بيروت الخرائب: الحداثة وأشباحها في الفن اللبناني المعاصر

الخميس 27 آب 2020
فندق السان جورج
بطاقة بريدية لفندق السان جورج ضمن مشروع بيروت المدهشة للفنانين جوانا حجي توماس وخليل جوريج. المصدر: hadjithomasjoreige.com

منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وإطلاق مشاريع إعادة إعمار بيروت بداية التسعينات، انتاب الفن اللبناني (كما لو بحركة معاكسة)، تعلّقٌ بخرائب بيروت التي خلّفتها الحرب. قد يبدو ذلك طبيعيًا، فبعكس مدن كبرلين أو هيروشيما جاء دمارها دفعةً واحدةً سريعةً. نالت بيروت نوعًا مزمنًا وتراكميًا من الخراب، فاعتادت أجيالٌ متتابعة العيش في مدينة مهشّمة تشكل الأطلال جزءًا عضويًا منها. لكنّ ذلك لا يكفي لتفسير هوس الفنّ اللبنانيّ المعاصر بالخرائب. فمن بين الرّكام الذي خلفته 15 سنة من الحرب (وما قبلها وما بعدها)، ومن بين الأطلال العثمانية والفرنسية ومختلف مظاهر الدمار المادي والمجتمعي، اختارت غالبية ساحقةٌ من الفنانين التركيز تحديدًا على بقايا العمارات الخرسانية التي تعود لأواسط القرن الماضي.

خرائب بيروت بالصور وعلى البطاقات البريدية

في سبيل فهم تلك الظاهرة، قد يكون من المناسب البدء بوليد رعد، أحد أوائل الفنانين الذين ارتبطت أسماؤهم بذاكرة الحرب وخرائب بيروت. في عمله «فلنكن صريحين، الطقس ساعَد» (1998)، استوحى رعد من الأميركي جون بالدزاري فكرة إلصاق دوائر ملونة على وثائق بالأبيض والأسود، تمثّل كثير منها منشآت حداثية بيروتية هُجرت مع الحرب، مثل مبنى البيضة. يربط الفنان عمله هذا بالعيارات النارية التي جمعها بنفسه من الرّكام على مدى سنين، قبل أن يكتشف أن كاتالوجات الأسلحة تستخدم ألوانًا مختلفة لترمز إلى البلد المصنع لتلك العيارات. أطلق رعد على كلّ من الصور المنقّطة اسم بلد شارك في بيع الأسلحة إلى الميليشيات اللبنانية، جاعلًا بذلك من الدوائر الطفولية علامات خطر، فوهات مصوبة أو عيارات على وشك أن تنسف المبنى، سجلًّا رمزيًا للأطراف الدولية التي شاركت في الدفع بلبنان نحو خرابه الكبير.

شكلت الصور الفوتوجرافية مادة أوليّة مغرية لكثيرين ممن رغبوا بالخوض في خرائب بيروت. في مشروعهما «بيروت المدهشة» (1997- 2006)، مثلًا، نسج الفنانان جوانا حجي توماس وخليل جوريج قصةً وهمية حول المدعو عبد الله فرح؛ مصوّر شاب وظّفته وكالة السياحة اللبنانية في الستينات لعمل بطاقات بريدية تهدف للدعاية لبيروت كمصيف سياحي حديث وفخم. بعد نجاح تلك البطاقات في السوق، اندلعت الحرب، وأخذ المصور بممارسة روتين ليليّ سري قام من خلاله بحرق تلك الصور بشكل شعائريّ ومدروس كلما طال الخراب إحدى المباني المصوّرة، كما لو كان يحدّث الصورة كي تطابق المستجدات.

تبدو حداثة المنتجعات صورة هشة، وتفشي آثار الخرمشة والكشط عما يشبه محاولة تمزيق غشاوة؛ عن محاولة استيقاظ قسرية من حلم ورديّ.

النتيجة هي مجموعة بطاقات بريدية تحمل آثار حروق متفاوتة، تركّز صورها بشكل أساسي على فنادق وسط بيروت الخرسانية التي ولدت مع أسطورة المدينة كجنة للرفاه شرق المتوسط، قبل أن تحيلها «معركة الفنادق» مسارحَ فارهة لجرائم الميليشيات عام 1975. تمثل إحدى البطاقات فندق السان جورج، أيقونة الحداثة البيروتية، والذي ارتبط اسمه بنجوم كعمر الشريف وإليزابيث تايلور، وبطريقة حياةٍ باذخة راهنت عليها بيروت أيام الحرب الباردة، لتقدم ذاتها كواحة ليبرالية وكوزموبوليتانية وسط معسكر شرقي منغلق وعدائي. بتأثير الحروق، يتعفن اللازوردي المتوسطي في الصورة، يتآكل بفعل فقاعات أصفر وأخضر حامض. تبدو حداثة المنتجعات صورة هشة، وتفشي آثار الخرمشة والكشط عما يشبه محاولة تمزيق غشاوة؛ عن محاولة استيقاظ قسرية من حلم ورديّ.

يجسد انتقام عبد الله فرح من صوره إحباط أجيال من اللبنانيين الذين كبروا فترة الحرب ومعهم صور كانوا وقودًا لتحقيقها. لكن إن كانت قصة المصوّر أمثولة وهمية لا أكثر، فإن البطاقات البريدية المستخدمة في العمل حقيقية، بل والأفظع من ذلك، ظلّت متداولة في السوق حتى الألفينات على الأقل، وكأن الحرب لم تحدث بعد ولم تدمر تلك المنشآت. يجدر التذكير بأن البطاقات البريدية ظلّت حتى انتشار الإنترنت، إحدى أكثر الوسائط البصرية المستخدمة لتلميع واجهات المدن أمام العالم. باللعب على هذا الوسيط، يلفت العمل النظر إلى التأخر الدائم بين الواقع المادي وتمثيلاته الأيديولوجية (أو بين البنيتين التحتية والفوقية، بالتعبير الماركسي). فبينما نسفت الحرب تلك المباني بطريقة مجنونة ومفاجئة، ظلّت التمثيلات الرسمية -مصابة بحالة ركود وإنكار-، تستمر بإنتاج ذاتها رغم غياب أي مرجعية ملموسة لها على الأرض. بحرقهما المدروس للصور، يحاول الفنانان تسريع العملية التاريخية تلك؛ ردم الهوة بين بيروت الصورة وبيروت الكابوس.

أي عمارة هجرها أهلها (حرفيًا أو مجازيًا) تصبح مسكونةً من قبل أشباحهم ومواضيهم، فتصير خرابًا. بيروت، كما يقول جلال توفيق، لو أعيد إعمارها بالكامل، تظلّ في صميمها مدينة خراب.

في نفس الفترة، عام 2010، كتب اللبناني جلال توفيق حول خرائب بيروت حديثة العهد.[1] أشار إلى أن الخرائب الأثرية تشكل جزءًا طبيعيًا من نسيج المدينة، يقوم المجتمع بدمجه في سرد تاريخيّ ذي عبرة، بعكس الخرائب حديثة العهد التي تشكل شرخًا يصعب على الناس إدراكه، كون مكانها في المدينة يظل شاغرًا من قبل صور وذكريات تأبى إفساح المجال. أشار توفيق كذلك إلى أن العامل الأساسي في تعريف الخربة ليس كون المنشأة متضررة أو سليمة ماديًا، بل كونها مسكونة من قبل أحياء أم لا. وبذلك، فإن أي عمارة هجرها أهلها (حرفيًا أو مجازيًا) تصبح مسكونةً من قبل أشباحهم ومواضيهم، فتصير خرابًا. بيروت، يقول توفيق، ولو أعيد إعمارها بالكامل، تظلّ في صميمها مدينة خراب.

تبدو أفكار توفيق في انسجام مع أعمال الفنان مروان رشماوي، الذي اشتهر باستخدامه لمواد شوارعية كالخرسانة والكوشوك والمعادن الرخيصة، بهدف استحضار مظاهر حضرية بيروتية. تطرح أعمال مثل «طيف» أو «مربعات مائلة» الأسئلة ذاتها التي يطرحها الحال اللبناني، بمفردات معمارية بحتة، فهي منشآت يلف الغموض مصيرها: أتخرّبت بفعل الحرب أم أنها لم تكتمل أساسًا؟ أو أن هذا هو شكلها النهائي الحزين؟

برج المرّ يقاوم أنسنته

في عمله «صرح للأحياء» (2001-2008)، يلتفت رشماوي إلى برج المرّ، ذلك المشروع التجاري الذي يمقته معظم البيروتيين منذ توقفت أعمال إنشائه عام 1975، لتُحوّله الحرب إلى مرتع للميليشيات وقناصتها، ومن ثم إلى قذاة خرسانية في عين المدينة. عبر صبّة خرسانية وتسليح خشبي، يستنسخ رشماوي البرج المهجور والرمادي بطول مصغر (230 سم)، أبعادٌ تكاد تكون بشرية. يضاف إلى ذلك أن العمل يتوسط غرفة شبه خالية في متحف تيت مودرن في لندن، ما يعطي الزائر إحساسًا بالتواجد في ضريح ما، مقابل تابوت أو جسد بشريّ «على العظم». يمكن قراءة المقياس البشري هذا كتعليقٍ على الشرخ ذاته بين الصورة والواقع، ذلك التناقض الذي يلمح له عنوان العمل بين «الصرح»، أي ضخامة البرج (الأطول في لبنان آنذاك)، وبين «الأحياء» الذي من المفترض أن يحتوي أجسادهم. يعالج رشماوي ذلك التناقض بطريقة سريالية. بإعطائه أبعادًا شبه بشرية، يحاول الفنان أن يفرض على البرج الوظيفة التي فشل بها: أن يكون إنسانيًا. يقاوم البرج تلك المحاولة، ويبقى بالرغم من أبعاده الجديدة غرضًا مميتًا ومقلقًا، تبسط فتحات نوافذه تحديقاتها على الزوار كعيون قناصة.

أُخِذ فنانون آخرون مثل أيمن بعلبكي ومنى حاطوم ببرج المرّ، ربما لأنه، كالبطاقات البريدية، يحمل ندبة آمال أعلنت الحرب إخفاقها. على غلاف إحدى مجلات السبعينات يظهر البرج قيد الإنشاء، مرفقًا بكلمات فرنسية تصفه بـ«باروميتر الاقتصاد اللبناني». لطالما قامت الكثير من الشعريات السياسية اللبنانية (والعربية) على تشبيهات فحولية كهذه، تربط ما بين طول انتصاب البرج مثلًا وخصوبة الاقتصاد الوطني، تشبيهات ينجح الفنانون في فضح بشاعتها. فبينما يتحول البرج لدى رشماوي إلى رفات تدعو للرثاء والقلق، يتحول باروميتر الاقتصاد اللبناني لدى الفنانة جنان باشو إلى شيءٍ منفّر يشبه غابة من الأعضاء الذكرية المنتصبة، قبيحةً وعاجزة.

بنبرة مماثلة، أبعد ما تكون عن الوقوف على الأطلال، استخدم زياد عنتر فيلم تصوير منتهي الصلاحية لتصوير البرج، فتبدو علامات الزمن على سطح الصورة (كالدوائر الملونة لدى وليد رعد) نبؤة بمستقبل مجهض سلفًا ومنذور للخراب، لم تساهم الحرب بأكثر من نعيه رسميًا. بحركة مشابهة، قام ألفريد طرزي بتصميم ما يشبه شجيرات من الخرسانة المسلحة لتتوسط عمله التذكاري لضحايا الحرب اللبنانية «رقعة أرض فارغة» (2015). تعود صورة بيروت مجددًا كورشة بناء أزلية، مشروع لا شكل نهائي له، تذوي قضبان تسليحه متعبة وصدئة كمستقبل «دربتنا الحداثة بأشكالها الشعبية على توقعه، لكنه لم يظهر أبدًا».

بعكس المنشآت التي تعرضت للاستسلام التدريجي حتى استردّها الزمن وعوامله الطبيعية، جاءت خرائب بيروت نتيجة عنف عسكريّ وسياسيّ مباشر، نتيجة فعل بشريّ مقصود.

تحت هذا التعريف يجمع مارك فيشر[2] مجموعة ظواهر معاصرة تعبر عن مرحلة اليأس التي رافقت انتصار الرأسمالية وانحسار أفق الديمقراطيات التقليدية والرفاه الاجتماعي، الشيء الذي ولد نوعًا جديدًا من الحنين، ليس اتجاه الماضي، بل اتجاه مستقبلٍ فات قبل أن يتحقق. بالفعل، لطالما شكلت أطلال مصر وأثينا وروما مصدر إلهام للفنانين ممن رأوا فيها مصدر جمال واعتبار تاريخي، بينما ظلت صور الحداثة برّاقة متفائلة، تتطلع نحو مستقبل أفضل. مع مجيء الستينات، لحظة العبور إلى «ما بعد الحداثة»، انقلبت الأمور وبدأ الفنانون لأول مرة برؤية المستقبل بصيغة الماضي، ركام كبير كغيره. صارت الخرائب الحداثية إحدى المواضيع المركزية في الثقافة المعاصرة، من أفلام أنتونيوني وروايات السايبربنك وحتى صور بيرند وهيلا بيشر وأعمال آن وباتريك لوبوارييه. لكن لبيروت خصوصيتها. فبعكس هذه المنشآت التي تعرضت للاستسلام التدريجي حتى استردّها الزمن وعوامله الطبيعية، جاءت خرائب بيروت نتيجة عنف عسكريّ وسياسيّ مباشر، نتيجة فعل بشريّ مقصود.

مع ازدياد موضة تغطية مباني بيروت الحداثية بواجهات مناطقية من طراز ألف ليلة وليلة (كما حال بيت المحترف[3] ومع تحويل وسط المدينة إلى مركز شركاتيّ بنكهة شرقية متوسطية، يجد الفن اللبناني نفسه مضطرًا لخوض معركته على مستوى تلك التمثيلات، إلى استحضار عمارة بيروت الحداثية من بين الأموات (ولو بكثير من المعاتبة)، والتلويح بها في مواجهة الفولوكلوريات الفينيقية والمملوكية والكولونيالية. خلف معركة الجماليات تلك، وخلف التعلق بمظاهر الحداثة «الشعبية» كما يسميها فيشر (الفنادق والأبراج والبطاقات البريدية الملمّعة)، تنزف جروحًا خلفتها حداثات أكثر جوهرية: الازدهار الاقتصادي، الكوزموبوليتانية والتسامح، الدولة القومية والمواطنة. يلملم الفن اللبناني المعاصر رماد تلك اليوتوبيات، ليذرها على صور وواجهات بيروت، الابنة الهستيرية للحداثة التي حبسها العالم في سقيفةٍ شرق المتوسط، لتؤدي روتينها من التدمير الذاتي.

  • الهوامش

    [1] TOUFIC, Jalal, «Ruins», in GUMPERT, Matthew and TOUFIC, Jalal (ed.), Thinking: The Ruin, Istanbul, Rezan Has Museum, 2010, p. 35-39. http://www.rhm.org.tr/wp-content/uploads/2014/03/thinking-the-ruin.pdf.

    [2] FISHER, Mark, Ghosts of my Life: Writings on Depression, Hauntology and Lost Futures, Zero Books, 2014.

    [3] HADDAD, Elie G., «Learning from Beirut: From Modernism to Contemporary Architecture»ARCC Journal, vol. 5, no. 1, p. 45-52.