتراجيديا. لقد تناولت هذه المسألة في كتابي «فانون وأزمة الإنسان الأوروبي»[8] وفي كتابي «ما قاله فانون». فالتراجيديا الأرسطية قائمة على التطهير، حيث يتم التخلص من الأهواء والانفعالات غير الصحية في المجتمع. وقد توافقت تجربة فانون المبكرة في النضال في سنوات صباه مع هذا المعيار، مع أن من كان يحارب ضدهم كانوا أبعد ما يكون عن صفة «البراءة» أو «النبل»، وهما سمتان مهمتان في التراجيديا، حيث يصيب الألم شخصيات تتسم بالبطولة. لكن في التناول الهيغلي للتراجيديا، تتحوّل الفضيلة إلى صراع بين تصورات متعارضة لما هو صواب، تصبح أشدّ وضوحًا داخله. فقبل بدء الصراع، تكون تصورات متعارضة، وفي الصراع تصعد التناقضات إلى السطح.

بالنظر إلى ذلك كله، رأى فانون أن عدم التحرك أمر سلبي، وأن العجز عن التحرك سيؤدي إلى خلق مجموعة من البشر الذين يظنّ أنهم فوق الإنسانية، وخلق تصورات وهمية عن الآلهة المتعالية وأشباه البشر تحتها. وفي عالم من الآلهة وشبه البشر لن يكون هنالك وجود إنساني، أو بالأحرى سيتلاشى الواقع الإنساني وتتلاشى معه الكرامة الإنسانية. وهنا تصبح إعادة أولئك الذين يرون أنفسهم آلهة إلى إنسانيّتهم تجربة عنيفة، أمّا بالنسبة لمن كانوا يلقون معاملة الحيوانات، فسيكون ذلك برهنة على إنسانيتهم. وهذه واحدة من الكوارث التي تسببت بها الحداثة الأوروبية، والتي أصابت كما هو معلوم، الأرض شرقًا وغربًا. إن التراجيديا تقدم وكأنها تأتي في نظام يعاني فيه الأبرياء، والطيبون من الطرفين. إن في الاستعمار والاستعباد والعنصرية مأساة ما دمنا نرى تجاهل معاناة المعذبين أو إسقاطها من الاعتبار. إنه واقع معاش من قلّة القيمة.

لكن الصورة قد تتجلّى بشكل أوضح عند التعاطي بشكل أدق مع فهم فانون لمسألة العنف. إن رأي فانون ينتهي في المحصلة إلى نقد العنف عبر التأكيد على أن اللاعنف المطلق شكل من التواطؤ مع نظام قائم من العنف. وهو يحول هذا النقد إلى الداخل ويوجهه إلى المناضلين في حركات التحرر أيضًا. وهو يقوم بذلك على مرحلتين: في الأولى يظهر كيف تنشأ الطبقة البرجوازية ما بعد الكولونيالية من رحم النضال من أجل الاستقلال. فمجموعة المهارات التي يحوزونها مرتبطة عضويًا بالعمل الساعي لمحو الاستعمار. لذا فإنهم عالقون في عنف مستمر. فالشرعية التي يمثلونها قائمة على التعهد بمواصلة النضال ضد الاستعمار. والمشكلة هنا أن ذلك قد يجعل الناس يتعاقدون على العنف. إنه، في واقع الأمر، عنف متعاقد عليه، ويمكن بعبارة ليبرالية أن نقول إن لدينا حالة من «العقد العنفي». وهكذا فإن المهارات التي لديهم عالقة في لحظة معينة من النضال، بيد أنها غير ملائمة لاحتياجات الجيل اللاحق.

هذا ما جعل فانون يقول إن لكل جيلًا مهمّة قد يفي بأدائها أو يتخاذل عنها. فبعد النجاح في النضال لتحقيق الاستقلال الوطني، لا بد أن يكون من الواضح لمجتمع ما بعد الاستعمار أشكال النضال الأخرى التي يتوجّب الانخراط بها، والتي تتطلب مهارات مختلفة. وهذا ما دفع فانون في نهاية كتابه إلى الدعوة إلى إنشاء فكر جديد والسعي لخلق إنسانية جديدة. لكن قبل ذلك، نراه يركز على عرض صور من العنف الحاصل أثناء النضال للتحرر. كانت أمثلته عن أشخاص من مختلف الأعمار، في الجانب المناهض للاستعمار، وهي أمثلة غاية في الفظاعة. ولو كان مقصد فانون من ذلك إعطاء صورة رومانسية عن عرب الجزائر وبربرها، لكانت تلك الأمثلة ذات أثر عكسي. إلا أنّها تؤدي الغرض المقصود، لأنها لا تهدف إلى إضفاء شيء من الرومانسية على العنف.

حين يكتب فانون «إن العنف الذي سيطر على ترتيب العالم الاستعماري (..) هذا العنف نفسه سيطالب به المستعمر وسيتولّاه»، فإنه بذلك يجعل المستعمِر الفاعل الرئيسي للعنف. فهل يكون «العنف المضاد» من طرف المستعمَر مجرد إعادة إنتاج لعنف المستعمِر؟ ولو كان الأمر كذلك، فهل المستعمَرون بصدد عملية «تطهير» و«إعادة خلق» لأنفسهم عبر ذلك العنف الذي لم يكونوا هم مصدره أساسًا، وبهذا يكونون قد تماهوا مع هوية المستعمِر وقيمه؟

هذا طرف من إشكال تطرق إليه فانون في كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء». ففي الكتاب، وبطريقة تذكرنا بفرانكشتاين، ذلك المخلوق المسخ في رواية ماري شيلي الشهيرة، فإن المستعمَر مسكون بتقليد المستعمِر. فالأوّل هو الذي صنع الأخير، وهذا الأخير لا يَصنع. وهذا ما جعل فانون في كتابه آنف الذكر يختتم بمناشدته الشهيرة: «أناشدك يا جسدي أن تجعلني على الدوام إنسانًا يطرح الأسئلة». لاحظ أيضًا أن الكائن الذي خلقته شيلي في روايتها ليس إلا سؤالًا طويلًا هو الآخر، يدفع القارئ إلى التساؤل عن ماهيّته، وهو نفسه قد سأل من خلقه، ومن تجنبوه، وربان السفينة التي رويت له الحكاية، كما ساءل نفسه في نهاية المطاف، «في حقيقة الأمر، ماذا أكون أنا؟».

لكن في «معذبو الأرض»، يدرك فانون خطأ النرجسية. فكتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» كان عالقًا في النرجسية بسبب سياق الكتاب وإطاره في الطب والعلاج النفسي. فعلاقة المعالج بعميله أو مريضه هي علاقة يكون التفوق فيها لعالم الأخير، فلديه ليس ثمّة إلا «عالمي أنا وحدي». لكن ما يضيع هو الوعي بأن الغضب إزاء الاستعمار والاستعباد والعنصرية هو علامة صحة، والاستجابة الصحية تتمثل في النضال ضد ذلك كله، في الخروج إلى العالم وفعل شيء لتغيير وضعه القائم.

وفي معنى «النضال» لوازم متعددة، من ذلك مسألة الجندر وانعكاسه على التصورات المتعلقة بالنضال والكفاح. كما يمكن أن نضيف مسألة «النضج»، فالنضال الناضج يتطلب امتلاك الفهم بأن القضية ليست مسألة شخصية، وإنما تمس ما هو أهم من ذلك. إن تجاوز الذات يتطلب الالتزام بأمور أعظم منها، ما يستلزم بالضرورة قدرًا من التواضع. النضال السياسي يتطلب التفكير بمنطق «السلطة للتغيير» وليس بمنطق «السلطة للسيطرة على الآخرين». فالنمط الأول من التفكير ناضج ويفضي إلى التحرر، أما الثاني فغير ناضج ومآله الاستبداد والنزاع. الأول يتطلب التعهد ببناء عالم مختلف وأفضل، أو أكثر نضجًا على الأقل.

وعَوْدًا على رواية فرانكنشتاين، فإن المسخ فيها لم ير الإبداع إلا في خالقه، فكتور فرانكنشتاين، وهو الذي يعني اسمه بالمناسبة النصر على الحرية أو انتصار الحرية. وما دام المخلوق معتمدًا على سواه، فهو ليس حرًا. ولهذا كان مآله نحو التطهّر بالنار، كما كان مسار فانون في كتابه «بشرة سمراء، أقنعة بيضاء» نحو التطهر بالدموع ثم طرح الأسئلة (الانفتاح). وفي «معذبو الأرض»، أدرك فانون أن الأمر لا يقف عنده هو، وإنما يعني أن يكون ثمة التزام بالحرية والحقيقة يتجاوز الذات. وهكذا فهم أن المهمة تكمن في الخلق دون إرغام الأجيال اللاحقة على أن يكونوا على صورة الخالق. لقد كان انتقاد فانون للطبقة البرجوازية الناشئة بعد الاستعمار في أنها كانت ما تزال أسيرة التقليد. لقد كانت المهمة تقضي نبذ التقليد، والشروع في بناء مؤسسات وعلاقات أصيلة وجديدة بالكلية من أجل مستقبل مختلف.

في كتابها «في العنف» (والذي كتب في ضوء ثورة الطلاب في فرنسا وحركة «القوة السوداء» في الستينات، ولا يرد فيه ذكر للجزائر بالمرّة)، انتقدت حنا أرندت جان بول سارتر في تصديره لكتاب «معذبو الأرض»، ورأت أنه ذهب أبعد من فانون نفسه في تمجيده للعنف. بغض النظر عن صحة ادعاءاتها، كيف لك أن تقيم تصدير سارتر للكتاب؟ وهل تراه يجنح به في اتجاه لم يقصده فانون؟

لعل هذا ما حصل فعلًا، ولكنّ ذلك ليس بالضرورة سيئًا. لقد طلب فانون من سارتر أن يكتب له تصديرًا للكتاب لأسباب عدة، ليس من بينها قطعًا أن يساعد في ترويجه. لقد نشر كتاب فانون «العام الخامس من الثورة الجزائرية» عام 1959 ونفدت النسخة الأولى منه خلال أسبوعين فقط بعد إصداره، رغم أن الكتاب كان محظورًا في فرنسا، وكان الحظر بلا شكّ هو ما ساعد على انتشاره أكثر. لم يكن فانون شخصية تعوزها الشهرة. أعتقد أنه بالإضافة إلى انتقاد الرؤية الرومانسية في الحديث عن العنف في الفصل المتعلق بالحرب الاستعمارية والاضطرابات النفسية، فقد كان فانون ينفر كذلك من النماذج الطهورية من الثورة. لقد كان يرغب في مجتمعات ما بعد استعمارية تكون «بيوتًا» تسع الجميع. الكلّ كان يعرف سارتر، والكل يعرف أنه أبيض. وقد كان التقاء الرجلين في هذا النص دليلًا على ما ينكره المستنكرون، وهو القدرة على الاتحاد في سبيل قضية مشتركة.

حري بالذكر هنا أن فانون كان مدركًا للحد الذي بلغه سارتر في بغض الطبقة التي انتمى بالولادة إليها، ويكفي لتقدير ذلك الاطلاع على محاضرته الشهيرة عام 1945 «الوجودية منزع إنساني»، ولذا فإنه من المؤكد لم يتعجب من أوجه الاستفزاز التي اقترب منها في تصديره الكتاب، وهو الفيلسوف الذي لا يُعرف عنه كتابة مقدّمات نمطيّة للكتب (انظر مثلًا كتابه «أورفيوس الأسود»)، ولم يكن يملك ألّا يعبر عن آرائه بكل صراحة. لذا فإن تصدير سارتر قد عبر عن وجهة نظره هو، التي لا تخلو من أهمية ووجاهة، وهو أن الحداثة الأوروبية لا تمتلك رصيدًا أخلاقيًا يمكنها الاتكاء عليه، وكانت تعاني، وما تزال، من أزمة شرعية وجودية، وهذا ما أوضحته في كتابي «فانون وأزمة الأوروبي». حين يضطر طرف ما إلى فرض تاريخ زائف على الناس كي يضمن له الشرعية، فإن هذا لا يؤكّد إلا على غياب هذه الشرعيّة وانتفائها.

سارتر بطبيعة الحال لم يكن نبيًا معصومًا. فالنخب في العالم الثالث، أو ما ندعوه اليوم الجنوب العالمي، ما يزالون يبتغون الاعتراف من أصنام الحداثة الأوروبية. وبينما سارتر نفسه رفض استلام جائزة نوبل، نرى أن معظم النخب في الجنوب، حتى أولئك الذين يناهضون الاستعمار المعرفي، سيقبلونها بكل حرص وغبطة، بل والأدهى أنك تراهم يفضلون الجوائز الغربية على تلك التي تقدمها لهم مجتمعاتهم.

ثمة ذكورية حاضرة بقوة في كتاب فانون، فهل هذا يحول دون استفادة المرأة المستعمَرة من نظرياته في التحرر؟

ربما يلزمنا أن نسمع الإجابة من العديد من النساء أنفسهن. ربما كان ذلك صحيحًا بالنسبة للبعض، لكني لاحظت أن غالبية الحضور في كثير من اللقاءات التي شاركت بها عن فانون كان من النساء من جميع الأطياف، وخاصة من النساء اليهوديات في اللقاءات التي يمكن وصفها بأنها «بيضاء». لقد رفض فانون أن يتعالى على أيٍّ كان، وهذا يعني أنه لم يستثن أحدًا في نقده. إن النساء اللواتي أعجبن بما كتب فانون واستفدن منه كن معظمهن من شعوب عانت من الاستعمار، وقد سمعت من العديدات أنّ قراءة فانون قد ساعدتهن على التحرر. ثمّة استثمار كبير كما نعرف في التأكيد على أن مصدر الاستعباد بالنسبة للمرأة المستعمرة هو الرجل المستعمَر، ما يعفي الرجل الأبيض من المسؤولية، ويترك الباب مواربًا للمرأة البيضاء المستعمِرة كي تقوم بدورها عبر شعارات «التضامن» مع المرأة.

في الحقيقة، يتم التعامل مع فانون بمكيالين. فكتابات حنا أرندت ذكورية بشكل واضح جدًا، كما هي كتابات سيمون دي بوفوار إلى حد ما، وثمة كتابات نسويّة لا تنفكّ تجلد المرأة، مثل كتابات الناقدة الأفريقية نكيرو نزيغوو (Nkiru Nzegwu)، وأويرونكي أويوومي (Oyeronke Oyewumi)، والكاتبة الجامايكية سيلفيا وينتر (Sylvia Wynter)، وغيرهنّ. وثمة من يهاجم فانون، ثم نراه لا يتورّع عن أن يقدّم أفكارًا ذكورية من منطلق المركزية الأوروبية للرجل الأبيض، في حالة فجّة من النفاق.

هنالك أيضًا مفاهيم إشكالية حول الذكورية في بعض الأعمال الفكرية النقدية. لم لا يمكن الحديث مثلًا عن «ذكورية» فوكو؟ لم لا تعتبر مثليته الجنسية مثليّة ذكورية؟ لقد كانت ذكورية فانون كما أفصح عنها في نهاية الفصل الخامس من كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، وهو النص الذي يمكن اعتباره المرجع الأول لمثل هذه الانتقادات، حيث يقول إنه قد بكى حين أدرك الفشل الذي تجلى في فكرة «الزنوجة» (Negritude). وما زلت أحاول أن أعثر على مفكر رجل آخر يعترف بهذا القدر من التأثر أيًا كان مصدره.

إلا أنني في المقابل نقدت بعض آراء فانون النيتشوية التي استقاها بوضوح من بيفوار، كما أنني كتبت ناقدًا بعض قضايا أخرى لديه، مثل رأيه في موسيقى البلوز وتحليله لها. لكن علينا أن نذكر أن نقد الرأي وانتقاده لا يعنيان صرف النظر عنه. فانون لم يرد أن يتعالى عليه أحد قط، ولهذا لم يتعالى على النساء قط. ولا يحق لنا التعالي عليه عبر تجنب التناول النقدي لأفكاره. 

تحول كتاب «معذبو الأرض» إلى دليل ملهمٍ لحركة «القوة السوداء» في الولايات المتحدة. نظرًا إلى أن الكتاب يعود إلى فترة حرب التحرير الجزائرية، ما الذي ضمن له هذا التأثير بين السود الأمريكيين في الستينات؟

لقد كانت حرب التحرير الجزائرية سياقًا من بين سياقات عدة كتب فيها الكتاب. قارن بين التجارب التي مر بها فانون الذي كتب «معذبو الأرض»، وبين فانون الذي كتب «بشرة سمراء، أقنعة بيضاء» قبلها بعقد من الزمن. لقد شارك فانون في مؤتمرين عالميين اثنين للكتاب السود، إلى جانب عدد من أهم الكتاب في عصره، وأشرف على إنشاء المؤسسات الطبية في الجزائر وتونس، في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وشارك في حرب التحرير الجزائرية، وعمل سفيرًا للجزائر إلى دول في أفريقيا الغربية، ما تطلب منه العمل على تعلّم أساليب التجسس وسياسات الأمر الواقع لمعظم الدول التي كانت ذات تأثير في مصير ما كان يدعى العالم الثالث، وشارك في عدد لا يحصى من المؤتمرات والمنتديات المناهضة للاستعمار، وجال على المنشآت الطبية في الاتحاد السوفيتي، وأشرف على تدريب الأطباء والجواسيس والجنود، وفوق كل ذلك تسنّى له الوقت لكتابة أبحاث أكاديمية.

لعل «السياق» الذي يمكن الحديث عنه لا يكمن في التفاصيل بقدر ما يتعلق بالإطار الأوسع للصورة. فكتاب «معذبو الأرض» وجد صدى لدى السود الأمريكيين لأنّه كشف القناع عن الحداثة الأوروبية. كان السود الأمريكيون في تلك المرحلة، وكثيرون اليوم ممن لم يواجهوا ما يسميه مايكل تيلوتسون في كتابه «جيم كرو اللامرئي»[9] «مقاومة المقاومة»، على وعي بالمعايير المزدوجة لمجتمعات الحداثة الأوروبية. فقد كانوا، ومثلهم في ذلك الشعوب الأصلية، واعين بأن النظام ليس في صفهم. وقد حفز ذلك الوعي ضميرًا مزدوجًا محتملًا وفق التناقضات التي يعج بها ذلك النظام. لقد كانوا تواقين لأن يكون لديهم مفكر يشبههم، رجل أو امرأة، يناهض النظام ويتحداه، لا يهاب قول الحقيقة للسلطة وللناس الذين يتوجب عليهم النهوض ضد السلطة المدمرة وإقامة نماذج بديلة وبنّاءة. لقد كان فانون جسورًا، لأنه هو نفسه لم يبالغ في تقدير نفسه، وإنما تعامل مع المشاكل بكل جدّية وحزم. إن في الكتاب براعة والتزامًا وسعة اطلاع وقوّة وحقيقة، تحاكي العقل عبر احترامه.

ما أهمية أفكار فانون للناشطين السود اليوم؟

تنبع أهمية أفكار فانون من عدة جوانب، وسأتطرق إلى نقطتين أساسيتين، وذلك لأني استطردت في الحديث في إجاباتي السابقة. النقطة الأولى هي طريقة تعاطي فانون مع الفشل. الخوف من الفشل يزداد باطراد مع تعاظم فكرة المرء عن نفسه. أما حين ينحّي غروره جانبًا، فإنه يدرك أنّه جزء من أمر متجاوز لشخصه، ويغدو الفشل الشخصي مغايرًا للفشل السياسي. إن أعظم فشل كما يرى فانون يتمثل في عدم القيام بشيء. والفعل يغير العلاقات. وحتى لو كانت ثمّة مجموعة مضطهدة، فإن الآخرين قد ينهضون حين يجدون أن السلطة الفعلية قد سحبت منهم. لقد حارب الأجداد حين كانوا تحت نير الاستعباد، دون أن يعرفوا ما سيؤول إليه نضالهم. واليوم، تدرك الأجيال التي أعقبتهم ما كانت ستكون عليه الحال لو أنهم خنعوا ولم يفعلوا شيئًا. يمكن أن نقول هنا إن المستقبل بأحد أشكاله يعتمد عادة على ما نعجز عن فهمه في اللحظة الراهنة.

يقودنا هذا إلى جانب آخر من بين الجوانب العديدة التي تتجلى فيها أهمية فكر فانون اليوم، وهي حضّه لنا، عبر القوّة التي يمثّلها الفعل، على نبذ التقليد. فكثيرًا ما أكّد فانون على أهمّية أن نحدّد المهمّة المنوطة بنا، وأن نفكر، عبر التزاماتنا، بما علينا أداؤه والالتزام نحوه بدل التفريط به والتخاذل عنه.

  • الهوامش

    [1] What Fanon Said: A Philosophical Introduction to His Life and Thoughts.

    [2] Fear of Black Consciousness.

    [3] Black Issues In Philosophy.

    [4] Global Critical Caribbean Thought.

    [5]«The International / Will be humankind».

    [6] Bois-d’ébène.

    [7] «And there we stand / all the damned of the earth».

    [8] Fanon and the Crisis of European Man.

    [9] Invisible Jim Crow.