عشرة أعوام على «District 9»: خيال علمي من أجل العالم الثالث 

الخميس 19 أيلول 2019
تصميم بيان حبيب.

تنبيه: يحوي المقال معلومات وتفاصيل كاشفة لحبكة الفيلم وأحداثه.

مع أن لعبة الكومبيوتر «Halo» والروايات المرافقة لها قد تأخذك إلى مسارح شاسعة بعيدة في أنحاء الكون وتاريخه العميق إلا أنها مألوفة ومستهلكة على نحو رتيبٍ للغاية. قد تعجبك اللعبة إن كنتَ لاعبًا أو مصممًا للمؤثرات البصرية والعملية أو فنانًا حتى، ولكنك ستكرهها بالتأكيد إن كنت كاتبًا أو صحفيًا أو مختصًا في العلوم السياسية والاجتماعية، خاصة إذا كنت مواطنًا من العالم الثالث.

تتحدّث اللعبة عن اعتناق البشرية النموذج الثقافي الأمريكي الأوروبي، حيث تتحد على أساسه وتستعمر الفضاء (استعمارًا حميدًا) وتصبح نقية غير قابلة للإفساد. كما تتحدث اللعبة عن الخوف من الآخر، ويحصل هذا عندما تصطدم البشرية بسلالة فضائية قمعية ثيولوجية لا تعرف معنى الحرية الفردية وتريد أن تبيد البشر فقط لأن آلهتهم قد قررت ذلك. 

بعد صدورها، اتفق كلٌ من المنتج النيوزيلندي بيتر جاكسون والمخرج الجنوب إفريقي نيل بلوكامب على تبني هذه القصة، التي رويت مرّات عديدة من قبل، وتحويلها لفيلم، ولكن فشلهما في جمع التمويل الكافي من أجل الإنتاج، أدى إلى انتقالهما إلى مشروع أخر مختلف تمامًا. حيثُ شرعا في العمل على إنتاج فيلم «District 9» الذي أصبح لاحقًا مفاجأة سينمائية غير متوقعة. ليصدر الفيلم صيف عام 2009، مكرّسًا نفسه فيلم خيال علمي أصيل وجديد ونادر، فيه الهامش يتحدى سردية المركز على نحو غير مسبوق. 

يستخدم الفيلم تقنية سردية تعتمد على أسلوب «الوثائقي الزائف» القائمة على مقابلات مع مواطنين وصحفيين وعلماء ومختصين، مع الاستعانة بصور من العالم الحقيقي، ممزوجًا مع السرد السنيمائي القائم على الحركة والإثارة وبعض المواقف السوداوية الطريفة. يسرد الفيلم قصة سفينة فضائية تحوي أكثر من مليون لاجئ من كوكب بعيد تحط في عام 1982 في مدينة جوهانسبورغ، إحدى أكبر مدن جنوب إفريقيا، أي قبل ثمانية وعشرين عامًا من بداية قصة الفيلم. تتم مصادرة تلك السفينة ويُجبَر الغرباء على العيش في مخيم للاجئين يسمى «المقاطعة 9» في ظروف بائسة وقاسية حيث يعاملون بعنصرية وعنف وتنكيل من قبل الإنسان. 

اسم الفيلم مستوحىً من أحداث «المقاطعة 6» خلال فترة الفصل العنصري في عام 1966، التي تم خلالها إجلاء أكثر من 60 ألف جنوب إفريقي أسود من تلك المقاطعة لجعلها حيًا خالصًا للبيض الأوروبيين فقط. وإلى جانب موضوع الفصل العنصري، يتحدث الفيلم عن موضوع كراهية الأجانب أو «الزينوفوبيا» (Xenophobia)، الذي أصبح في السنوات الأخيرة ظاهرة عالمية، خاصة بعد تفاقم أزمة اللاجئين على الحدود بين العالم الثالث والعالم الغربي. 

بطل الفيلم موظف جنوب إفريقي أبيض، بيروقراطي، وطموح، ومتسلق يعمل في المنظمة التي تراقب أوضاع اللاجئين، وهي منظمة تحمل صفات هجينة من المؤسسات الدولية العابرة للحكومات والشركات متعددة الجنسيات. خلال إحدى عملياته الميدانية في «المقاطعة 9» يتعرّض ذلك الموظف لحادثة عمل خطرة لدى لمسه مادة بيولوجية تحدث تغييرات في حمضه النووي ليبدأ عملية تحوّل مؤلمة إلى واحدٍ من تلك المخلوقات. تتجسد عملية التحول تلك بطريقة بطيئة مؤلمة وقاسية على نحو يشبه عملية التحول في رواية فرانز كافكا. ونرى الموظف الأبيض قد صار مشردًا فقيرًا ملاحقًا من قبل السلطات وذلك لدراسة التحولات على جسده. 

ومع هذه التحوّلات يبدأ بطل الفيلم بتفهم تلك المخلوقات، عندما يشعر أنه لا يستطيع العودة إلى بيته مثلها تمامًا، ويدرك أن عليه التعاون معها من أجل تحقيق الهدف ذاته. 

كيف يختلف هذا الفيلم عن بقية أفلام الخيال العلمي الغربية؟

مع أن هنالك أفلام خيال علمي قد تنافس «District 9» من النواحي التقنية والسردية، إلا أنه يتفوق عليها من حيث كونه فيلم عالم ثالث بامتياز. فمثلًا، فيلم «Avatar» الأكثر شهرة والذي صدر في العام نفسه، يتحدث عن حق الشعوب في المقاومة والتحرر، إلا أنه فيلم كوني معولم في أساسه، وليس فيلمًا جنوبيًا. كما أن الشخصية الرئيسية تمثل الرجل الأبيض المثالي الصالح الذي يقوم بدور منقذ تلك الشعوب، أمّا عميلة التحول إلى «الآخر» والتي تحصل في أڤاتار فهي تجربة رائعة وآخاذة وروحانية وكأنها إجازة سياحية للرجل الأبيض في العالم الثالث. على عكس عملية التحول في «District 9» والتي كانت صادقة ومؤلمة، تمامًا كأي عملية اكتساب وعي واقعي جديد إنساني أو حقوقي أو نسوي. كما أن استخدام الفيلم لتقنية الفيلم الوثائقي الزائف جعلت الفيلم مألوفًا للغاية بالنسبة للمشاهد بعكس «Avatar»، الذي يهدف إلى أخذ المشاهد في إجازة إلى عالم آخر تمامًا عبر استخدام التقنية ثلاثية الأبعاد. 

فيلم آخر يمكن لنا أن نقارنه مع «District 9»، وهو فيلم «Children of Men»، وبالتأكيد يتفوق الأخير من عدة نواحٍ تقنية ودرامية ومن ناحية التمثيل، إلا أنه يقدم لنا شخصية منقذ أبيض إيثاري آخر، يضحي بنفسه تمامًا دون أي مصلحة شخصية من أجل «مشروع إنساني» مستقبلي مبهم المعالم، إضافة إلى أن الفيلم محصور جغرافيًا في لندن الأوروبية، وأزماتها الخاصة بها من لجوء وتطرف و«انهيار» للحضارة الأوروبية حسب النظرة البيضاء. في المقابل فإن الميزة الأساسية لفيلم «District 9» هي أن جوهانسبرج بأزماتها وتاريخها ليست لندن أو باريس أو واشنطن.

أمّا فيلم «Black Panther» فينتمي الخيال العلمي فيه إلى فئة «المستقبلية الإفريقية» أو «Afro-Futursim» والتي تنطوي على مستقبل إفريقي أصيل بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية.[1] ومع أن الفيلم قد نجح في بناء عالم خيالي إفريقي أصيل، إلا أنه ابتعد كثيرًا عن العالم الثالث الذي نعرفه بسرديته التفاؤلية ومبالغته بالتقريظ على السلالات الملكية النخبوية. وباستبداله بالمنقذ الأبيض المنقذ الإفريقي (الذي يعامل كإثبات صائب سياسًا للتعددية في فريق من الأبطال الخارقين البيض) الإنساني النخبوي المحترف من الطبقات العليا أو الطبقات الوسطى العليا -على طريقة أوباما- بطريقة حولت العالم الثالث في فيلم «Black Panther» إلى عالم «نخب» العالم الثالث. 

مُعذّبو (كوكب) الأرض 

تعرّض فيلم «District 9» لعدد من الانتقادات التي قد تضعف فرضية أنه يمثل العالم الثالث أو الجنوب. في البداية، أثار الفيلم جدلًا واسعًا عندما قام بتمثيل المهاجرين ذوي الأصول النيجيرية كمجرمين وقادة عصابات. هذه بالإضافة إلى أن المنتج بيتر جاكسون سبق له أن مثّل الثقافات غير البيضاء الشرقية بطريقة سلبية في سلسلة أفلام «Lord of the Rings». مع ذلك، في حالة وضع تلك العيوب جانبًا -والتعلم منها لاحقًا- من أجل دراسة معمقة لمعنى الفيلم، فسنجد جماليته في تمثيله الدقيق لأزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. 

في كتابه «مُعذبو الأرض» يتحدث فرانز فانون عن قيام المستعمِر القامع بعملية نفسية يجرّد فيها المستعمَر المقموع من إنسانيته وبالإشارة إليه بتعابير حيوانية، وفي الفيلم يشار إلى المخلوقات الفضائية بالروبيان لأنها تشبه حشرة روبيان باركتاون في جنوب إفريقيا. وفي الفيلم يصبح بإمكان المشاهد رؤية تجسيد جلي لعملية التجريد من الإنسانية، حيث تصبح لا إنسانية تلك المخلوقات مبررًا للمعاملة السيئة والقتل والتنكيل، وهو ما يذكّر بالطريقة التي يتعامل بها الاستعمار القديم والحديث، بها معنا، نحن سكّان العالم الثالث.

مما يميّز هذا الفيلم هو أن الشخصيات التي يفترض الفيلم أننا سنتعاطف معها لم تكن جميلة فسيولوجيًا بالمعايير البشرية، وهو ما يبني علاقة من التعاطف والتضامن مختلفة عن تلك التي تحصل مع الجميل المشابه (للإنسان الغربي عادة). بهذه الطريقة تذكّرنا تلك المخلوقات بآلامنا وبضعفنا وبسوء طالعنا، وبأننا لا نعشق كوننا الضحية، بل نكره أصلًا اليوم الذي أصبحنا فيه ضحايا. من الصعب إيجاد مثل هذا الرابط الأصيل مع أي شخصية بشرية في أي فيلم سواء كانت من الغرب أو من العالم الثالث، أو حتى مع كائنات «النافي» الزرقاء الجميلة والجذابة في فيلم «Avatar» حسب معايير الرجل الأبيض.

من مزايا الفيلم كذلك تركيزه على موضوع الإنسانية واللاإنسانية، فهو يعرض كيف يعامل البشر، جنودًا وبيروقراطيين وعلماء ومدنيين، تلك المخلوقات من دون إنسانية، وفي الوقت نفسه يعرض كيف يفقد البطل مظهره الإنساني من الخارج بينما يصبح أكثر إنسانية من الداخل. يعيدنا ذلك إلى فرانز فانون الذي أشارإلى شيء شبيه في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» عندما قال إنه رجل أسود ولكنه إنسان أيضًا، أي أنه لا ينبغي التوقف، عند الحديث عن هوية الضحية، عند أسباب التهميش والقمع كجوهر وحيد لهوية الضحية، وكأنها تخصص مهني أو صفة عمل أو صنف تجاري، بل يجب تجاوز ذلك نحو الحديث عن إنسانيته/ا المركبة والمعقدة وكذلك موقعه/ا من هذا العالم.

تتجسد هذه السمة بالتأكيد في بنية الفيلم، فهو لا يتحدث عن الهويات الضيقة العرقية والدينية والجندرية والجنسانية، بل يتحدث عن حالتيْ اللجوء والفقر اللتين لا تتعلقان بتلك الهويات بالضرورة. ولا يركز على السياسة الهوياتية فحسب بل يركز أيضًا على السياسة الجغرافية الواقعية وعلاقات القوة والمصالح بين الدول والجهات الدولية الفاعلة خاصة مع اختياره جنوب إفريقيا مسرحًا. وهو لا يتحدث عن الحقوق الفردانية فحسب بل يتحدث عن الحق في تقرير المصير الجمعي الذي يتمثل بسيطرة المخلوقات على سفينتها كي تتمكن من العودة إلى موطنها. 

وقد كان موفقًا اختيار بدايات القصة في عام 1982 أي في فترة الفصل العنصري من دون الإسهاب فيها قبل نقل القصة بالكامل إلى المرحلة النيوليبرالية، (فالأشرار في الفيلم ليسوا رجالًا يرتدون البزات النازية بل يشبهون موظفي رزمة المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات المنتشرة في العالم الثالث). أي أن الفيلم قد يمثل أي شخص من أي سياق في الدول العربية المشرقية، سواء التي تعرضت إلى تجربة مع الاحتلال المباشر (فلسطين والعراق) أو النزاع المسلح الداخلي (سوريا ولبنان) أو الحياة في ظل المشروع النيوليبرالي (الأردن ومصر).

مرت عشر سنوات على صدور فيلم «District 9» وما زال أصيلًا جديدًا وذا علاقة بمشاكلنا وقادرًا بنجاعة على تمثلينا، أكثر من العديد من الإنتاجات الثقافية النخبوية العربية، والأهم من ذلك أنه ما زال عملًا نادرًا من نوعه. نعم، ربما هي المرة الوحيدة التي أنتجت فيها هوليود فيلمًا من أجل العالم الثالث لكنه في الوقت ذاته بداية جيدة يمكن أن تساعد الكُتّاب والفنانين والمخرجين من العالم الثالث ومن المنطقة العربية على الولوج إلى عالم الخيال العلمي الرائع.[2]


1. Nalo Hopkinson and Uppinder Mehan. So Long Been Dreaming: Postcolonial Science Fiction & Fantasy. 2004.

2. خلال عام 2019 كانت هنالك عدة مبادرات محلية لتطوير أدب الخيال العلمي، مثل جائزة عبد الحميد شومان لأدب الطفل والتي اختارت موضوع الخيال العلمي من أجل اليافعين هذا العام. كذلك اختتمت مؤسسة تصاميم مجردة من فلسطين ورشة عمل مشروع بناء عوالم الخيال العلمي على الطريقة الفلسطينية.