حياتنا مع الكيتش

الأحد 12 أيار 2019

تتربص بنا صور «صباح الخير» يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي بالورود والقلوب اللزجة، تمامًا مثل الموسيقى الرديئة للإذاعة المحلية واقتباسات أحلام مستغانمي وهذه الساعة الزهرية على شكل مسجد بمآذن تنكية، والمئات من الظواهر المشابهة التي يطلق عليها مصطلح «كيتش».

بأوسع تعريفاتها، تصف الكلمة الألمانية الأصل أي شيء يتميز بالتصنع والابتذال وبفيض من الألوان والمكونات غير المتجانسة، بنوع من العاطفة المفرطة والذوق السيء. لكن أخصائيي الفن لطالما حاولوا حصر الكلمة في تعريف أكثر موضوعية، لإثبات أن المسألة تتعدى مجرد «شرشحة»، بل تنتج عن خلل بنيوي في صناعة الغرض. باختصار، يمكن تعريف الكيتش بثلاث كلمات: تقليد شكليّ مخفق.

فالكيتش يقوم دائمًا على تقليد أسلوب فني آخر أو على تقليد الواقع، ولكن فقط على مستوى العناصر الشكلية الظاهرة، ويخفق مع ذلك لعدم قدرته، أو رغبته، في تحليل ما يقلّده. على سبيل المثال، تستخدم العمارة الدمشقية التقليدية تقنية الأبلق، أي تناوب صفوفٍ من الحجر الأسود والأبيض، الشيء الذي تحاول بعض المطاعم الحديثة تقليده بطلي جدارنها الخرسانية أو تلبيسها أشرطةً بيضاء وسوداء. لكن تقنية الأبلق ولدت من توافر الحجر بلونيه الطبيعيين، مما ولّد بدوره الحاجة إلى شكل فني يسمح باستغلالهما، أي أن الإمكانات التقنية هي التي ولّدت الشكل الفني، بينما في حالة المطعم، لم يعد الأبلق مرتبطًا بمسألة بنائية بل بهدف تجاري، فيتحول إلى «محاولة لفرض الشكل الفني على التقنية»(1) حسب كلمات فالتر بينيامين، وبالتالي إلى كيتش.

إضافة إلى ذلك، يأتي الإخفاق من رغبة في المزاودة على الشكل المُقلَد. ففي محلات التذكارات السياحية، حيث يتألق الكيتش عادةً، لا تعود نسخ الموناليزا الطبيعية كافية، فنريد مناشف وشحاطات عليها الموناليزا، تمامًا كما نريد أبراج «إيفل» صغيرة بكل الألوان، بما فيها الذهبي، والذي يبدو أفخم حتى من البرج الأصلي بلونه المعدني الحزين.

يراكم الكيتش الإخفاقات التقنية والسياقية تلك، فاستخدام أصوات إلكترونية مزيفة لتقليد صوت أوركسترا سيمفونية (أو العكس) قد يكون كيتش من النوع البسيط، لكن استخدام تلك الموسيقى فيما بعد كخلفية مصعد أو إعلان صابون يجعل منها كيتش من النوع المضاعف.

تاريخ موجز للكيتش

لكن الكيتش ليس ظاهرة أزلية، فبحسب كليمنت جرينبرج، الناقد الفني وأحد ألد أعداء الكيتش، بدأت المشكلة مع الثورة الصناعية وإفرازها لطبقات جديدة تركت قراها للعمل في المدن، فلا هي حافظت على فنونها التقليدية ولا أعطيت الوقت والتعليم الكافيين للتقرب من فنون الطبقات العليا. ردًا على ذلك، قامت المنظومة الصناعية ذاتها المسؤولة عن هذا الفراغ بتقديم الحل: فن رخيص ومقلَد، يصنّع بالجملة ويقوم على التنميط والوصفات الجاهزة، ويقضي تدريجيًا على الحرف التقليدية أو يخربها مقابل وهم بالتمدن والحداثة (فيتخلى مثلًا جزء من الفخار الخليلي عن زخارفه التقليدية مقابل رسمات جمال صحراوية أو معالم سياحية).

لكن الأهم من سهولة الإنتاج والانتشار هي سهولة الاستهلاك. فالكيتش «لا يطالب زبائنه بشيء غير مالهم، ولا حتى وقتهم»(2)، فهو صور مفرغة من عمقها التقني والتاريخي، وقادرة بالتالي على تفعيل أي مشاعر آنية قد يرغب المستهلك بإسقاطها بلا تفكير. وهنا يذكّر عالم الاجتماع نوربيرت إلياس(3) بأن المزاودة العاطفية للكيتش قد تبدو سخيفة، لكنها تلبي في الحقيقة حاجة صادقة للطبقات العاملة بإرضاء رغبات مكبوتة أثناء العمل، رغبات بالرخاء والرفاهية يسلبها إياهم نظام العمل الحديث. لكنه يتوسع بوجهة نظر جرينبرج، الطبقية بعض الشيء، مشيرًا إلى أن الكثير من الكيتش يمس كل الطبقات الاجتماعية للقرن التاسع عشر، حتى البرجوازية وأعمالها «العظيمة»، قاصدًا بذلك اللوحات الرومانسية والعمارة المشحونة بالزخارف أو حتى أوبرات فيردي التي تستخدم قشورًا مختلفة (مصرية، بابلية، شيكسبيرية) لتغليف ذات المحتوى العاطفي.

بالفعل، لا يبالي الكيتش بأي فروقات اجتماعية أو اعتبارات فكرية، فهو لا يفضل أسلوبًا على آخر، بل يقوم كثقب أسود بابتلاع كل الأساليب وتحويلها إلى مستنسخات فارغة عما كانت عليه. الكيتش هو الفن العدمي بامتياز.

قد يكون ذلك سببًا للعلاقة الغرامية التي عاشها الكيتش مع السياسة منذ بدايته، خصوصًا بمساهمة أشخاص مثل ستالين والقذافي وترامب في الدفع به إلى تفوق غير مسبوق. فالعمود الروماني الذي يشكل في قصر فرساي جزءًا من قرار سياسي واع بشرعنة المملكة الفرنسية كاستمرار للإمبراطورية الرومانية وثقافتها اللاتينية، وكجزء من حملة لتحويل فرنسا إلى روما مسيحية جديدة يعود في قصر حكومي خليجي بنسب خاطئة ولون ذهبي مزيف ليدل على ذاته كغرض سوقي، كرمز عشوائي للـ«الفخامة»، لا كتعبير هوياتي أو ديني. فمن خواص الكيتش كونه مفرغ دلاليًا ليعبر عن لا شيء باستثناء حضوره الفيزيائي كسلعة، وذلك الفراغ هو السبب والنتيجة معًا لتضخم خواصه الفيزيائية لتأخذ أبعادًا سخيفة، يجد فيها الحاكم انعكاسًا لطموحاته.

لا يفضل الكيتش أسلوبًا على آخر، بل يقوم كثقب أسود بابتلاع كل الأساليب وتحويلها إلى مستنسخات فارغة

خلال الحرب الباردة، قام راديكاليون من أمثال جرينبرج بتوسيع معنى الكيتش ليشمل كل الفنون الواقعية، والتي أدينت لقدرتها على التلاعب بعواطف الحشود، كما في الواقعية الاشتراكية (العمال والفلاحون السعيدون بقائدهم)، أو في لوحات الأميركي نورمان روكويل (العائلة البيضاء المحافظة كنواة لمجتمع مثالي). لا يختلف حال اليوم كثيرًا مع صور الأشخاص السعداء بشراء هذا المنتج أو ذاك، ترافقهم شعارات عشوائية حول النجاح والسعادة تكلمنا بضمير المخاطب في الشوارع وعلى الشاشات. فمع سيطرة رؤوس الأموال الكبيرة على الفضاء العام تتجدد علاقة الكيتش بالسياسة ليتحول إلى هوية بصرية للمدن النيوليبرالية، حيث صار من العادي أن تغطي تلك الإعلانات معالم وطنية (كما في متحف اللوفر)، أو حتى أن يجري استبدال أحياء كاملة بمدن من الكيتش كما حدث في وسط بيروت، فنعتاد على العيش محاطين بصور وأغراض قبيحة في مدن تتحول إلى نسخ مخفقة عن بعضها.

لكن القصة تعقدت أكثر وأكثر في الستينيات مع ظهور جيل جديد من الفنانين الذين عبّروا عن إعجاب صادق بعفوية الكيتش وبراءته، وأظهروا فهمًا غير مسبوق لآلية عمله، مكنهم من حقن فراغه الدلالي بمعان جديدة وإدخاله تدريجيًا إلى صالات المعارض، ولو على حساب سلبه جزءًا من عفويته.

تظهر العلاقة المعقدة تلك بين الكيتش والفن المعاصر في جدارية (F111) مثلًا للفنان جيمس روزينكويست. فمن جهة، تنقلب الصور الاستهلاكية على ذاتها لتدين حرب فييتنام والنظام الذي ولدها، فيصبح إعلان المعكرونة بالبندورة تلميحًا إلى جثة دامية، بينما تتحول صورة مكبرة لجهاز تصفيف شعر إلى آلة مخيفة تذكر بالأسلحة الثقيلة. لكن من جهة أخرى، لا يخفي الفنان إعجابه وتقديره لقوة تلك الصور وقدرتها على تجاوز الحواجز الطبقية والثقافية، بل ويعتمد على تلك القدرة لإيصال فكرته بسهولة تبقى عصيةً على كثير من الأساليب الأخرى.

أما بين يدي آندي وارهول، فتتحول المظاهر المسرحية والمصطنعة المستمدة من الكيتش إلى أداة تعبير عن هوية جنسية مهمشة من قبل المنظومة الذكورية وفنها النخبوي. المثال الأشهر قد يكون لوحات مارلين مونرو، حيث تتحول الممثلة إلى قناع من المكياج الفاقع لا نعرف ما إذا كان لا يزال يخبئ وجه إنسان حقيقي خلفه، أو أنه تحول بالكامل إلى صورة، الشيء الذي يصل ذروته في أعمال بيير وجيل، باستخدامهما للكيتش ومعاييره الجمالية لتحنيط الشخصيات في أجسام بلاستيكية تكتم نوعًا من الذعر، وتفضح بمزيج من الطفولية والإباحية الفراغ المدهش والمرعب معًا، الذي يربط الكيتش بالموت.

لا يشكل الكيتش خطرًا إلا في حال وحيد: عندما يؤخذ بجدية، عندما نصدق ولو للحظة أنه يحمل أي قيمة إضافية عن قيمته كسلعة

لكن التصالح المفاجئ للفن المعاصر مع الكيتش يفشي كذلك عن أعراض مقلقة بدأت منذ أن قام مجموعة معماريين في السبعينيات بدراسة لاس فيجاس، جنة الكيتش على الأرض، فاحتفوا بها كنموذج مستقبلي بديل عن رتابة العمارة الحديثة وجديتها دون إبداء أي اهتمام بتحليل ونقد علاقات القوى التي ولدتها. اليوم وصلت تلك المصالحة إلى حد بيع تمثال مايكل جاكسون وقرده للفنان جيف كونس بملايين الدولارات. فإذا كان الكيتش تقليدًا عفويًا وأخرق، فإن تقليد كونس للكيتش ذكي ومدروس، يزاود على مزاودته ليتحول إلى «ما بعد-كيتش»، أي إلى خطاب واعٍ يحتفي بمنطق السوق وبالصور التي يولدها، يعود ليلعب لعبة الكيتش الأصلية، لكن هذه المرة في سوق الفن وبأسعاره.

تمثال مايكل جاكسون وقرده للفنان جيف كونس.

لا ينكر أحد التسلية البريئة التي يوفرها الكيتش بكميات معقولة، والتي لن تكون الحياة بدونها بنفس الحماس. ففي الحقيقة، لا يشكل الكيتش خطرًا إلا في حال وحيد: عندما يؤخذ بجدية، عندما نصدق ولو للحظة أنه يحمل أي قيمة إضافية عن قيمته كسلعة، أنه يخضع لأي معايير غير معايير السوق: الأسهل والأسرع، الموضعي والعابر. في هذه الحالة فقط يهدد الكيتش بجعل مفهومنا للفن والسياسة والدين قائمًا على الاجترار والاستسلام الفكري وعلى تخديره لأي قدرة نقدية في التعامل مع محيطنا اليومي. هنا يقدم إمبرتو إيكو الحل الأكثر منطقية، فبرأيه، لا تتطلب الثقافة المتوازنة القضاء على هذه الظواهر «بل إبقاءها تحت السيطرة، تخفيف جرعتها، وضمان ألا تباع وتستهلك على أنها فن»(4). بكلمات أخرى، قد تكون القضية الفنية الأهم للقرن الواحد والعشرين هي القتال في سبيل ألا يصبح الكيتش خيارنا الوحيد.

  • الهوامش

    [1] Benjamin, Walter, and Rolf Tiedemann. 1999. «The arcades project». Cambridge, Mass: Belknap Press.
    [2] Greenberg, Clement. «Avant-Garde and Kitsch.» Partisan Review 6, no. 5 (1939): 34–49
    [3]Elias, Norbert. 1998. «The Kitsch Style and the Age of Kitsch». In «The Norbert Elias Reader«: A Biographical Selection (Oxford: Blackwell), pp. 26–31.
    [4]Eco, Umberto. 1989. «the structure of bad taste» in «The open work». Cambridge, Mass: Harvard University Press.