يوسف ضمرة: نقابيّ نهارًا، قصّاص ليلًا

الثلاثاء 21 كانون الثاني 2020

يوسف ضمرة، واحد من القلائل المتبقين من الكتاب الأردنيين أبناء جيل ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. في هذه الشهادة، يحدّثنا ضمرة عن عصر مضى، وعن أجواء ثقافية عاصرها، كانت ذروتها في إطار رابطة الكتاب الأردنيين، وخاصّة صادق فيها غالب هلسة وعبد الرحمن منيف. ويختم بالحديث عن الذبحة الصدرية التي أصابته عام 2016 وكانت أحد أسباب اعتزاله الحياة العامّة.

مرَّتان أجبر عدمُ انتظام تدفق الدم من وإلى القلب ضمرة أن يخلف موعده؛ لا تسمح آثار الذبحة التي أُصيب بها أن يكونَ في يومهِ. أخيرًا انتظم تدفقُ الدمّ وكان الاتفاق على لقاءهِ ببيتهِ في العاصمة عمّان. مشكلةٌ أخرى، واجهتنا، وهي أن ضمرة كائن ليلي، تبدأ حياته مع غياب الشمس وتمتدُّ لساعات الصباح الأولى، كما أنه لا يحمل هاتفًا نقّالًا؛ لذا جرت الترتيبات على الطريقة القديمة؛ أعطِ الإحداثيات والتعليمات الدقيقة للوصول إلى البيت، ومع كثيرٍ من اللف والدوران وصلنا في الليل حيث يجلسُ في غرفةٍ فيها المكتبة، وطاولةٌ للقراءة والكتابة، عليها فواتير لشركة الكهرباء، ومعهما تلفازٌ مفتوحٌ أبدًا على نشرات الأخبار، وفي الغرفة يجول صديقان حميمان ليوسف؛ قطّان ليسا من سلالة ذات قيمة.

تصحيح مكان الميلاد

على خلاف ما هو مكتوب في شهادة الميلاد، لم يولد يوسف ضمرة في مخيم عقبة جبر في مدينة أريحا، ولم يولد في الصيف. المكان والزمان في الأوراق الثبوتيّة أملاهما عدم وجود مكان إقامةٍ دائمٍ، إذ كان الأبّ المجاهد السابق في جيش الإنقاذ عبد المعطي ضمرة يقطع مع عائلته الطريق من قرية مجدل يابا قرب يافا باتجاه الشرق باحثًا عن مكانٍ للإقامة: «أهلي كانوا يفتشوا عن مكان لأنه ما فيه فلوس، في عمّة إلي بالكرامة، فقالوله [أبوي] تعال هون». سكنت العائلة بلدة الكرامة على الضفة الشرقيّة لنهر الأردن، وبين عامي 1952 و1953 وُلد يوسف «مكتوب عندي [بالشهادة] شهر ستة، بينما أخوي محمَّد بيحكيلي الدنيا كانت شتا، شتا بالكرامة بشهر ستة؟ مستحيل».

ترك الأبّ الكرامة إلى رام الله في نفس السنة التي وُلد فيها يوسف، وهناك كبر الولد وصار في سنّ المدرسة فانتبه الأب لعدم وجود شهادة ميلادٍ له، فذهب إلى مخيم عقبة جبر في مدينة أريحا، وسجّله هناك، وعاد في اليوم نفسه إلى قرية كفر عين في رام الله، ودخل يوسف مدرسةً ابتدائيّة في نفس القرية، ثم انتقل إلى المدرسة الإعداديّة في قرية دير غسّانة المجاورة.

في الإعداديّة، ينتظر الطفل مؤلفات إحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، التي تأتي من شقيقه محمد الذي كان يدرس الثانوية في رام الله المدينة «ييجي نهاية الأسبوع ومعاه منشورات دار القلم ببيروت، أذكر قرأت مختصرات أحدب نوتردام، مدام بوفاري، البؤساء، [ومؤلفات] محمد عبد الحليم عبدالله، ويوسف السباعي». 

وقبل أن يصل الصف التاسع، وقعت حرب حزيران، ومن هذه الحرب يذكر ضمرة الجملة التي سمعها من والده: «بتوخذ منا 24 ساعة مشي»، وكان يعني المسافة بين مكان إقامتهم الحالي، وقريتهم الأصلية في يافا. كانت طريق العودة في ذاكرة الأبّ، مثل طريق الخروج، لا تُسلك إلّا مشيًا .

– شو صار بعدها؟
– كوارث

إلى الشرق مرة أخرى

بدل المشي إلى مجدل يابا، سارت العائلة شرقًا من جديد، إلى مخيم الضليل شرقيّ مدينة الزرقاء «صحرا بعد خوّ، قعدنا حوالي عشرين يوم، بعدين تركنا المخيّم». دخل شقيقه محمد معهد المعلمين في حوّارة، ودخل هو الصفّ الأول الثانوي في إحدى مدارس الزرقاء.

– أي مدرسة؟

– الثانوية، مكانش إلا هي.

وقبل أن تنتهي السنة الدراسيّة حدثت معركة الكرامة «الناس دشعت على المقاومة، مكملتش المدرسة»، وبقي بانتظار فرصةٍ يعبر فيها النهر، طال الوقتُ، مرت أشهرٌ، وسنةٌ، ثم سنتان، ولم يعبر النهر، فبقيت تلاحقهُ هذه الغصّة إلى هذه الأيّام «للأسف الشديد ما قطعت النهر ولا مرّة».

عاد للمدرسة، وتقدم للتوجيهي العلّمي، وحصل على معدلٍ 65.5%، وانتظر سنتين دون أن يكمل الدراسة الجامعيّة «الجامعة ممنوع التفكير فيها، ما فيه إمكانية، كان التركيز على [دخول] معهد المعلمين، الأسرة بحاجة». تتكون الدراسة في المعهد من سنتين تسمحان له بالعمل بعد التخرج بسرعة، فيما سنوات الجامعة أربع، وبتكلفة أعلى. «معهد [المعلمين] بحوارة رفضني، واللجنتين سنتين ورا بعض رفضوني».

في هذه الفترة (1971-1973) بدأت كتابات ضمرة، وبدأت معها التنقلات في المهن بمدينة الزرقاء: حدادة، نجارة، عتالة في الحسبة، وكان يمكن أن يستمر في التنقل بين المهن لولا أن أخبره صديقهُ بافتتاح معهد المهن الطبية في عمّان، فتقدم له بتخصص تخدير «قالي المدير ليش جيت؟ قلتلو محداش أخذني، مش رح أقلك بدي أخدم الإنسانية ولا حمامة بيضا، وقبلوني»، لكنه ترك التخدير إلى العلاج الطبيعي بعد ستة أشهر بسبب ما رآه في غرف العمليات بمستشفى البشير حيث التدريب العمليّ: «أشياء لا تصدق، أنا اللي بذبحش جاجة، أشوف اللحم والجرح؟ دُخت، وطلعت».

في هذه الفترة تعرّف ضمرة على مجموعة من كتاب ذلك الزمن، بينهم أسامة فوزي يوسف، ومحمود أبو عوّاد، وهند أبو الشعر. وكان ضمرة يجتمع مع الأصدقاء في مقهى الكوكب، وتدور الأحاديث حول الثقافة والحياة العامّة، وفي أحد الأيّام زاره فتىً صغير من الصحراء، يتجوّل على المجموعة وبيده قصيدة «يا أستاذ شوفلي هالقصيدة، كان كثير خجول، لفت انتباهي». كان هذا الفتى أمجد ناصر

فقراء وأغنياء

انتسب يوسف ضمرة إلى رابطة الكتّاب الأردنيين عام 1975 بعد تأسيسها بسنة واحدة، وكان ترتيب عضويته فيها 75. وفي هذه المرحلة كانت عمّان هي المدينة التي يقضي فيها وقته، بينما «الزرقا خلص صارت أوتيل». أمّا الأجواء الثقافية في عمّان، فيقول ضمرة أن الكتاب في تلك الفترة انقسموا لمجموعتين؛ شلّة للفقراء يتذكّر منهم، قاسم توفيق، وناهض حتّر الذي كان في المدرسة الثانوية حينها، وآخرون، واتخذت هذه الشلّة من مقهى شهرزاد في شارع السلط في عمّان مكانًا لها. والشلّة الثانية شلّة الأغنياء، ومنهم حيدر محمود وجمال أبو حمدان وفخري قعوار، واتخذت من مطعم الدبلومات قرب منطقة الدوار الأوّل مكانًا لها: «هم إلهم محلّهم، وإحنا محلّنا، هاظ محل غالي الدبلومات».

في الرابطة بدأ الانقسام منذ بداية التأسيس، كتلتان تتنافسان في انتخابات الرابطة، كتلة فصائل المقاومة الفلسطينية وترأسها سالم النحاس، ومعه ميشيل النمري قبل أن يغادر الأردنّ، وكتلة الحزب الشيوعي الأردنيّ.

– وأنت؟

– أنا كنت بشلّة الحزب الشيوعي، وهذا بمنتهى الغرابة، العوامل الشخصيّة لعبت دور، لم أكن في الحزب الشيوعي في يوم من الأيّام.

وحوت هذه الكتلة محمود شقير المبعد من فلسطين، وعصام التلّ، ومؤيّد العتيلي، وحيدر رشيد، وإبراهيم العبسي، وجمال أبو حمدان.

نشر ضمرة في البداية شعرًا، في صحيفة الدستور، وقصصًا قصيرة في صحف الرأي وعمّان المساء، وعمل في مستشفى البشير بعد تخرجه من معهد المهن الطبيّة في العلاج الطبيعي، ووفر له العمل الإمكانيّة الماديّة لزيارة دمشق، وشراء الكتب، «وأنا مروّح كنت أدخّل كتب، الكتب كانت ببلاش». أخيرًا، صفّ مجموعته القصصية الأولى العربات بخط اليد، وسافر رفقة الشاعر غسّان زقطان إلى الشام حيث مقرّ اتحاد الكتّاب العرب بالأزبكية لينشرها، على اعتبار أنها «الجهة المعروفة، والجهة إلي بنشر فيها أهم كتاب القصّة».

ومن هناك اشترى مؤلفات قصاصين، منهم زكريا تامر وجورج سالم وحيدر حيدر. كان ضمرة وقتها يسكن حي عوجان في الزرقاء، ويعمل في مستشفى البشير، ويزور الرابطة، وبدأ يقرأ الكتب التي جلبها من الشام ومعها ترجمات: غوته وثيرفانتيس والجندي الطيّب شفيك، وانتخب عضوًا في الهيئة الإدارية لرابطة الكتابة عام 1979، وكان رئيس الرابطة حينها عبد الرحمن ياغي، وفي يوم من الأيّام قدم ياغي كتابًا صغيرًا لضمرة، وسأله هل قرأت هذا الكتاب؟ وأعطاه إياه ليتصفحهُ، لم يكن الكتاب صغيرَالحجمِ في الحقيقة غير مجموعة العربات التي قدمها ضمرة لاتحاد كتاب العرب في دمشق «ثاني يوم كنت بالشام».

قصص عن الحب والفقر والهزائم والفدائيين

في الأعمال الأولى ليوسف ضمرة، والتي حملت عناوين العربات، نجمة والأشجار، والمكاتيب لا تصل أمي، هناك ثيمات تتشابه مع الثيمات التي استخدمها قصّاصو الأردن وفلسطين في تلك الفترة. حيث تناولت القصص موضوعات اللجوء والفقر وحرب حزيران ومغتربي الخليج ومخاتير القرى المتعاونين مع السلطة وغيرها. 

وإن تشابهت الموضوعات، مع قصّاصين آخرين، فإن الاختلاف الذي قدّمه ضمرة كان في طريقة السرد، إذ حوت قصصه، ومنذ المجموعة الأولى مستودعًا لتقنيات السرد. يصف أكثر من ناقدٍ قصص ضمرة على أنَّها «انفتاحٍ على التجريب والتجديد منذ خطواتها الأولى». (١) 

بحسب ضمرة، فإن تلك الفترة شهدت بدايات ما يسمّيها بالقصة الحديثة في الأردن، وكان من روّادها خليل السواحري وفخري قعوار وجمال أبو حمدان وفايز محمود.

– ما هي القصة الحديثة في الأردن؟

– أنا سميتها حديثة لأنها مفارقة للتقليدية لأنها مفارقة للقصة القديمة، كان فيه روكس العزيزي عيسى الناعوري وحسني فريز لكن قصصهم تقليدية جدًا. 

مع المثقفين 

أثرت حوارات دمشق التي صار يتردد عليها ضمرة في مشروعه الكتابيّ، وخاصة الحوارات مع غالب هلسة وعبد الرحمن منيف، ومن ثم مؤنس الرزاز في عمّان.لكنَّ التردّد على دمشق واللقاءات مع الكتّاب فيها في فترة بداية الثمانينيات ستكون الأهمّ على مستوى الإضافة المعرفيّة عند يوسف ضمرة.

بداية الثمانينيات جمعت سهرة كلًا من غالب هلسة، وشوقي بغدادي، وحمدي سعيد، ومعهم ضمرة، «حكيت مع غالب، ما أعارني الاهتمام الكافي، بعرفنيش». حاول ضمرة في السهرة إثارة حفيظة غالب في المواضيع التي يحبها: الأردن، روايته «الضحك»، لكن دون جدوى، فقد كان يُجيب باقتضاب، فخرج ضمرة مستاءً. 

عام 1986، بعث ضمرة قصة قصيرة لمجلّة أدبيّة تصدر عن منظّمة فتح الانتفاضة، بعدها بأشهر خرج ضمرة بوفد لرابطة الكتاب الأردنيين ليحيي أمسيات في عدة مدن سورية، وبعد انتهاء الأمسيات توجه إلى فندق الشام وعلى باب الفندق لمح غالب هلسة ضمرة «فينك يا يوسف؟». «شو هالترحيب؟»، سأل ضمرة نفسه. «فينك يا راجل أنا بدور عليك». «أنا؟»، فكّر ضمرة. كانت القصة منشورة في المجلة التي كان غالب يعمل بها، ولم يكن ضمرة يعرف. «ظليتني ساكت كم يوم إنه هو يحكي، ما جاب سيرة. بعدين سألته اضطريت أسأله «ينعن تاريخك، القصة عجبتك؟»، «منا نشرتها يا يوسف»، «ممكن تنشر قصة ما..» «لأ».

توطدت العلاقة بين الاثنين، ودارت الحوارات بينهما خلال تطوافهما في شوارع دمشق. بدأ ضمرة يسمع من غالب أحاديث في الأدب وعلم الجمال، تكنيك الكتابة، واللغة الجافة عند كتّاب الستينيات «أول من حكا عنها غالب، فهمت منه معنى الأدب وكيف تكتب وما التكنيك. الشخصيات النمطية والشخصيات النموذجية في القصة».

أما العلاقة مع عبد الرحمن منيف فبدأت عام 1986 إذ كان ضمرة يُتابعه إلى أن أصدر الجزء الأوّل من سلسلة مدن الملح رواية التيه، تلك الفترة كان ضمرة يقرأ في المأساة اليونانية، ووجد أنَّ الرواية متأثرة بهذه المأساة فكتب عن الرواية مقالًا من 25 صفحة ونشره في مجلة أفكار وفي مجلة موقف الأدب.

وفي أحد الأيّام كان غالب وضمرة في كافتيريا فندق الشام. وتحدث لغالب عن المقال الذي تناول راوية التيه، «لم يكن [غالب] يجب كتابته [لعبد الرحمن منيف]، لكنه صديقه»، هاتف غالب منيف وذهب الاثنان إلى بيت الأخير، وبمجرّد دخولهما، «قلّي [عبد الرحمن] كيفك يا أستاذ؟، أنا؟ أستاذ؟».

كان ضمرة حينها في بداية الثلاثينيات، وهكذا نشأت صداقة مع عبد الرحمن منيف، وكلّما زار ضمرة دمشق ذهب لبيت منيف. «هو بيتوتي، لا يحضر ندوات، وهو كبير بالعمر، وصارت صداقة حميمة إنسانية، هو توجهه مختلف عن تصوري، هو مع المطوّلات، ما أحببته له الأعمال القصيرة [مثل] الأشجار واغتيال مرزوق، وقصة حب مجوسية». قبلها، في الأردنّ، كانت حوارات بين ضمرة ومؤنس الرزاز تجري ببداية الثمانينيّات حول الغرائبيّة في الأدب، وتفاصيل البناء السردي «كان قارئ كويس، ويقرأ بالإنجليزي».

كتب ضمرة راوية وحيدة بعنوان سُحب الفوضى عام 1983، ونشرها عام 1991. «لما بدأت أكتب ما كنت مفكر أكتب رواية، القصة مدّت وأنا ما كبحت نفسي»، حاول ضمرة كتابة رواية أخرى، لكن المحاولات خرجت بصورة تشبه رواية سُحب الفوضى، فترك كتابة الرواية. 

يُمكن اعتبار رواية سُحب الفوضى الذروة الفنيّة التي وصل لها مشروع ضمرة الكتابيّ، على مستوى الشكل، إذ ظهرت فيها مجموعة من تقنيات القصّ الفريدة في مشروعه، وتقنيات أخرى كان استخدمها في مجموعته العربات. وتتمثل أبرز تقنية في الرواية في تسيير الزمن فيها بمسارين؛ واحد لرجل يركب حافلة في مدينة الزرقاء، ويمتد لساعة تقريبًا، وزمنٌ آخر يتنقل فيه ضمرة منذ حرب حزيران 1967 وحتى خروج المقاومة من بيروت 1982. لكن على مستوى المواضيع، لم تبتعد الرواية كثيرًا عن أجواء مجموعاته السابقة بشكلٍ عام.

يقول ضمرة حول تشاركه في الموضوعات مع أبناء جيله من القصّاصين «أنا ابن تجربتي (..) أنا تأثرت بالوقائع التي عشتها، أنا موجود في كل قصصي». 

معارك رابطة الكتاب

بشكلٍ غير رسميّ، ومنذ تأسيس رابطة الكتاب الأردنيين، وُجدت مجموعتان تتنافسان على إدارة الرابطة؛ أطلق على الأولى اسم جماعة الحزب الشيوعي، وعلى الثانية جماعة فصائل المقاومة الفلسطينية. لم تكن المواقف مختلفةً كثيرًا بين الطرفين، إنما هكذا جرت التسميات. «وجدت نفسي ميالًا لمجموعة من الكتاب مثل عصام التل ومؤيد العتيلي ومحمود شقير، هذول مجموعة الفقراء، لما انطرح موضوع الصراع الطبقي وجدت نفسي معهم، أكيد بدي أنزل مع هذول [للانتخابات]».

نهاية السبعينيات ترشَّح ضمرة مع قائمة الشيوعيين التي ترأسها الشاعر والإعلامي عبد الرحيم عمر الذي لم يكن شيوعيًا، ولم ينجح غير عبد الرحيم من القائمة. في هذه الفترة تبلور تيار القدس بعد خروج المقاومة، وانضم إليه مؤنس الرزاز، بعد عودته من بيروت، وموفق محادين ونزيه أبو نضال.

قبيل إغلاق الرابطة في 17 حزيران 1987، بسبب الأحكام العرفيّة، ترأس خالد الكركي الهيئة الإدارية في الرابطة. «اختلفنا مع الكركي، خاصة في توجه الرابطة، [كان] في مهادنة عم بتصير مع أدوات السلطة، وقررنا ننزل للانتخابات». هكذا قرر ضمرة ومجموعته الجديدة، والمنشقّة عن المجموعتين الرئيستين، خوض الانتخابات بمواجهة الطرفين.

وبينما كان ضمرة وسط التحضيرات لزواجه وصله خبر إغلاق الرابطة. فوجئ ضمرة ومن معه أن الهيئة الإدارية رفعت دعوى على قرار إغلاق الرابطة. «شو بدها تسوي الدعوة بالأحكام العرفية؟ أرفع دعوى على حكومة؟»، يتساءل ضمرة.

خرج بعض الأعضاء إلى اتحاد الكتاب الذي تأسس مباشرة بعيد إغلاق مقر الرابطة، وشكله حيدر محمود بالدرجة الأولى، وكان عرّابًا للاتحاد «كان رفض مطلق، شو تسكر رابطة وتشكل اتحاد». في هذه الفترة، انتقلت اللقاءات إلى بيوت الأصدقاء، ومنها بيت ناهض حتّر، «نلتقي نتبادل الكتابات، ببيته في اللويبدة، انتقل حديثًا من وادي الحدادة إلى اللويبدة».

يقول ضمرة إن البلد كلها اختلفت في 1989. وبعد انتهاء الأحكام العرفية وعودة الرابطة صارت الكتلتان أوضح؛ واحدة دُعمت من فتح الانتفاضة والحزب الشيوعي والجبهة الشعبية، والقيادة العامة، و«الناس إلي راحت على الشام بعد 1982، والحزب الشيوعي الثوري معانا»، وكان ضمرة وموفق محادين يديران العملية النقابية في الكتلة ويرتبان القائمة. وعلى الجهة الأخرى يُرتب سالم النحاس وإبراهيم العبسي وجمال ناجي القائمة التي كانت تضم «بقايا ديمقراطية وفتح وشخصيات أقرب للسلطة». 

في هذه الفترة أصدر ضمرة رواية سُحب الفوضى (1991) والمجموعة القصصية عنقود حامض (1993)، ولاحقًا أشجار دائمة العريّ (2002).

ترك العمل النقابي

سيطر تيّار القدس، الذي كان ضمرة أحد أعمدته، على انتخابات الرابطة لأربع دورات، ترأس الرابطة في اثنتين منها سعود قبيلات، وفي اثنتين موفق محادين. لكن ما حدث بعد هذه الدورات الأربعة أن تيّار القدس الذي شغل فيه ضمرة الأمانة العامّة بدأ يخسر انتخابات الرابطة، وبنتائج لم تحصل من قبل، بسبب «التقوقع والبعد عن القاعدة الانتخابيّة»، وبسبب الموقف من القضية السورية، كما يروي ضمرة.

قدّم ضمرة استقالته من الأمانة العامّة للتيار، واستمر الانقسام والخسارة في الانتخابات. بعدها خرج ضمرة بتيار جديد، وهو التيار الثقافي التقدمي، وتكوّن من «ماركسيين على مهمشين على مقاومة» لكنه سرعان ما اختفى.

وفي أحد أيّام العام 2016 أصيب ضمرة بذبحة صدرية، وبدأت رحلة العلاج، لكنه لم يعد إلى حالة ما قبل الذبحة الصدرية، إذ وبأقل جهد بدني يبدأ بالتعرّق والإجهاد.

وفي العام نفسه حصلت مجموعته «دوزان» على جائزة وزارة الثقافة للإبداع، لتتوزّع الجائزة البالغ قيمتها خمسة آلاف دينار بين الضرائب والديون والأطباء. وفي عام 2017 توفيت زوجته، وواصل هو رحلة البحث عن العلاج وحيدًا، رحلة استنفدت ما بقي معه من نقود.

– وبعدين؟

– بطاقة التأمين الصحي محجوزة في مستشفى الجامعة ثمن فحوصات عشان 75 دينار. 

أخيرًا

أنهى ضمرة هذه الأيّام مجموعة قصصية جديدة بعنوان «أيتام أدغر»، يفترض أن تجهز قريبًا. يُتابع ضمرة الكتابات على فيسبوك، وينشر عليه بعض القصص، وفي هذه القصص غابت الثيمات الكبرى، وحضرت الموضوعات الصغيرة التي تدور غالبًا حول الوحدة؛ قصاصون يحكون حكايات ثم تعجبهم الحبكة فيدخلون قصصهم، مسنّون يغنون أغاني مكسيكيّة قديمة على دوار باريس، وأشخاص يتجولون بأقدام خشبيّة في الشوارع.

يتذكر ضمرة أنه كان يسير يومًا مع غالب هلسة حين وصلته أول ثلاث نسخ من روايته سلطانة، يومها قال هلسة لضمرة: «تعرف يا يوسف؛ حين تصدر لي رواية أشعر أنني ارتكبت فضيحة». وربما لشعور مشابه لا يأبه ضمرة كثيرًا بتوزيع مجموعاته، ولا حتى الاطلاع عليها، إذ يمرّ هبر صدور مجموعاته بلا حفلات توقيع ولا إشهار.

وحيدًا في الليل، مع كتبه الورقية وتلك الإلكترونية، يبقى ضمرة حتى الفجر يقرأ مع قططه وذكريات النهر الذي ما استطاع قطعه، ويتذكّر العقود التي أمضاها في الرابطة، والتي لم تعد كما كانت. ويذكر أنه ذهب مرةً إلى مقرّ الرابطة مدفوعًا بالحنين إلى عقود خلت. «لا أخفي أبدًا أنني أحيانا أشعر بغربة وأنني طارئ على المكان. قبل يومين جاء مجموعة من الشبان وأخذوا يتحدثون بصوت مرتفع، وربما بدوت لهم شخصًا يرتاح في الظل من عناء عمل ما، فقد أكثروا من الالتفات نحوي بنظرات تحمل الكثير من التهميش (..) هل ختيرت الرابطة يا جماعة كأي كائن حي أو غير حي؟»، كتب على صفحته في فيسبوك قبل عام.


١) د. محمد عبيدالله، يوسف ضمرة، الأعمال الكاملة، منشورات البنك الأهلي الأردنيّ، عمّان، 2005، ص 11.