الجامع الأموي في دمشق: قصة فسيفساء

الإثنين 26 تشرين الأول 2020
فسيفساء الجامع الأموي في دمشق. تصوير: أميركان روجبير.

«ومن عجائبه أنه لو عاش الإنسان مائة سنة وكان يتأمله كل يوم، لرأى فيه كل يوم ما لم يره في سائر الأيام».
– ياقوت الحموي، معجم البلدان، القرن الثالث عشر ميلادي.

أثناء تجوالها في مسجد دمشق الأموي عام 1927، رأت مارجريت جوتييه فان بيركيم ما لم تره في سائر الأيام. فبينما ساد الاعتقاد بأن زينة الجامع الأسطورية قد راحت ضحية كوارث متتالية، بين سخط العباسيين وغزوات المغول وحريق عام 1893، كان للباحثة السويسرية رأي آخر.

في دراسة لها، أكدت فان بيركيم أن الزينة الجدارية العائدة لفترة الوليد بن عبد الملك لا تزال هنا، تختبئ على مرأى من الجميع تحت القصارة التي تغطي جدران الصحن. في العام التالي، أشرف مدير المعهد الفرنسي في دمشق آنذاك، فيكتور أوستاش دي لوريه، على عملية إزالة القصارة، والتي يبدو أن العثمانيين وضعوها لسبب مجهول.[1] النتيجة فاقت التوقعات، ففسيفساء الجامع الذي «يكاد يقطر ذهبًا ويشتعل لهبًا» لم يعد مزاودة شعرية من طرف ياقوت الحموي، بل حقيقةً مبهرةً.

تولى ثلاثة طلاب فنون سوريّون مهمة ترميم وتوثيق الفسيفساء المذهّبة، التي زادت في أهمية صرح كان من بين الأهم في تاريخ الإسلام في المنطقة، والنموذج المعماري الأول لكثير من مساجد العالم. جاء مسقط المسجد وتوزيع فراغاته في الحقيقة نتيجة تراكم تاريخي لعدة منشآت دينية أقيمت على الموقع، أبرزها معبد جوبيتر الروماني وكنيسة يوحنا المعمدان البيزنطية التي تقاسمها مسيحيو المدينة مع مسلميها حتى عام 705 م، حين أطلق الوليد بن عبد الملك ورشته الشهيرة. عندما انتهى العمل على المسجد عام 715 م، كانت جدران صحنه وحرمه قد كُسيت بالكامل بفسيفساء مذهبّة؛ عشرات الأمتار لم يبق منها اليوم إلا أجزاء على الرواق الغربي وبيت المال، وعلى الواجهة الشمالية للحرم.

يرى كثيرون في فسيفساء الجامع الأموي استمرارًا لتقليد مسيحي ازدهر في الحقبة البيزنطية، في كبريات كنائس الإمبراطورية كما في القسطنطينية أو رافينا أو سالونيك، وبينما تقوم الفسيفساء المعتادة على استخدام قطع حجرية صغيرة بألوانها الطبيعية لإنتاج الصور المرغوبة، تتطلب الفسيفساء المذهبة أضعاف الوقت والمال اللازمين، حيث يجري دقّ ورقة ذهب رقيقة بين صفيحتي زجاج ومن ثم تحمية القطعة بالنار. تشكل تلك القطع المذهبّة الخلفية، وتُعشّق بأحجار مختلفة، منها أنواع الرخام الملون والثمين لصناعة الصورة المطلوبة. وتمتاز الجدارية النهائية بمقاومتها للزمن وبتلك القدرة الخلابة على عكس الضوء بطبقات مختلفة.

لكن الاختلاف الجوهري لصور الفسيفساء الأموية في دمشق عن مثيلاتها البيزنطية يكمن في غياب أي تصاوير بشرية أو حيوانية انصياعًا لتعاليم الدين الجديد.[2] بالتالي، اقتصرت أسلمة الفسيفساء البيزنطية على انتقاء المناسب منها وترك الباقي، والنتيجة هي صورٌ لعوالم فردوسية تقبع في سكون أزلي، لولا بضع نسمات تلعب بالأوراق، وأنهار تخترق العمران المهجور.

تمثل تلك الصور «بلاد الدنيا»، بحسب مؤرخين كياقوت الحموي وشمس الدين المقدسي، وهي نظرية واردة نظرًا لانتشار خرائط الفسيفساء في سوريا الطبيعية آنذاك، كما في مادبا وطيبة الإمام. من الطبيعي أيضًا أن يكون أقرب شبيه لهذه المشاهد في أذهان الناس آنذاك هي الجنة كما جاء وصفها في القرآن: «غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار» (الزمر، 20)، وهي إحدى التفسيرات الشائعة أيضًا، يضاف إليها التفسير القائل بأن الصور تمثل دمشق وغوطتها ونهرها بردى.

لكن الدلالة القرآنية لا تنفي بالضرورة الدلالة الدنيوية، بحسب الباحث آلان جورج،[3] الذي يجادل بأن الأمويين قد ورثوا عن الفرس والروم صورًا لطالما رمزت إلى ملكوت مزدوج، سماوي وأرضي. تبنى الأمويون تلك الازدواجية، جاعلين من الخلافة انعكاسًا لمشيئة الله على الأرض، ومن فسيفساء المسجد الأموي، بالتالي، دلالة على جنات عدن وعلى انعكاسها الأرضي، دمشق، في آن واحد. تبدو النظرية منطقية كون المسجد الجامع هو تعريفًا مكان مزدوج؛ فهو الضمان لحياة آخرة هنيئة من جهة، ومركز للحياة الدنيا وأشغالها من جهة أخرى، بل ومركز للعالم الإسلامي في حالة دمشق. الفصل بين الشقين الديني والدنيوي ليس بهذه السهولة إذن.

الصور تفنى بصعوبة، ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وفسيفساء الأموي هي البرهان على ذلك.

إلا أن استحالة الجزم بمعنى تلك الصور ليست نهاية القصة. فمن وجهة نظر بصرية بحتة، قلّما تستمد الصور عناصرها من الحياة الواقعية أو من النصوص، وإنما من صور أخرى. وبالفعل، يمكن تتبع المفردات البصرية للجامع الأموي في ترحالها عبر امتداد جغرافي يصل بلاد فارس وآشور بشواطئ نابولي والقسطنطينية. تلك المباني المتلاصقة مثلًا، التي تزين الجدران بتراكبها الأفقي ومناظيرها المتداخلة وشبابيكها الصغيرة العلوية، هي تقليد متوسطي يعود للقرون الأولى قبل الميلاد، قد يكون أشهر تجلياته جداريات بوسكوريـال الرومانية التي زينت منزلًا أرستقراطيًا في القرن الأول الميلادي، شمال مدينة بومبي.

كذلك حال المبنى الدائري الغامض بأعمدة كورنثية، يتقدمه ما يشبه المذبح المزين بالنباتات والثمار، وهي صورة نجد شبيهتها في الجامع الأموي. أما الأشجار بتمثيلها الدقيق، فيمكن ربطها بالجداريات التي زينت منذ القرن الأول الميلادي فيلّا ليفيا في روما، حيث نجد ذات التقنية في تراكب الأوراق وفي استخدام درجات مختلفة من الأخضر بحيث تغمقّ الأوراق تدريجيًا كلما ابتعدت عن الغصن، معطيةً الوهم بالعمق (التقنية ذاتها المستخدمة في فسيفساء قصر هشام الأموي في أريحا).

الصور تفنى بصعوبة، ولا تستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر، وفسيفساء الأموي هي البرهان على ذلك، فهي تجميع كبير من الصور يغلب عليها اليوناني والروماني والبيزنطي وبضع تأثيرات فارسية وآشورية (في بعض الزخارف المستوحاة من الزهور وريش الطاوس مثلًا).[4] لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأمويين قد رأوا فيها ما رآه سابقوهم، فربما صارت تلك المفردات مع الوقت مجرد رسومات اعتادتها أيدي الحرفيين وعيون المشاهدين، أفرغت من معناها جزئيًا أو كليًا لتتحول إلى روتين تزييني.

يمكن طرح السؤال ذاته عن فسيفساء قبة الصخرة، وهي التوأم المعماري لمسجد دمشق، بنيت قبله بعقد تقريبًا. فبينما نعرف أن التيجان المجنحة مثلًا كانت في الأصل رمزًا ملكيًا ساسانيًا، فإن ذلك لا يساعدنا على تقدير ما إذا كانت معانيها القديمة قد سافرت معها أم لا. المدهش في تلك التكوينات، أكثر من لغز معناها، هو قدرة مسلمي آنذاك إعطاءها معنى ما، رغبتهم بتكييف قيمهم الجديدة مع صور قديمة سبقتها وسبقتهم بقرون.

يسود الاعتقاد باستقدام الخليفة الوليد حرفيينَ بيزنطيين لتنفيذ فسيفساء دمشق، ما يعطي انطباعًا خاطئًا بكونها فنًا أجنبيًا جرى استيراده من الخارج. لكن بين فتح دمشق عام 634 م وبدء العمل على المسجد عام 705 م، لم يمض إلا 71 عامًا، أي فترة غير كافية لكي تصبح الثقافة «الرومية»، أي البيزنطية، ثقافة أجنبية في سوريا. حتى دواوين الدولة وعملتها ظلّت يونانية في إقليم الشام ولم تعرّب إلا قبل بناء المسجد ببضع سنوات، دون الحديث عن الشعب الذي لن يُعرّب لغويًا وثقافيًا إلا بالتدريج.

تسهل مقارنة صور الجامع الأموي بمثيلاتها في روما أو رافينا في إيطاليا لكون تلك المدن عواصم كبيرة، لكن الفسيفساءات البيزنطية في سوريا تشهد على تقاليد مطابقة تمامًا مع فرق الميزانية، وبالتالي، الجودة. أن يكون الحرفي إذن قد جاء من القسطنطينية أو من أنطاكية أو من وسط سوريا لا يغير الكثير، ولا يجعل من فسيفساء الجامع الأموي دخيلًا أجنبيًا، بل بالعكس تمامًا؛ يجعله الذروة الطبيعية لتقليد لا هو مسيحي ولا وثني، بل محلي ببساطة، تقليد العصر.

لم يمنع ذلك التاريخَ الإسلامي من تذكّر الوليد كخليفة مدلل وذي عروبة واهية، ترك قيم أجداده مقابل بذخ ورخاء المدنية. «كان الوليد لحّانًا» بحسب السيوطي،[5] واللحن هو ترك الصواب في الكلام العربي كما يخبرنا ابن منظور، مضيفًا أنه من شيم اليهود والنصارى، وأنه إذا «استُملح» من قبل الجواري كنوع من الغنج، فهو عيب على فحول الدولة ورجالاتها. في سياق متصل، يبدو أن الشام، «بلد النصارى» بحسب المقدسي،[6] كان قد ذاع سيط عمارتها، فخشي عبد الملك وابنه الوليد أن تغري المسلمين، ففضّلا تبذير أموال الدولة على قبة الصخرة وجامع دمشق كي يضاهيا ببهائهما ما عرفته الشام، ولو عنى ذلك تبنيهم لقيم جمالية أبعد ما تكون عن قيم المساجد العربية الأولى في مكة والمدينة.

من حسن حظ المسجد الأموي إذن كونه لحانًا كذلك، لأن في لحنه انفتاحًا لإسلام شبه الجزيرة على الإرث الحضري لشرق المتوسط. لا يجدر بنا فهم ذلك كتخلٍّ عن عروبة قويمة، بل كإعادة اختراع لتلك العروبة، فدخول الإسلام مرحلةً جديدة من الانتشار والمأسسة تطلبت لغة بصرية باذخة من الطبيعي أن يرثها العرب من محيطهم الموجود أصلًا، وأن تولد نتيجة صدام مع فلول حضارة رومانية بيزنطية فقدت ألقها. إن كان الروم والأمويون أعداءً على الخرائط وفي الكتب، فإنهم في تاريخ الفن كلٌّ متكامل، قد خلف أحدهم الآخر. أما العالم الذي خلّفوه وراءهم  فهو عالم من الصور، أو هذا على الأقل ما تبقى لنا منه.

  • الهوامش

    [1] SIMONIS, Loreline, Les relevés des mosaïques de la grande mosquée de Damas, Paris, Louvre éditions, 2012.

    [2] انطبق تحريم تلك الصور فقط على أماكن العبادة، بعكس ما يظن كثيرون، مما يبرر وفرة التصاوير البشرية والحيوانية في القصور والمخطوطات.

    [3] GEORGE, Alain, «Paradise or Empire?. On a Paradox of Umayyad Art», in GEORGE, Alain and MARSHAM, Andrew, Power, Patronage, and Memory in Early Islam: Perspectives on Umayyad Elites, 2018.

    [4] DEGEORGE, Gérard, La grande mosquée des Omeyyades à Damas, Paris, Imprimerie nationale, 2010.

    [5]  جلال الدين السيطوي، تاريخ الخلفاء.

    [6]  شمس الدين المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.