نهر الرجل العجوز يتابع جريانه: عن بول روبسون

الإثنين 07 تشرين الأول 2019
صورة لبول روبسون، من وكالة جيتي إيميجيز

«نحن، الذين نعيش في عالم الموسيقى، ليس لدينا مكان في السياسة ويجب علينا أن نعتبرها غريبة عن كياننا. نحن سياسيون، نتطلع في أحسن الأحوال، للبقاء صامتين في الخلفية».[1]عبّر المؤلّف الموسيقي شونبيرغ،[2] الذي لم يُعجب بفلسفته كثير من الموسيقيين، عن موقفه الصريح الرافض للعلاقة المباشرة والفجة بين السياسة والموسيقى. المفهوم نفسه نجده حاضرًا في فلسفة ثيودور أدورنو الذي درس العلاقة بين الموسيقى الرائجة ووظيفتها السياسية، وتوصل إلى رأي أكثر جذرية بهذا الخصوص، إذ رأى في الاحتجاج عبر الموسيقى ضررًا مؤكدًا على القضية السياسية، فعجز تلك الموسيقى عن تخطي وظيفتها الترفيهية يجعلها تحوّل الكارثة إلى سلعة قابلة للاستهلاك وتوليد الربح. كلما قلّت إشارة الموسيقى للمجتمع، يقترح أدورنو، زاد تمثيله عبرها، كما الصمت الذي يتحدث عنه قائد مدرسة فيينا الثانية هنا هو الموسيقى بحد ذاتها وقد تحولت إلى وسيلة احتجاج خفية. 

لم يفضِّل العديد من الموسيقيين، الشيوعيين منهم تحديدًا، البقاء في الخلفية، بل أكدوا على ضرورة تحوّل الغناء إلى امتداد للخطاب السياسي، ورفضوا كل ما وُصِف على أنه دعوة لرفع شعار «موسيقى من أجل الموسيقى»، بما في تلك الدعوة من سعي لإيجاد حد فاصل بين العالمين؛ الفني «السامي» والعادي. وعند الحديث عن الفنان المتصدر للمشهد السياسي، الواقف دومًا في الصفوف الأولى، يكون الموسيقي والناشط الحقوقي والسياسي بول روبسون هو «أطول شجرة في غابتنا»، و«الأسود» الأكثر شهرة في الولايات المتحدة، وفقًا لمنبر النخبة الأمريكية في عام 1943؛ مجلة نيويورك تايمز.

استطاع روبسون، مغني البايس باريتون،[3] المولود عام 1898، الحصول على منحة إلى كلية روتجرز. نُظر حينها إلى «النجاح» الذي حققه فيها على أنه نموذج عن وضع السود الجيد في الولايات المتحدة، أمر لم يكن ليضر بسمعة «أرض تكافؤ الفرص» خصوصًا مع بدء دعايتها المعادية للشيوعية، مما غطى على قصة العنصرية العنيفة التي عانى منها روبسون الابن، والأب قبله، إذ كان هذا الأخير عبدًا لكنه نجح في الهرب من عبوديته عندما كان فتىً يافعًا. 

في حين كانت الفاشية تتصاعد، اتخذ روبسون مسارًا خطرًا لحياته جعله واحدًا من أعظم شخصيات القرن العشرين، و«الأمريكي» الأكثر شهرة في الولايات المتحدة،[4] إذ وقف ضد قوانين الفصل العنصري والإعدامات العشوائية أثناء حقبة جيم كرو[5] في الثلاثينيات والأربعينيات، كما صرّح بمناهضته للاستعمار، ووقوفه ضد قوات فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، وكان من الداعين للسلم مع الاتحاد السوفييتي، كما تحالف مع اتحادات عمالية يسارية. لم يكن من المفضل آنذاك أن تكون «أسود» البشرة أو اشتراكيًا، لكن أن تكون كليهما في آنٍ معًا، فتلك خطيئة لن تُغفر لك، وهي المجازفة كان روبسون على استعداد لأخذها، وتجرّع كل عواقبها بما فيها من وضعٍ لاسمه على القائمة السوداء خلال الحقبة المكارثية، وتعطيل جواز سفره، وصولًا إلى اتهامه بالجنون، كما يشيع البعض.  

بقي روبسون مناصرًا لستالين طوال حياته، ويبدو أنه لم يتحل بمقدرة بيتهوفن على التراجع عن مواقفه السياسية، إذ نعلم أن هذا الأخير ألف سيمفونية مستوحاة من مُثل الثورة الفرنسية ومكرّسة لبطلها نابليون الذي ما أن توج نفسه امبراطورًا على فرنسا حتى شطب بيتهوفن اسمه بعنف من مخطوطته ليصبح اسم السيموفونية «إيرويكا». 

يبدو من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، وضع فواصل بين مشروعي روبسون؛ السياسي والفني. وفي حين يعترف العالم بإنجازه الموسيقي العظيم، وأثره على موسيقى الستينيات الأمريكية وأجيال الروك المتلاحقة، بات من الواضح اليوم أثره على السياسة نفسها أيضًا، فكان رائدًا لأمثال مالكولم إكس ومارتن لوثر كينج حتى إنه لا يمكن للمرء فهم تجربة هذين الرجلين، أو سياق حركة الحقوق المدنية، دون فهم تجربة روبسون نفسها.

إلا أن الأمر الأكثر إثارة في تجربته الموسيقية هو رغبته في جعل الموسيقى الشعبية موسيقى رائجة ذات مضامين سياسية، أي وسيطًا يمكن عبره التحالف مع جماهير العامة بدلًا من التوجه إلى ما يطلق عليه بجمهور «النخبة». فرغم كونه باحثًا، وكاتبًا، ولاعب كرة قدم، وممثلًا قام بالعديد من الأدوار للسينما والمسرح، أشهرها عطيل والإمبراطور جونز، فضّل روبسون الغناء على بقية الفنون الأخرى، لما رأى فيه من قدرة على تصوير مأساة العامة. يستطيع المغني أن يكون على تماس تام مع مصادر مادته الفنية، وفقًا لروبسون، على عكس الممثل الذي عليه أحيانًا أن ينتزع نفسه منها. إن الغناء لم يكن تعبيرًا عن معاناة الشعب الأفريقي الأمريكي، وإنما كان حياتهم بذاتها.

هذا بالضبط ما دفع روبسون إلى الاعتماد على موسيقى الراغتايم والجوسبل والبلوز، فضلًا عن استخدامه لأغاني العمل، تلك الأناشيد التي ظهرت أثناء مرحلة العبودية، إذ طور العمال الأميركيون السود مجموعة كبيرة من الأغاني التي جرى تناقلها شفويًا ولم تُدوّن بسبب الأمية التي كانت منتشرة بين العمال آنذاك. كذلك اعتمد روبسون على موسيقى الروحانيات (spirituals) وهي نوع موسيقي تطوّر عن تقليد شفوي يروي موضوعات دينية. إن لهذه الموسيقى علاقة وثيقة بأفريقيا الوسطى، من حيث نُقِل السكّان الأصليون، ليكونوا عبيدًا في أمريكا. تحت لسعة السوط، استطاع كثير ممن استُعبدوا تطوير موهبتهم الموسيقية، وقد منحتهم موضوعات الإنجيل خلفية مناسبة لموسيقاهم تلك. لم تكن تلك الأغنيات عن المعاناة فحسب، إنما عن الثورة والتمرد والاحتجاج والرغبة في الهرب.

قدم معاصرو روبسون تلك الموسيقى وكأنها بقايا عاطفية تنتمي إلى زمن غابر؛ استهلاك سطحي وبارد من قبل جمهور أبيض متشدد يلقي نظرة رومانسية على التراث، أمر نشهده بقوة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي ومع العديد من الفرق العربية التي تستخدم التراث، وهنا نعود إلى أدورنو، كسلعة استهلاكية. التجسيد الأوضح لهذه الظاهرة نجده في نسخة فرقة شكون عن أغنية «شيّد قصورك عالمزارع» للشيخ إمام، إذ تتالى في فيديو كليب الأغنية المنشور على حساب الفرقة على يوتيوب، مقاطع فيديو لمدن حرب مدمرة يليها مقاطع لمنسق الموسيقى وهو يتمايل ويرقص على ألحان الأغنية الثورية.

إن رفض أدورنو لمثل هذه الظواهر في عصره، جعل إدوارد سعيد يطلق عليه لقب «كاره روح العصر»، وكاره الصيحة أو «التريند».

في المقابل، لم يكن روبسون معارضًا للموسيقى الدارجة، إذ كان معجبًا بموسيقى الـ(Bebop) التي كانت قد بدأت بالظهور منذ منتصف الأربعينات، كما أنه حتمًا لم ينشد عزل التراث بغية الحفاظ عليه. ما قام به روبسون بحق هو «اقتباس» تلك الأناشيد الروحية القديمة عبر نقلها زمنيًا ومكانيًا، وإعادة تقديمها بأسلوبه الغنائي الخاص وبمرافقة البيانو فقط، محققًا أداءً سياسيًا صارخًا بعبارات المقاومة والاحتجاج عبر كل نغمة من نغماته. صوت روبسون الهائل، العميق كما الأبدية، المنذر بالانفجار القريب، يصدح وكأنه ما من غدٍ، يلفظ نفسه عبر كل خلية من خلايا جسده، ويعيد إلينا ما قاله رولان بارت عن حضور الجسد في الصوت وهو يغني.[6] 

إن استعادته لهذا التقليد القديم لم يكن بغية إحياء ألم الكارثة في قلوب الجمهور فحسب، إنما إشهارًا لوسائل التنظيم السياسي. ما أراد روبسون الوصول إليه هو موسيقى «بروليتارية» بحق، تخاطب العامة وتحاكي آلامهم، فألف أغاني عن الحب الذي لا ينضب، عن التجارب والانتصارات والأنهار المتدفقة التي تواصل جريانها ولا تتوقف للاستراحة. لم يتغن روبسون بشعرية الانكسار والخسران، كما فعل ورثته من أجيال الروك، فهو في هذا كان نموذجًا للاعتزاز بالنفس والمقاومة واحترام الذات. إن تغنيه بالطموح «الرجولي» والقوة الذكورية الماتشوية، لم يجعل منه «بطل المصاوبة السياسية» على حد تعبير ابنه، لكنها حاجة يمكن فهمها ضمن سياقها التاريخي.    

«أشعر أحيانًا كأنني طفل بلا أم
بعيدٌ جدًا عن المنزل»

لم يكن روبسون الموسيقي الوحيد الذي عاد إلى تراث الألحان الأفروأمريكية طبعًا، فقبله كان هناك كلٌ من جيرشوين وبارتوك ودوفارك، لكنه كان سبّاقًا في دراساته لما يمكن أن يطلق عليه اسم «الهجانة» بين الأنواع الموسيقية المختلفة، وذلك بغرض إيجاد بنية عالمية واحدة للموسيقى الشعبية، يثبت عبرها وحدة الجنس البشري. تقوم هذه البنية على أساس السلم الخماسي، وهو سلم يحتوي على خمس درجات في كل أوكتاف. أراد روبسون قبل كل شيء أن ينفي مزاعم بعض الموسيقيين بكون الموسيقى الأفروأمريكية تقليدًا للأشكال الموسيقية الأوروبية، إن هذه الموسيقى، بتركيزها على البوليفونية والطباقية[7] تعتمد على السلم الخماسي الذي يؤكد روبسون كونه موروثًا إفريقيًا.[8] وأكثر من ذلك، مضى روبسون يبحث عن صلات أخرى تجمع بين بلدان متباعدة مثل اسكتلندا والصين والهند وأندونيسيا، فقط لما فيها من موسيقى تستخدم السلم الخماسي.

يؤكد روبسون وجود صلة وثيقة بين السياسات الثقافية والممارسة السياسية، إذ تحدث عن أدلة حية تشير إلى القرابة بين إفريقيا وآسيا، قرابة يمكن رؤيتها في البنى اللغوية وكذلك في الفنون والفلسفة.[9] دفعه هذا الاعتقاد إلى دراسة أوجه التشابه بين بنى العديد من لغات شرق أفريقيا مع اللغات الهنغارية والفنلندية والتركية واليابانية. كما أنه عثر على تشابهات كثيرة بين اللغات الإفريقية والصينية التبتية، من ناحية اعتمادها على المقطع الواحد، واستخدامها للنغم أو ما يدعى بالانطباع.[10] على المغني، كما يرى روبسون، أن ينظر إلى التعبيرات الموسيقية المختلفة لجميع البلدان كحلقات كثيرة لا تنفصل في نفس السلسلة، هذا بالضبط ما دفعه إلى المقارنة بين المقطوعة الروحانية الأفريقية، كنوع، وموسيقى أوبرا بوريس جودونوف لموسورسكي. 

إن نظرية روبسون عن «العالمية الموسيقية»، جعلته عرضة للانتقاد الشديد من قبل العديد من معاصريه، إلا أننا نستطيع فهم هذا التشدد إذا ما راعينا رغبة روبسون العارمة في الوقوف ضد الهيمنة الأمريكية، والإعلاء من صوت التعبير الشعبي الصدئ، المسكون بالمقاومة، المناهض للاستعباد الإمبريالي.  

«لكنني أظل أضحك
بدلًا من البكاء
يجب أن أستمر في القتال
حتى أموت
ونهر الرجل العجوز
يتابع جريانه»

نجد السلم الخماسي ذاته في أغنية «نهر الرجل العجوز»، رائعة روبسون من (showboat)، وهي مسرحية موسيقية قدمت لأول مرة عام 1927، وتحولت لاحقًا إلى فيلم. عدل روبسون بضع كلمات من الأغنية، مما حولها من مرثية حزينة إلى أغنية عن النضال والصمود، أغنية بسيطة من ناحية اللحن، لكنها تتميز بشكلها الإيقاعي، والطبقة العالية التي تنتهي إليها. أعاد عديد من الموسيقيين أداء الأغنية، منهم فرانك سيناترا، ري تشارلز، وليام وارفيلد، إلا أن أداء روبسون تميز ببراعة عالية، وبتهدج صوتي قوي ومشدود. 

«حلمت أنني رأيت جو هيل الليلة الماضية،
حي كما أنت وأنا حيَّان.
قلت: «لكن يا جو، أنت ميت منذ عشر سنوات!»
«أنا لم أمت أبدًا» قال لي»

استُهدف بول روبسون من قبل اليمين في عام 1947 عندما غنى أغنية جو هيل في جامعة يوتا. وهي بالاد (قصيدة غنائية شعبية) عن العامل جوزيف هيلستورم الذي أعدم ظلمًا بواسطة فريق إطلاق النار من ولاية يوتا في عام 1915. يومها صفق البعض لروبسون، وخدش آخرون مساند مقاعدهم لشدة غضبهم. في العام ذاته، سأل ريتشارد نيكسون الممثل أدولف مينجو عن كيفية تعرف الحكومة على شيوعي ما، كان جوابه أن أولئك الذين يصفقون في حفلات بول روبسون هم الشيوعيون. تسببت أنشطة روبسون السياسية باستدعائه من قبل لجنة الأنشطة غير الأمريكية التي رضي المثول أمامها عام 1955، فجردته من جواز سفره حتى عام 1958.  

كان لتجربة روبسون الموسيقية دور هام في توثيق الصلات بين الموسيقى والسياسة في أمريكا. وهي العلاقة التي لم تتوقف يومًا؛ فمن مرثية بيندريسكي لضحايا هيروشيما، إلى أغاني ناس الغيوان وجيل جلالة والشيخ إمام، واحتجاجات جيمي هندريكس وبوب ديلان، كلها أمثلة عن قدرة الموسيقى على اتخاذ موقف من العالم، الموقف الذي من شأنه أن يعلي من قيمة الفنان أو يجعله، كما في حالة فاغنر الذي اتهم بمعاداته للسامية، موضع تساؤل اليوم. 

  • الهوامش

    [1]Arnold Schoenberg, Arnold Schoenberg Letters, p 255.

    [2] مؤلف موسيقي أمريكي نمساوي، عرف بإنجازاته الواسعة في مجال الموسيقى اللامقامية.

    [3] يستطيع مغني البايس اريتون أداء العلامات العالية من طبقة البايس (الغليظة) والمنخفضة من الباريتون (المتوسطة).

    [4] A Paul Robeson research guide: a selected, annotated bibliography. Lenwood G. Davis. Westport: Greenwood Press, 1982. p 619.

    [5]الحقبة التي فرضت التمييز العنصري عبر مجموعة قوانين محلية في جنوب الولايات المتحدة، منذ نهاية إعادة الإعمار عام ١٨٧٧ حتى بداية حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات.

    [6] Roland Barthes, Image, Music, Text, trans, p188.

    [7] بعكس الموسيقى ذات الصوت الواحد (المونوفوني)، البوليفونية بنية موسيقية تقوم على تعددية الأصوات اللحنية المتصلة رغم كونها مستقلة عن بعضها؛ في حين تعتمد الموسيقى الطباقية على إضافة لحن إلى آخر، بحيث يحتفظ كل منهما بهويته اللحنية (علامة مقابل علامة).

    [8]Paul Robeson, Paul Robeson Speaks, p439.

    [9] Paul Robeson, Paul Robeson Speaks, p399.

    [10] أو النبرة (tone)، وهي خاصية لغوية للغات مثل الصينية والفيتنامية والتايلاندية، إذ تُستخدام النغمة لتمييز الكلمات المتطابقة في اللفظ والمغايرة في المعنى.