القراءةُ كإساءة فهم: عنّي وعن إيمان مرسال

الخميس 02 نيسان 2020
رسم لكريستوف نيومان.

 

«يقولون ما أنت في كلّ بلدةٍ             وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يُسمى».
 – المتنبي

في البحث عن ذاك الشيء الذي يجلّ عن التسمية، تجرّأتُ مرّتين على مغادرة بيت العائلة إلى شقّة في بلادٍ أخرى أحرص ألا تتجاوز مساحتها التسعين مترًا. المئة كمالٌ من نوعٍ ما، وأنا سئمتُ حرصي القديم -قِدَم الطفولة- على بلوغ الحدّ من الأشياء. عادة قديمة: وصولٌ مُنتَظِم ومتوقّع. لو أنني مثلًا وجدتُ بيتًا مساحته تسعة وثمانون مترًا مربّعًا لفضّلته. لم أتحلّ بشجاعة كافية لأدوّن ملاحظةً بهذا الشأن في استمارة مكاتب العقارات التي ارتدتُها لئلا أترك لموظّفيها احتمال أن يجعلوا من الشرط الغرائبي أضحوكةً يناقشونها وقت الاستراحة؛ يكسرون بها رتابة عملهم بينما يدخنون سجائرهم مقابل الواجهة الزجاجية للمكتب. هذا إذا لم يُلقَ بورقة تقديم الطلب في أقرب سلّة مهملات لأن لا أحد مستعدٌّ أن يُحرج نفسه بسؤالٍ سخيف عن أهمية الفارق الطفيف بين الرقمين. بيد أنّ هذا الاختلاف الضئيل كان خطوةً في البحث عن اللا مسمّى. البحث يشترطُ التخلي، والتخلّي تركٌ لفكرة.

«حتى أتخلى عن فكرة البيوت»، هكذا هو عنوانُ أول كتاب قرأته لإيمان مرسال. لقد مرّت خمس سنوات على ذاك اللقاء، لكنّ كلّ قراءة لاحقة لكتاب من كتبها تصيرُ محاولة لإتمام حوارٍ لم ينتهِ في كتاب التخلي؛ ربمّا لأنني أعودُ إليّ دائمًا، فأخرجُ من ضمير المخاطب إلى ضميرِ المتكلّم! تُرجأ «أنتِ» لصالح «أنا»، ويصير الحوارُ مونولوجًا. ومع ذلك، أحب أن أفكّر أنّ إيمان لا تمانع عملية الانزلاق هذه. الكاتبةُ هي، والكتابة فعلٌ ترحاليّ أو (نومادي) كما يحلو لدولوز تسميته.

في العربيّة حين تدخل (حتّى) على الفعل المضارع فهي إمّا أن تكون غائيةً تعدِلُ (إلى أن) فيكون المعنى: سأستمرّ بالكتابة إلى أن أتخلى عن فكرة البيوت، أو أن تدلّ على التعليل مثل (كي)، فيصير المعنى: كتبت كي أتخلى عن فكرة البيوت. التخلي في الجملة الأولى لمّا يكتمل بعد، وفي الثانية اكتمل بفعل الكتابة المحرّرة للذات. وللمعنى الأول -ولعلي أقحمته إقحامًا- أنا أمْيَل. في ذلك، تقول إيمان: «..وكان كلما وصلتُ إلى مدينة بدا لي أن بيتي في مدينة أخرى».[1] المسألة أشبه بمشروع يستحيلُ اكتماله؛ نبقى دائمًا بين حالة سالفة وأخرى مستقبلية يُطمح لها، ويتوسط الحالتين وضعٌ راهنٌ قلق. يبدو لي أن التخلّي هو ذهابُ النفس إلى ما تجهل وتطلّعها الدائم إلى ما لم يُؤلف بعد. وتركُ الأفكار أصعبُ من نبذ الأشياء أو الأشخاص، فإننا قد نبتعد مكانيًّا ونبقى متعلّقين/ات بما خلّفناه وراء ظهورنا تعلّقًا يعرقلُ حركتنا. ولذا، فإن التخلي جاء في العنوان عن «فكرة البيوت»، لا البيوت! يضحي الرحيل فكرةً ملحّة منذ اللحظات الأولى للوصول، فحين نقرّر البحث أو التخلّي -أيًّا كانت الصورة التي نختارها لتجليته- تتخلخل فكرة الاستقرار، ويبتلعنا جحرُ أليس.

في 2017 في لندن، حين أوشكت على إنهاء متطلّبات الحصول على درجة الماجستير في الأدب العربي وقعتُ في اكتئاب جفّف كلّ ولعٍ عندي إزاء الحياة؛ توقفتُ عن القراءة وقد كانت الممارسة الوحيدة التي أهزم بها الوقت. اتصلت بأخي في القاهرة، وأفضيتُ إليه «أنا أنهار، أقضي نهاراتي في السرير، وألتحم مساءً بحلكة الليل، أصير قطعةً منه. عُمَر! عليك أن تذهب لدار شرقيات وتأخذ لي أعمال إيمان مرسال، وغير الموجود عند الدار منها، تبحث عنه حتى تجده. عليك أن ترسل لي النصوص في غضون يومين!». من حسن حظّي أنْ تعاملَ أخي مع طلبي بجديّة بالغة، ضحكت أنا منها حين وصلت الكتب إلى باب شقّتي في هولبورن قبل انقضاء الأسبوع. كانت نصوص إيمان هي ما استطعت قراءته فقط آنذاك. أنتهي منها فأعيد قراءتها مجدّدًا، وهكذا لأسابيع.

أثناء تلك الليالي، مع هبوط الليل عليّ، كنت أقف أمام المرآة وأرقص دون اعتبار لقواعد من أيّ نوع. كانت المرآة طويلة ومعلّقة في الممر بين الصالة وغرفة النوم. وكنت أختبر «صلاحيّة ممرّ معتم للرقص»،[2] وأتساءل ماذا لو علمت إيمان بسذاجة تصرّفي؛ هي تكتب مجموعة شعريّة وأنا آخذ العنوان وأطوّعه حرفيّا لموقفي الخاص؟ لكن أليست هي من تكتب عناوين قابلة أن تكون قصائد بذاتها؟ ولماذا لا يمكننا أن نعيد التركيب الشعري إلى موادّه الأوليّة؛ أي إلى المعنى الأول جدّا للمفردات؟ لدلالاتها المكانيّة والزمانية الأولى، للحركة فيها والسكون؟ لا أتحدّث هنا عن العنوان كعتبة لفهم النص كما يخبرنا جيرار جينيت،[3] حيث يتحلّل العنوان في النص ويتكثّف النص في العنوان وما حول ذلك من صداع نقديّ لا أريد الخوض فيه الآن. عناوين إيمان -ببساطة شديدة- تخرج عندي من محيط اللغة إلى الفعل والسلوك، أو على الأقل هكذا تعاملت معها فترة اكتئابي في لندن.

مجموعة أخرى لها معنونة بـ«جغرافيا بديلة»، ظللت أفكّر أية جغرافيا أريد أن أبدّل؟ جسدي مثلًا؟ أن أخرج منه و«أمشي أطول وقت ممكن»[4] خارجه؟ أيّة حريّة هذه! سرعان ما استدعيت محمود درويش في جداريّته: «أنا حوارُ الحالمين، عزفتُ عن جسدي وعن نفسي لأكملَ رحلتي الأولى إلى المعنى، فأحرقني وغاب». كأن كل ما ينقصني هو هذي المحرقة! أعرضتُ عن الفكرة وقررت أنني يجب ألا أراوغ حقيقة كوني مسجونة في جسدي، لأن التفكير في الأمر سيدخلني في دوائر فلسفية تحوم حول ذاتها ولن يزيد التأمل في ذلك اكتئابي إلا حدّة. ثم إنني لا أقوى القراءة؛ ذهني مشوّش والشعر فقط يمكنه تخفيف وطأة ما أنا فيه، الشعر الذي أتقاطع سياقيًّا معه. إذن، توصّلت إلى نتيجة أن قراءة مجموعات إيمان هي الجغرافيا البديلة. المكان فكرة نحملها في الذهن إذن، وسأتغاضى الآن عن مناقشة الجدل القائم حول سرداب وعليّة باشلار ومركزيّة النظرية الأوروبية.[5] يلحّ المتنبي علي في المقابل أن أمرّ ولو بشكل عابر بفلسفته المكانيّة:

«ذراني والفلاة بلا دليلٍ             ووجهي والهجيرَ بلا لثامِ
فإني أستريحُ بذي وهذا               وأتعبُ بالإناخةِ والمُقامِ».

المتنبي يحرّر جسده المسجون بالترحال الدائم لأن الإقامة في مسكن ما تعني القبول بسريان قوانين هذه المساحة المقيَّدة أو تلك على جسده. للمتنبي جغرافيا بديلة هي اللا استقرار في الجغرافيا، جغرافيا تشبه ذاته المتعالية على الذوات.

ألا يمكن أيضًا أن تكون الجغرافيا البديلة لغويّة؟ كفعل الشاعر حين يزيح معنىً معجميًّا للكلمة ويخترع لها بُعدًا مغايرًا تبعًا لسياق يخلقه هو؛ تسكن المفردة أرضًا جديدة سكنَ السائح العابر. وما العبور إلا استحالة ثبات المعنى؟

لقد كان من جملة ما أرسله أخي لي عبر البريد آخرُ كتب إيمان حينئذ: «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها». كنت ذاك الوقت أعيد صياغة مفاهيمي عن الأشياء والعلاقات والمبادئ لأن معظم ما نشأتُ مسلّمة به تبيّن فشله؛ كلّه مثال في عالم منفصل متعالٍ، كلّه صورة لأفكار خُزّنت وتراكمت في الوعي البشري، والصورة -بطبيعة الحال- ليست الماهيّة، هذا إذا كانت الماهيّة حتميّة الدلالة أصلًا. في القرآن «وعلّم آدم الأسماء كلّها»، أيّة أسماء هذه ولأيّة مسميّات؟ المعاني المتن التي ستأتي الأديان والأنظمة وفلسفات الأخلاق لترسيخها؟

هأنذا أقع على ما يعيدني لمنطقة التفكير بعد أن أُخرجت منها قسرًا مرتبكةَ الذهن والقلب بعد أسابيع من قراءة الشعر مرة تلو الأخرى عابثةً بالكلمات جارّة إيّاها إلى أصلها الخام أو دلالاتها الأولى قبل التكوّن في الشعر، ومتعاطيةً مع القصيدة تعاطي مُدمن يرومُ استمرار تخديره لئلا يواجه حقيقة سقوطه. فلتعذرني إيمان! سأتسلّح بكلمات فولتير، فهو من قال: «أكثر الكتب إفادة هي تلك التي يُنجز القرّاء أنفسهم نصفها». ماذا أفعل هنا غير شخصنة نصوصكِ يا عزيزة؟

فلنعد لكتابها ذاك، في «كيف تلتئم» أخذت إيمان مفردة الأمومة وفَلَقتها مثل ثمرة جوز إلى نصفين، وكان هذا التكسيرُ لازمًا لتضع «أمومة المتن» مقابل «أمومة الهامش»، إلا أنّ عملية الشقّ لم تكن لاستخراج الثمر المجفّف حلو المذاق، إنما هو تكسير غائيّ في ذاته، تريد إيمان قبل أن تتحدث عن تجربتها الشخصية كأمّ وابنة، أن تؤسس للمسافة بين وجهين لمسمّى واحد. أذكر أنني قرأت مقالة لفوكو عنوانها: «ما المؤلّف؟»[6] (What is an Author?) يجادل فيها أن المؤلّف الذي لا يمكن تغييبه هو الذي يتحدّد الخطاب السردي وفقًا لاسمه، فلا يغدو الاسم مجرّد دال على شخصه المفرد بل على منظومة معرفية أو فكريّة أسّست لها مجموعة أعماله، مثل تلازم ذكر فرويد والتحليل النفسي. فرويد ما عاد ذاك الشخص المفرد، أو الإنسان العادي الذي يُعرّف بالإشارة إليه. صار المؤّلفَ بـ«أل» التعريف مما يعني حضوره الحتميّ في أي خطاب لاحق عليه مؤيّدٍ أو رافض، واعٍ أو غير واعٍ. ألا يمكن تطويع هذه الفكرة لفهم سلطة المعنى القيمي للأمومة؟ المعنى «المتن»، على حدّ تعبير إيمان. ألسنا نَرِث في أذهاننا شكلًا يؤطّر هذه العلاقة؟ ألم تصدّر لنا النصوص الدينية والأدبية وكتب التاريخ والتربية والمواعظ وعلم النفس مضامين متشابهة تكرّس للمعنى المتن؟

«الجنة تحت أقدام الأمهات»، أحاول استجماع كل ما أوتيتُ من قدرة في التأويل لأخلق معنى جميلًا لا يتضمن أن أُسحَق وأُمحى وأنكمش. لا أجد. للصورة في الأثر السابق بعدٌ سلطوي مخيف؛ تجلس الأمّ على العرش واطئة بقدميها العملاقتين أبناءها الأقزام، والذين بدورهم عليهم أن يُظهروا تذلّلًا ورضا، لأن الجنة على ما يبدو في الأسفل. «واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة»، أُعجبُ بالصورة، بهيبتها، وبالحركة فيها: إذن نحن -على العكس مما تقدّم- طيورٌ تطلق أجنحتها للريح بعيدًا عن أعشاشها، لكنها ما إن تلمح الغصن الأول الذي غادرته تخفض أجنحتها احترامًا. وتواضعًا؟ ما يحيّرني هو أن خفض الجناح والتواضع قد يُطوّعان للمطالبة بمحو الذات وكبح جماحها. المعاجم تؤيّد: «الذلّ من الطريق: ما مُهّد به من كثرة الوطء، وسريع الذلّ: سريع الانقياد والخضوع». المعرّي في سياق آخر لا صلة له بما أكتب يقول: «خفّف الوطء ما أظن أديم الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ». خففي الوطء خفّفي.. لا جنّة ولا نعيم هناك في الأسفل تحت أقدامنا، في مواطئ الأرجل هناك تراب، مادّة قبل التخلّق، هيولى (ولم يقصد المعرّي بالطبع ما انتهيت إليه!).

«..وكلّ جسم متحرّك فحركته إما من سبب من خارج وتسمى حركة قسرية وإما من سبب في نفس الجسم إذ الجسم لا يتحرّك بذاته وذلك السبب إن كان محرّكًا على جهة واحدة على سبيل التسخير فيسمى طبيعة وإن كان محرّكًا حركات شتى بإرادة أو غير إرادة أو محرّكًا حركة واحدة بإرادة فيسمى نفسًا».[7]
–  ابن سينا

الإنسان يتحرّك حركاتٍ شتى بإرادة أو بغير إرادة، إذن الإنسانُ نفس. وغير الإرادة -بعيدًا أشد البعد عن مضامين مفهوم القدر- قد تكون تلك المراحل الأولى في حياتنا التي يسهل فيها تشكيلنا تشكيل البيت من الطين. في هذه المراحل تُعبّأ العقول وتُتلقّى المعارف من مصدرها الآمن الأول، الذي بسببه جئنا إلى الدنيا: الأم. الأم آلهة ذات سطوة معرفية وعاطفية، هي الرقيب والمُراقَب، ولعلّ جلّ أفعالنا -خاصة في سنوات التفتق البكر- هي محاولةٌ حثيثة لنيل حظوةٍ عندها لئلا نُطرد من الجنة. أولم نتفق أنها إلهة؟ هأنذا أحوم حول الدور «المتن» للأمومة، لكنّه ليس ذنبي ولا ذنب الأمهات. لقد حُدّدت الأدوار سلفًا وتناقلتها التجارب البشرية. إنها معرفة تسخر من كل محاولات التخلّي! معرفة «متربّصة» لا انفكاك منها، معرفة توقِعُ بالطرفين؛ الأمومة، والبنوّة. يقول كيليطو: «لا تحرّر من لغتنا التي تربيّنا عليها في أسرتنا، والتي اعتدناها وألفناها. فهي حتى إن كانت في حالة كمون، فإنها تظلّ متربّصة في المناسبات جميعها».[8] الكاتب يتحدث عن التعدد اللساني، لكن أليس الكلام ينطبق تمامًا على تلك المعاني المتن؟ متربّصة أبدًا بنا حدّ إحساسنا بتأنيب الضمير إثر محاولاتنا للتحرّر منها.

يتكشّف الصراع (ونعود هنا إلى اقتباسنا من بن سينا) حين يبدأ الإنسان يتحرّك حركاتٍ شتّى لكن بإرادة. انفصالٌ وترحال ورغبةُ تسكّعٍ في المفاوز وحدنا. يشير صاحب اللسان إلى أنّ المفازة نجاةٌ ومهلكة في الوقت ذاته. أنتِ تألفين هذا التناقض الذي يكمّل بعضه ألفتكِ للشعر، فرغم احتمال الهلاك يصرّ الشاعر على ركوب المخاطر مواجهًا شساعة الصحراء وقيظها، وحشتها ووحوشها، وعينيها المتأهّبتين دائمًا لاختلاق شجارٍ يودي به. إنّه يعرف ذلك ويقبل عليه: ذراني والفلاةَ بلا دليلٍ. تفهمين أنك إذ تتحرّكين «بإرادة» تخرجين عن «المتن» فيُتخلّى عنكِ. تحضر فيروز في الخلفيّة وهي تغنّي لجبران: «أولادكم ليسوا لكم أولادكُم أبناء الحياة والحياة لا تقيم في منازل الأمس..». تنظرُ أمكِ إليك نظرةً تشير إلى هراء ما تترنّمين به، وتضحكين. «هذا اعتراضٌ صارخ ومحاولة انسلاخ غير مقبولة»، تتخيّلين أن هذا ما تلفّظت به عيناها، وتغارين من جرأة السيدة لغناء سطرين خارجين عن المتن. تقولين في سرّك: معكِ حقّ. هذا معنى هامش، والجنة تحت أقدام الأمّهات، أبناؤكم وبناتكم لكم.

تحاول إيمان أن تقول إن الأمومة فعلٌ أنانيّ بالدرجة الأولى، ثم تتساءل إلى أي مدى يطالبها المتن بالتضحية على حساب كينونتها هي

لكن ما ذهبتُ أنا إليه ليس فيه ربما مما كتبته إيمان إلا اللفظ: أمومة متن، وأمومة هامش. أو لعلّ العلاقة ليست بهذه الدرجة من التباعد بين ما هذيتُ به وبين ما أسّستْ له الكاتبة. تحاول إيمان أن تقول إن الأمومة فعلٌ أنانيّ بالدرجة الأولى، ثم تتساءل إلى أي مدى يطالبها المتن بالتضحية على حساب كينونتها هي. إيمان قالت أشياء أخرى كثيرة عن اكتئابها واكتئاب ابنها وعلاقتها بأمها، إلا أن الأمر الذي ما زلت أذكره جيّدًا والذي كان بمثابة صفعة أيقظتني حرارتها من محاولاتي المركزيّة للتنظير سرًّا للأمومة والبنوّة وتلك العلاقة المرتبكة بينهما هو تأسيسها لمبدأ الأنانيّة في فعل الأمومة. هل سيغيّر هذا الاعتقاد شيئًا في ديناميكية أكثر العلاقات تعقيدًا في العالم؟ ربما ستفاوِض هذه الصفةُ البشريّة جدّا صفةَ الألوهة المُلتصقة بالأمومة واهبة الحياة. أنتبه فجأة إلى أنني مشروع أُحبِط فانقلبَ السحرُ على الساحر. أتعاطف مع الجانب البشري من فعل الأمومة، والإنسانُ يتحرّك حركاتٍ شتى بإرادة. إرادتي وإرادتها اختلفتا. الإنسان إذن، كائن أنانيّ. وما رغبتي سرًّا بأن أبقي على شيء من قبس إلهي في صورة الأمومة -أحيانًا- إلا أنانية ترفضُ التصديق بأن الأم كائن عاديّ له تعقيداته النفسية ونقائصه. أريد بعض الأحيان كما الشاعر إذا ما رجعتُ من منفاي (المُختار) أن تشدّ وثاقي بخصلةِ شعرها. هذا تفاعل الإرادة وغير الإرادة فيّ: حركات شتّى. هذه هي اللغة التي «تتربّص» بي.

بعد سنتين وبضعة أشهر من ليالي لندن الكئيبة أنتقلُ لعمّان لإكمال دراستي مرّة أخرى في الأدب العربي. مدينة أخرى وتخلّ دائم. يزور أبي أخي عمر في القاهرة بضعة أيام يُتبعها بزيارتي في عمّان. أتصفّح تويتر فأقرأ خبر إصدار إيمان مرسال لكتاب جديد «في أثر عنايات الزيّات». أتصّل بهما: «أريدُ الكتاب!». ويأتيان بهِ. إيمان مرّة أخرى، وشقّة صغيرة أقطنها وحدي لا تتجاوز مساحتها التسعين مترًا.

تتتبّع إيمان أثر امرأة مصريّة تكتب رواية وحيدة في ستينيّات القرن الماضي، وتنتحر في الخامسة والعشرين من عمرها قبل أن تشهد نشر نصّها الأول. تعثر صدفةً على رواية عنايات «الحب والصمت» في سوق الأزبكية في منتصف التسعينيّات بينما كانت تبحث عن نسخة من «كرامات الأولياء» للنبهاني لأهداف تتعلق بدراستها للماجستير آنذاك. يسكنُ لغز عنايات إيمان سنين طوال وتقرّر أنْ لا مناصَ من الكتابة عنها. لكن هل ما كتبتْ كان بحثًا محضًا لكشف ستار لغز تلك المرأة؟ تقول في كتابها: «قلتُ لنفسي لا يجبُ أن أتكلّم باسمها، لا يجب أن أقدّم مسودة لحياتها، هناك لحظة تقاطعٍ بيننا، سأجعل هذه اللحظة تعمل مثل دليلٍ روحيّ وسنختلف في كل ما عداها كثيرًا».[9] كانت إيمان تكتب لتفهم ذاتها بالدرجة الأولى. والكتاب جاء بديعًا لمَشْكَلَتِه الحدود بين الأجناس؛ فهو ليس بيوغرافيا خالصة، وليس مقالًا نقديًّا بشكل تقليديّ، ليس موضوعيًّا بدرجة كافية، ولا ذاتيًّا بصفةٍ حتميّة. تتدخّل إيمان بسرد الوثائق حينًا، وتضع مسافةً بينها وبين ما تكتشف من حقائق حينًا آخر، وتخرج من حواراتها مع من عرفوا/ن عنايات لتتخيّل سردًا آخر مختلفا عمّا حُكي لها.

في الصفحات الأخيرة من الكتاب، في الذكرى السادسة والخمسين لمن أعلنت «أن الحياة غير محتملة» في الثالث من كانون الثاني/يناير 2019 ترسم إيمان مشهدًا أشبه بتحضير الأرواح -مجازًا- تحشدُ فيه كل الكاتبات اللاتي جايَلْن عنايات أو سبقنها في لعنة الكتابة، لتتخيّل سيناريو آخر للحظات التي سبقت انتحار عنايات. تعرف إيمان من جارتها أنها زارتها ليلة الحادثة متأنّقة وقد حظيت بقصّة شعر جديدة، فتعكف الكاتبة على ملء فراغات الحدث بتخيّل أسباب جزّ عنايات لشعرها ودلالاته. ثم تعلن أنْ لا بدّ لكل الكاتبات اللاتي حفرتْ قبورهن لإحياء هذه الليلة معها من أن يكنّ قد جززن شعرهنّ حين حلّت كارثة في حيواتهنّ لحظةَ «غضب وجرح داخليّ».

تؤسّس لفلسفتها في جزّ الشعر:

«كلّ من الحلوات اللاتي لم أتخيّل متى وكيف جززن شعرهنّ أمام المرآة، يعرفن هذه اللحظة حتى لو لم يخبُرنها بأنفسهنّ. لحظة مواجهة المرآة وتجسّد الخواء، لحظة الرغبة في تغيير الذات بعقابها وتشويهها والتخفّف من أحد ملامحها. تمرّ اللحظة، تشعرُ المرأةُ بعبث ما فعلتهُ، يزدادُ غضبها، تهدأ، تدخلُ في مرحلة اليأس المُستَتِب، وتكون في نفس المرحلة التي يحتاجها الشّعرُ لينمو. هذا لم يحدث مع عنايات. دعونا نحتفل بذكراها الليلة».

تنتحر عنايات، وتكفّ إيمان عن التفكير في الانتحار بعد أمومتها، لكنّها بالتأكيد وقفت يومًا ما أمام مرآتها وقرّرت جزّ شعرها لتفريغ حنقها أيًّا كانت أسبابه. إنّها فلسفة النساء في التعاطي مع المصائب، مع الحياة. أما أنا فأتذكّر ذلك اليوم جيّدًا؛ كان نهاري الأخير في لندن، بعد سويعات سأركب الطائرة من هيثرو إلى الكويت. عليّ أن آخذ القطار السريع في بادنغتون إلا أن رغبة حثيثة شدّتني إلى البقاء مدّة أطول والقبول بإمكانية تفويت موعد الإقلاع. اتصلتُ بصالون التجميل الذي اعتدتُ ارتياده لسنتين وألححت للحصول على موعدٍ مع مايك ولا أحد غيره، معتقدةً بقوّة حجّة السفر القريب. ذهبتُ بحقائبي إلى الصالون وخرجت بشعرٍ قصير واستعدادٍ هائل للعودة. لم تفتني الطائرة. أخذتُ مكاني على متنها قابلةً لكل الاحتمالات. لم تكن رغبةً في تشويه الذات على حدّ تعبير إيمان. تشوّهت ذاتي قبل ذلك بكثير، حين بدأت الصور التي قدّستها ورفعتها كالمعلّقات على جدار الكعبة تسّاقط. لا، ولم تكن رغبةً في التخفف من أحد ملامحي، فكل ما كان يحدث لي وحولي يجعلني أنتبه إلى سطوة وجودي وكثافته. كنتُ ببساطة أتعلّم الفقد قبل مواجهته. تقول بلقيس الكركي: «المرآة لا تعكس ما ليس موجودًا، لكنها تعكس نهرًا يتغير ماؤه باستمرار».[10] حين وقفت أمام المرآة بعد تقصير شعري مباشرة هذا ما أحسسته ولم أعرف التعبير عنه حينئذ؛ كنتُ أنا ولم أكن.

في الحقيقة، كانت النية حين فتحت ملف الوورد هذا، أن أكتب مراجعة لعمل إيمان مرسال الأخير، لكن أشياء أخرى حدثت. وعزائي في هذا الالتواء غير المقصود هو ما قالته إيمان بالضبط عن عنايات: «هناك لحظة تقاطعٍ بيننا، سأجعل هذه اللحظة تعمل مثل دليلٍ روحيّ وسنختلف في كل ما عداها كثيرًا». وعزاءٌ آخر من كيليطو يقول: «أن تقرأ يعني أن تسيء الفهم، أن ترى في النص ما لم يقصده الكاتب». هذه إساءة فهم فاضحة. لكن ما عساي أفعل إذا كان النهر يتغير ماؤه باستمرار؟

  • الهوامش

    [1] مرسال، إيمان (2013)، حتى أتخلى عن فكرة البيوت، القاهرة: دار شرقيات، ص 83.

    [2] ممر معتم يصلح لتعلّم الرقص عنوانُ مجموعة شعرية لإيمان مرسال صدرت 1995 عن دار شرقيات.

    [3] ناقد فرنسي له مساهمات مهمة في التحليل البنيوي ونظرية الأشكال الأدبية (1930-2018).

    [4] المشي أطول وقت ممكن عنوانُ مجموعة شعرية أخرى لإيمان مرسال 1997، عن دار شرقيات كذلك.

    [5] للاستزادة، يُنظر: Bachelard, G. (1969). The poetics of space. Boston, Beacon Press.

    [6] Foucault, M. ‘What is an Author?’ in Harari, V. (1979). Textual Strategies. New York, Cornell Paperbacks.

    [7] ابن سينا، أبو علي. تسع رسائل في الحكمة والطبيعيّات. القاهرة، دار العرب.

    [8] كيليطو، عبد الفتاح (2018). الأعمال: جدل اللغات، ج1. الدار البيضاء، دار توبقال للنشر.

    [9] مرسال، إيمان (2019)، في أثر عنايات الزيّات، القاهرة: الكتب خان للنشر والتوزيع.

    [10] الكركي، بلقيس (2013)، إرادة الكتابة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.