فرقة الجيل الجديد: ستة عقود من الرقص الشركسي

من حفلة فرقة الجيل الجديد في مهرجان جرش في تموز الماضي.

فرقة الجيل الجديد: ستة عقود من الرقص الشركسي

الأحد 18 آب 2019

يقول المثل الشعبي الشركسي «من لا يعرف الرقص لا يعرف كيف يحارب»، وعلى ذلك تستند رواية مفادها أن الرقص عند الشركس كان في أصله تدريبًا على القتال وتمرينًا على الرشاقة. لم يكن صعبًا تصديق هذه الرواية حين دخل 24 راقصًا وراقصةً مسرح المدرّج الجنوبيّ في جرش بحركات منضبطةٍ مثل دقّات الساعة، فيما يلبس الرجال منهم زيًا فلكلوريًا شركسيًا هو زيٌّ عسكريّ بالأصل. كان ذلك يوم 22 من تموز حين أحيت فرقة نادي الجيل الجديد للرقص الشركسي حفلها الخامس والعشرين ضمن مهرجان جرش.

قدَّمت الفرقة في هذا الحفل مجموعة رقصات مستوحاةٍ من بلاد القفقاس ونسورها وفرسانها. «كانت النسور تجوب أعالي السماء رمزًا للشعب الشركسيّ»، هكذا قدم عريف الحفل إحدى الرقصات باللغتين العربيّة والشركسيّة، ليدخل الراقص والراقصة الأساسيان إلى المسرح، ويتبعهما البقية، وأيديهم عالية مثل جناحي نسرٍ يجوب فوق الجبال. أما في رقصة «أوبيخ»، فانقسم اللحن بين سريع وبطيء، محاكيًا حركة الخيل.

عادة ما تبدأ المناسبات الاجتماعيّة الشركسية وتنتهي برقصة «القافا» التي تؤدى على رؤوس الأقدام، وهي من أبرز الرقصات الشركسية وتُدعى رقصة الأمراء. رقصة «الوجّ» هي الرقصة الوحيدة التي يجوز للراقصين مسك أيدي الراقصات فيها وهي رقصة تقام في الوداعات؛ كالذهاب للصيد، أو الحرب، أو السفر. أما رقصة «الشوشن» فهي من الرقصات السريعة التي تظهر رشاقة الراقصين وخفة حركتهم.

هذه الرقصات وغيرها تم تناقلها عبر أجيال الفرقة ومدربيها، منذ تأسيس فرقة الرقص الشركسي في نادي الجيل الجديد سنة 1968. فرغم أن الفرقة بدأت عام 1962 لكنّها لم تستمر كثيرًا فانقطعت، وعادت من جديد، لتتخذ من سنة 1968 عيدًا لمولدها ومن اسم النادي اسمًا لها. «في الـ 68 بنقدر نقول تأسست أول فرقة للفلكلور الشركسي في نادي الجيل الجديد، وفي الأردن، ما كان فيه فرق هذيك الأيّام»، يقول مدير النادي الأسبق هشام فروقة.

كان النادي الذي تتبع الفرقة له قد تأسس في العام 1949 على يد مجموعة من الشباب الأردنيين من أصول شركسية، والذين كان بعضهم في سن التاسعة عشرة، وتمَّ تسجيله رسميًا في العام 1950، وكان من بين أهداف التأسيس المحافظة على اللغة الشركسيّة والتراث والفلكلور الشركسيّ. في بداية الخمسينيات، دخل الأردنّ الكاتب واللغوي الشركسيّ كوبا شعبان، قادمًا من منطقة القفقاس في روسيا، وأخذ يؤلف مسرحيات عن الشركس، وحروبهم، وهجراتهم، فكوّن النادي فرقة مسرحيّة سنة 1953. هكذا كانت بدايات النادي ترتكز على تعليم اللغة الشركسيّة وتقديم المسرحيّات، قبل أن تتأسس فيه أول فرقة للرقص الشركسي. حينها، لم يكن الرقص هو ما يُعرف به نادي الجيل الجديد، إنما كرة القدم، حيث ستنتظر فرقة الرقص حتّى الثمانينيات حتى يبزغ بدرها محليًا ودوليًا. 

استمرت فرقة الرقص حتى سنة 1973 ثم توقفت، ليتم إحيائها سنة 1982، ثم تنمو وتتسع شهرتها خاصة مع انطلاق مهرجان جرش، الذي شاركت فيه الفرقة سنويًا منذ دورته الأولى سنة 1983، وحتى سنة 1994 في تلك السنة حين ظهرت على الساحة الأردنيّة فرقةٌ أخرى للرقص الشركسي، وهي فرقة النادي الأهلي. «اتفقنا إحنا نشارك سنة وهمّا سنة، منذ العام 1994 وحتى 2019 والمشاركة بالدور»، يقول مدير الفرقة مؤيد الحاج طاس. «بالـ 95 صار التحوّل، وقفنا النشاط الرياضي، نشاط كرة القدم، تكاليفه كثير، وما فيه إمكانات، وبعدين صار فيه احتراف وصار صعب على مؤسسة بحجمنا» يقول الحاج طاس. 

بدأت الفرقة بتقديم عروض خارج الأردن. «إحنا جينا من القفقاس، وكان حلم كلّ الشباب الشركس بالأردن إنهم يرجعوا للوطن الأم ويشوفها. [سنة] 1990، وجهت إلنا دعوة نقيم حفلات بالقفقاس، وكانت أول مشاركة للفرقة بشكل كبير خارج الوطن الأردن كانت 1990، كان في مشاركات صغيرة قبلها في باريس وفي رودس» يقول فروقة. أمضت الفرقة في رحلتها عبر القفقاس ثلاثة أسابيع، وزارت فيها كل المناطق الشركسيّة في جمهوريّات القبرديه والأدييه وشركيسك، كما قدمت عرضًا في ولاية نيوجيرسي الأمريكية.

من حفلة فرقة الجيل الجديد في مهرجان جرش في تموز الماضي.

أجيال من الرقص

بحسب المؤرخ ممدوح قومق، فإن قانون الشرف الشركسي، «خابزة»، يقر مسؤوليّة الشباب الكبار في المجتمع الشركسيّ تجاه الصغار، يلعب الكبار دور الناصح والموجه الاجتماعي، ويشرفون على تعليم الرقص الشركسي. أمّا منشأ هذا الانضباط «الذي يشبه الانضباط العسكري في الكليات الحربية» فيرده قومق إلى تقليدٍ قديمٍ يتم فيه «تحضير الناشئة الشركسية ليكونوا مقاتلين أشداء في الحروب التي فرضت عليهم طوال حوالي ألفين وخمسمائة عام».

من شهد تمرينات الراقصين سيتعرّف على هذا الانضباط العسكريّ؛ إذ لا مكان للثرثرة أو التقاعس. خلال حضورنا التمرينات المكثفّة تحضيرًا لحفل مهرجان جرش، كان الصغار منقسمين قسمين؛ قسمٌ يتدرّب والآخر يستريح، وكان هؤلاء كل عدة دقائق يقفون ومن ثم يعاودون الجلوس. استفسرت من رئيس نادي الجيل الجديد حسن خمش فلفت انتباهي للباب، فكل داخل لصالة التدريب من الكبار يدخل يقف الصغار له احترامًا، وهو ما يقول خمش إنه من عادات الشركس.

في التمرين الذي يبدأ بالإحماء، الكلّ رهن إشارة مدرب الفرقة الآتي من القفقاس في روسيا، ميشا شوجن. لا يتكلّم شوجن كثيرًا، وإن اضطرّ للتواصل فباللغة الشركسيّة أو الإيماءات، ويفهم بعض الأطفال اللغة وبعضهم يتقن النطق بها. «الأصل، طول عمرنا بنحكي شركسي بالبيت»، يقول خمش. بدأ شوجن العمل مع الفرقة في شهر كانون الأوّل الماضي، وهو أوّل مدرّب للفرقة من غير أبناء النادي، إذ تناوب على تدريب الفرقة منذ العام 1982 مدربان هم من أبناء النادي. وتقوم الفرقة بالمجمل على التطوّع، العازفون، المدربون، والراقصون. وفقط في الفترة الأخيرة بات المدرب يتلقى مرتبًا.

يجري تسجيل المقطوعات الموسيقيّة في مبنى نادي الجيل الجديد. أثناء الحفل في جرش، كانت الموسيقى المرافقة للفرقة مسجلةً. لكن في الاستراحات، عزفت فرقة للنادي مكونة من تسع عازفين مقطوعاتٍ موسيقيّة من التراث الشركسيّ، كما قدَّم الفنان الشركسي كريم نخش أغانيه باللغة الشركسيّة. تاريخيًا، صاحبت الموسيقى الشركسية آلات موسيقيّة مثل الأكورديون والفلوت، وآلات قديمة مثل «شبكا بشنة» ومعناها باللغة الشركسيّة آلة العزف، و«الباربان» وهو آلة إيقاعيّة، «بخطط» وهو جذع شجرةٍ مجوف من الداخل يستخدم كطبل.

وتعد أربع خيّاطات أزياء الراقصين والراقصات في الفرقة، إذ يوجد ست أطقم للراقصين الذكور ومثلها للإناث. كما تستورد الفرقة بعض الأزياء من القفقاس، مثل سيف القامة الذي يضعه الراقصون على أوساطهم، والجزمة الخفيفة والطويلة التي تسمى «ثخستن» والبنطال «فاشا» والمعطف «تسي» الذي يحتوي على جانبيه من الأمام عند الصدر مكان لخراطيش البندقية. أما لباس الراقصات فهو ثوب طويل له شكلان؛ واحدٌ يغطي الجسم كاملًا حتى القدمين، والآخر أقصر قليلًا تحت الركبة بقليل.

من تدريب ناشئي فرقة الجيل الجديد.

تنقسم الفرقة عمريًا إلى ثلاثة أقسام، الأشبال وهم الصغار من عمر 6-10 سنوات، ومن ثم الناشئين من عمر 11-16 سنة، والرئيسيّة، أي فرقة الكبار. ووصل عدد كادر الفرقة بين راقصٍ ومنظم وعازف ومساعدين خلف الكواليس 149 شخصًا، «الكادر الذي يعمل خلف الكواليس بيساعد البنات والشباب على تغيير [الملابس] ويفوتوا ويطلعوا بسرعة وفيه إلى يدخلوا الناس وبيضيفوهم وبيحافظوا على النظام والأمن». أما عدد الراقصين فبلغ 73 شخصًا بين ناشئين وكبار.

ساتنيه حاتوق (21 سنة)، هي إحدى راقصات الفرقة الرئيسيّة، وترقص منذ تسع سنوات. واليوم تدرّب فرقة الأشبال. «هي شغلة حب إني أعطي إلي عندي للأطفال، وأشوفهم يصيروا زي ما أنا صرت بعرف أرقص، بتمنى أشوفهم يعرفوا يرقصوا»، تقول حاتوق.

تقول حاتوق «أهم الرقصات إلي بتعلمها الطفل هون هي القافا والشوشن، أكيد بيكون فيه صعوبة على الطفل بالأوّل، بيكون هو جاي أوّل مرة بيرقص بحياته، بيواجه صعوبة بالعدّ والحركات». يأخذ تعليم الطفل من أسبوع إلى أسبوعين لتعلّم الحركات الأساسيّة كما تقول حاتوق. الحركات البسيطة والرقصات الأساسيّة هي المطلوب من الطفل أن يؤديها نهاية التدريبات لكي يكون جاهزًا لأن يصعد للفرقة الأكبر (الناشئين). وبعد أن يتقن الطفل الحركات الرئيسيّة يبدأ بمساعدة المدرب في تأدية التشكيلات. في العطلة الصيفيّة، يجري تدريب الأطفال يوميًا ما عدا الخميس، وفي أيّام الدراسة يكون التدريب ثلاثة أيّام في الأسبوع. 

خلال وقوفه معنا ونحن نتابع تمرين الأطفال كان خمش، يُحرّك قدميه وكان شيئًا ما يُحركّها، سألته، فأجاب: «أنا ما بقدر ما أرقص».