في زمن الكورونا: فعاليات ثقافية يمكنكم المشاركة بها من المنزل

الخميس 23 نيسان 2020
ملصقات لمجموعة من الفعاليات الثقافية.

اختبرت الأسابيع الماضية قدرة الكثيرين على التأقلم، ففي الوقت الذي حاولت فيه المجتمعات التكيف مع الظروف المستجدة التي رافقت أزمة فيروس كورونا، رأينا تحولات في تأدية العمل وإدارة المؤسسات والقطاعات المختلفة من الصحة والتعليم وغيرها. حتى المشهد الثقافي والفني، محليًا ودوليًا، شهد ترتيبات مستحدثة، بعضها غير مسبوق، لمواصلة تنظيم الفعاليات والنشاطات بما يتناسب مع إجراءات حظر التجول والحجر المنزلي. 

كغيرها من القطاعات، أغلقت المؤسسات الثقافية والمتاحف في الأردن مبانيها ومرافقها حتى إشعار آخر. وخلال الأسبوع الأول من قرار الحجر الصحي في آذار الماضي، رأينا الرسائل والمنشورات تظهر واحدة تلو الأخرى في النشرات الدورية وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي لتلك المؤسسات لتخبرنا بأن الأنشطة والفعاليات التي كانت مقررة تلك الفترة تم تأجيلها أو إلغاؤها حرصًا على السلامة العامة واستجابة لتوجيهات الحكومة. لكن في ظل هذه الظروف، ما هو دور الثقافة والفنون في هذه الأزمة؟ وما هي آليات إنتاجها وإيصالها للجمهور في ظل الظروف الراهنة؟

في هذا التقرير، نتعرّف على الكيفية التي تعاملت بها مجموعة من المؤسسات الثقافية في الأردن مع جائحة كورونا، ونسمع من عدد من القائمين على تلك المؤسسات عن دور الثقافة في ظرف مثل الذي نعيشه. 

دارة الفنون

بعد اضطرار دارة الفنون لتأجيل إقامات فنية والاعتذار عن استقبال فنانين وفنانات من داخل الأردن وخارجه، كما كان مخططًا له في آذار ونيسان، فكّر القائمون في البدائل التي يمكن تقديمها خلال الأزمة. تقول القيّمة في دارة الفنون جود التميمي: «كان ضمن الاقتراحات تفعيل الأرشيف المتوفر في المؤسسة خلال هذه الفترة. إلا أننا وجدنا، في المقابل، أن هناك حالة من الهشاشة العالمية تتمتع بخصوصية عالية تستحق البحث والتوثيق، الأمر الذي شجعنا على استلهام برامجنا الحالية من الأزمة وتداعياتها وعلاقتها بالفضاء السيبراني وتقصي طرق جديدة للإنتاج الفني والثقافي».

نتيجة لذلك افتتحت دارة الفنون مشروع معرض فني أطلق عليه اسم «إنترنت الأشياء: عالم آخر ممكن»، والذي يعرض منتجات الصيغة الأولى لإقامة فنية يستوحي فيها الفنانون أعمالهم من الحجر والتفاعل الجمعي مع الفضاء السيبراني والتكنولوجيا وحالة الطوارئ التي يمر بها العالم. تم تنسيق افتتاح هذا المعرض في بث حي قدّمه القائمون على البرنامج جود التميمي، وفراس شحادة، وريم مرجي، كلٌّ من منزله وعبر الشاشة، وكل منهم في بلد مختلف، وتبعه أداء صوتي شاركه الموسيقي «عاصفة» من منزله أيضًا. 

يتحدى المشروع الفني، بحسب جود، سمات لصيقة تسيطر على الإنتاج الرقمي مرتبطة بالرأسمالية مثل التركيز على الإنتاجية والإنتاج الكمي. ويفكك فيه الفنانون الأزمة، ويبحثون في مسببّاتها، وآثارها الحالية ويقومون بإنتاج مواد متخيلة للمستقبل. رغم أن التفاعل الإنساني حاليًا محصورٌ بدرجة كبيرة على الفضاء السيبراني ومرتبط بالشاشات والأدوات التكنولوجية، إلا أن القائمين على المشروع يشجعون على النظر للتجربة بشكل عابر يتخطى حالة «الأونلاين» ويستمر «أوفلاين». 

بالإضافة إلى هذا المشروع سيكون هناك عدد من النشاطات الإلكترونية مع كتّاب باحثين وفنانين ومصممين وغيرهم من العاملين والمهتمين بالثقافة والفنون في المستقبل القريب. ما يميز الأنشطة والمشاريع هذه الفترة أنها ذات مرونة عالية ولا تأخذ شكلًا محددًا. تقول جود: «إننا منفتحون لأي تحولات أو تغييرات قد تطرأ على المشاريع الفنية، وليس لدينا بعد شكل متوقع للمنتج الفني النهائي». وتضيف أنه لا مفر حاليًا من توسيع الأنشطة إلكترونيًا، على الرغم من أنه يتناقض مع توجهات الدارة فيما يتعلق بسياسات الجسد وإعادة إنتاج المساحة والفضاءات العامة. إلا أنها تنظر لها كتجربة ستساعد على فتح نقاشات مثرية وستعيد إنتاج بعض المفاهيم. هناك أيضًا بعض الميزات الإيجابية التي لا يمكن إغفالها كإتاحة الوصول والمشاركة للكثيرين دون عوائق مكانية، فقد كان من الملفت انخراط عدد كبير من الفنانين المحليين وآخرين مقيمين في ألمانيا واليابان ولبنان ومصر وغيرها من الدول وتفاعلهم عبر الإنترنت.

بعد انتهاء الأزمة ورجوع العاملين في القطاع الفني والثقافي إلى قواعدهم، سيكون هناك الكثير من الدروس المستفادة من تجربة استخدام الفضاء السيبراني كمساحة فنية.

هناك أيضًا معارض أخرى في مبنى دارة الفنون لا تزال قائمة باستخدام التقنيات الرقمية. فمعرض «مسألة صمود» لنادية كعبي-لينكي، ومعرض «جمل في الغرفة» لرائد إبراهيم، ومعرض «آلات ورقية»، جميعها متاحة من خلال جولة افتراضية موجودة على موقع الدارة الإلكتروني. ليس ذلك فحسب، فالجولة الافتراضية تتيح رؤية أجزاء أخرى لا بد يفقتدها روّاد الدارة ومحبّوها مثل الحدائق المطلة، ونوافير الماء، وأشجار الصنوبر والياسمين وحتى شجيرات إكليل الجبل المزهرة على الأدراج.

يبقى تركيز الدارة على العمل الجماعي ومشاركة الفضاءات العامة، والتفاعل المشترك في المساحات المختلفة، فبحسب جود «لا شيء يعوض عن ذلك». وتضيف إنه بعد انتهاء الأزمة ورجوع العاملين في القطاع الفني والثقافي إلى قواعدهم، سيكون هناك الكثير من الدروس المستفادة من تجربة استخدام الفضاء السيبراني كمساحة فنية. لكنها ترى أيضًا أن استمرارية أنشطة إلكترونية من هذا النوع أمرٌ متوقع حتى بعد انتهاء الأزمة.

الهيئة الملكية للأفلام

الهيئة الملكية للأفلام من المؤسسات الفاعلة التي لم توقف نشاطها خلال أزمة فيروس كورونا. يقول مهند البكري، المدير العام للهيئة إنه يمكن للأفلام أن تُقرّب المسافات بين الناس مع المحافظة على التباعد الاجتماعي بينهم، لذلك قامت الهيئة بتنظيم عدد من الفعاليات التي تسمح بالتواصل مع جمهور وروّاد الهيئة عبر الإنترنت. كما في برنامج (Cur-films) والذي يقدم عروض أفلام مجانية كل يوم إثنين وخميس الساعة التاسعة مساءً، حيث تتم مشاركة روابط الأفلام على صفحات الهيئة على مواقع التواصل. يقول مهند إن «البرنامج يركز بالأساس على الأفلام الأردنية. وتمتد رقعته لتشمل أيضا أفلامًا عربية وأجنبية نحاول أن يتماشى مضمونها مع موضوع الحجر الصحي ولو إلى حد بسيط». ويضيف إن «ميزة عرض الفيلم على شبكة الانترنت أنه يصل إلى عدد أكبر وشريحة أوسع من الجمهور بالمقارنة مع عرض الفيلم الذي يقام في صالة قد تتسع لحوالي مئتي شخص». 

وعند الاستفسار عن التحديات المتعلقة بالملكية الفكرية وحقوق النشر أوضح مهند أن الهيئة حريصة جدًا على ذلك بحيث لا يُعرض أي فيلم دون الحصول على حقوقه. وأشار إلى أن استجابة الغالبية العظمى من صناع الأفلام كانت إيجابية ولاقت الفكرة ترحيبًا كبيرًا من طرفهم. لكن لم يخلُ الأمر من بعض التحديات في الحصول على حقوق عرض أفلام معينة لارتباطها بعقود شرائية حصرية تحول دون إمكانية عرضها عبر شبكة الانترنت.

كما استوحت الهيئة من الظروف الراهنة مسابقةً لصناعة الأفلام بعنوان «متر وأبعد» (وهي المسافة الأدنى المطلوبة بين الأفراد في زمن الكورونا) لتشجّع صناع الأفلام الهواة والمتمرسين على مشاطرة التجارب والخواطر والأفكار وسرد القصص بالصوت والصورة للتعبير عن العزل وما يترتب عنه. تم استقبال 47 فيلمًا قصيرًا في الدورة الأولى للمسابقة، 36 منها مستوفٍ للشروط. وقد اختارت لجنة التحكيم أفضل ثلاثة أفلام مشاركة نشرت على صفحة فيسبوك وأتاحت للجمهور فرصة التصويت لفيلمه المفضل. جائزة المسابقة، وقدرها 300 دينار أردني، تذهب باسم الفائز/ة إلى مبادرة اجتماعية وطنية لتقديم المعونة للمحتاجين والمتضررين من هذه الأزمة. 

بالإضافة إلى ذلك، تنظم الهيئة مبادرة «طلاّت سينمائية» لربط صناع الأفلام والمهتمين بهذه الصناعة مع صناع أفلام آخرين عبر منصة «زووم» الإلكترونية. يقول مهند إن الهيئة سعدت «بتفاعل عدد من صناع الأفلام الأردنيين والعرب البارزين واستعدادهم التام لمشاطرة خبراتهم ومعارفهم في صناعة الأفلام مع المهتمين والصاعدين في هذا المجال». 

معهد غوته الألماني 

كغيره من المؤسسات الثقافية، كان من المفترض أن تعقد في معهد غوته الألماني في عمان إقامات فنية وورشات عمل بحضور فنانين وموسيقيين من دول المنطقة في شهري آذار ونيسان، لكن مع جائحة كورونا اضطرّ المعهد إلى إعادة ترتيب جدوله. تحدٍ آخر، وجد المعهد نفسه أمامه بسبب الجائحة، وهو تنسيق دورات اللغة الألمانية مع الكوادر التعليمية والطلاب، خصوصًا وأنها تعد من الأنشطة الرئيسية التي تعود بالدخل على المركز وتمكنه من تمويل أنشطته الثقافية الأخرى.

تعرب مديرة معهد غوته في عمان، لاورا هارتز، عن قلقها على القطاعات الفنية والثقافية، وترى إنه من المتعارف عليه أن تلك القطاعات هشة ومصادر دخل العاملين فيها مهددة على الدوام، لأن نسبة كبيرة من الفنانين والمصممين يعملون في مشاريع قصيرة المدى أو بشكل حرّ ومستقل. وتماشيًا مع سياسة وزارة الثقافة الألمانية، إحدى الجهات المُموّلة لمعهد غوته، تم إعادة ترتيب الميزانية بحيث تدعم الفنانين والعاملين في المجالات الإبداعية. لذلك وفي الأسبوع الأول من إعلان الحجر الصحي، أطلق المعهد تحدي الإنتاج المشترك عبر الإنترنت لتمويل تعاونات بين فنانين أردنيين وألمان خلال فترة الحجر المنزلي لدعم مشاريع الموسيقيين والمصورين والفنانين وصناع الأفلام. تتفق لاورا من غوته مع جود من دارة الفنون أن الظروف الحالية تحتم على القائمين على المنشآت الثقافية التمتع بقدر عالٍ من المرونة وإعطاء العاملين في المجالات الإبداعية فسحة من الوقت للعمل والإبداع في ظل هذه الظروف.

بالإضافة إلى تحدي الإنتاج المشترك عبر الإنترنت، ينظم المعهد بشكل أسبوعي فعاليات رقمية، تتضمّن عروضًا مسرحية وموسيقية، وعروض أفلام منتقاة من دول ناطقة بالألمانية.

كما استحدثت إدارة المعهد منصة خاصة أطلقت عليها اسم «كولتوراما» تتوافر عليها أنشطة ثقافية وفنية من حول العالم. تقول لاورا إنه تم عمل المنصة في زمن قياسي استجابة لأزمة فيروس كورونا، ورأت أنها فرصة جيدة للاستفادة من الزخم الثقافي والفني على الإنترنت ولتفعيل شبكة واسعة من شركاء معهد غوته حول العالم. لكنها في نفس الوقت ترى تحديًا في ذلك. ففي الوقت الذي أتاحت فيه المتاحف والمؤسسات الثقافية عروض الأفلام والموسيقى والفعاليات المختلفة بسخاء للجمهور وبشكل مجاني، تخشى أن يؤثر ذلك على مردود القطاع على المدى البعيد. ترى لاورا أن الحصول على هذا الكم الهائل من المنتجات الثقافية مجانًا قد يُشعر الناس بأن هذا هو الوضع الطبيعي وتخاف ألا يُبدي الجمهور استعدادًا لدفع تذاكر حضور أو رسوم اشتراك في المستقبل تموّل الفنانين. وتضيف أن هناك تخوّف آخر مرتبطٌ بحقوق النشر والملكية الفكرية للمحتوى الثقافي والفني والذي أصبح واسع الانتشار بشكل قد لا يمكن السيطرة عليه في مرحلة ما. 

آرتميجو 

تبدو المنصات الإلكترونية أقل استرخاء وأكثر نشاطًا هذه الفترة مستفيدة من بنيتها التحتية الرقمية وشبكاتها القائمة. آرتميجو أحد الأمثلة على ذلك. فهي منصة ومجلة إلكترونية تعنى بالمشهد الفني والثقافي في الأردن وتركز على تغطية الفعاليات والأنشطة والمعارض الفنية محليًا وإقليميًا. وبما أنها لا تتواجد في جاليري أو مساحة مغلقة، كان من السهل مواصلة أنشطتها عبر الإنترنت خلال الأزمة. 

تقول هند الجقة، مؤسسة آرتميجو، أنهم أرادوا في بداية الحجر الصحي تقديم أنشطة فنية تحافظ على الصحة النفسية للأفراد وتوفر بديلًا عن متابعة الأخبار طوال الوقت. لكونهم يملكون شبكة من الفنانين والفنانات من مختلف التخصصات، قررت آرتميجو تقديم سلسلة حلقات أطلقت عليها اسم «حجر فني» تشاركها في حساباتها على الإنستجرام وفيسبوك. تقدم حلقات «حجر فني» أفكارًا لعمل أنشطة فنية وإبداعية من المنزل باستخدام مواد تتوفر لدى الجميع، يتعلم الجمهور من خلال حلقات بث مباشر مع فنانين أردنيين في الأردن وخارجه عن بعض الفنون وتاريخها وكيفية استخدام تقنيات بسيطة لعملها في منازلهم. 

ساعدت حلقات البث الحي والتي تبث من مرتين إلى ثلاث مرات في الأسبوع على بناء وتقوية صلات بين الفنانين والجمهور وفتحت باب الحوار بينهم، كما ساعدت في إعادة إنتاج أنماط فنية جديدة يراها القائمون في المنصة من خلال المشاركات التي تصلهم بعد الحلقات. 

سبق وأنتجت المنصة مقاطع فيديو توثق حياة وأعمال فنانين تشكيليين في الأردن والمنطقة، لكن ظروف الأزمة الراهنة شجعتهم على تجربة إنتاج محتوى تعليمي لم يُقدم سابقًا بالشكل الحالي. تقول هند: «البث المباشر في هذا السياق أداة ممتازة، فهو لحظي والتفاعل فيه آني، يتيح للمشاهدين طرح الأسئلة والتفاعل مع مقدم\ة الحلقة. وهذه ميزة خاصة لا تتمتع بها أدوات ووسائط أخرى موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي».

إلا أنها ترى أن إقبال الجمهور على هذا المحتوى محصور في الظروف الراهنة، لأن الجميع في المنزل ولديه الوقت للتفاعل مع حلقات من هذا النوع. تتوقع هند أنه بعد انتهاء الأزمة، سيفضّل الجمهور ارتياد ورشات عمل عوضًا عن مشاهدة نفس المادة عبر الإنترنت. وتقول إن الإنترنت زاخر بالمصادر والمواد التعليمية والدورات المتاحة إلكترونيًا حتى قبل الأزمة، لكن الظروف لم تكن مواتية بالنسبة للكثيرين للاستفادة من تلك المصادر، مع نمط الحياة السريع والمزدحم بالأعمال والمهام لدى معظم الناس. بعد رفع حظر التجول، سيُفضّل كثيرون، بحسب هند، الذهاب لورشة عمل لتعلم نفس المهارة، على الرغم من أنها ستتطلب جهدًا ووقتًا أكبر للتنقل والحضور. فالبعد الاجتماعي في التعلم سيظل قائمًا، وستبقى هناك رغبة مقابلة الفنان\ة أو الميسر\ة والتعرف على أشخاص آخرين لديهم اهتمامات مشتركة. 

مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة

مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة، والتي تعرف بـ«MMAG» مؤسسة محلية أخرى حاولت التأقلم مع الأزمة وأطلقت مجموعة من الأنشطة والفعاليات التي حاولت دعم الفنانين والتركيز عليهم بالدرجة الأولى. ترى آية بسيسو، مديرة التواصل في المؤسسة، أننا نشهد في الوقت الحالي ما أسمته «ضجيجًا» على المنصات المختلفة، حيث تزدحم بالروابط والعروض والجولات في المتاحف والمعارض الفنية. لذلك من غير المفاجئ أن يشعر الجمهور بأنه مثقل ومضغوط أمام كل تلك المنتجات الفنية والثقافية. لذلك حرص فريق العمل على انتقاء البرامج الحالية بعناية بشكل يدعم الفنانين ويصدّرهم، وبدون إضافة المزيد من «الضجيج» للمشهد الثقافي والفني لمجرد التواجد -لأجل التواجد والترويج للمؤسسة واستمرارية العمل- على حساب الفنانين والمساهمين.

المنصات المختلفة تزدحم بالروابط والعروض والجولات في المتاحف والمعارض الفنية، لذلك من غير المفاجئ أن يشعر الجمهور بأنه مثقل ومضغوط أمام كل تلك المنتجات الفنية والثقافية.

رغم وجود معرض فني في مبنى المؤسسة في جبل عمان، لم يكن القائمون مهتمين بعمل جولة افتراضية أو مشاركة صور ونصوص عن المعروضات. تقول آية إن التجربة ستكون ناقصة وستحدّ من تفاعل الجمهور مع المواد المعروضة.

تم التركيز، بدلًا من ذلك، على مشاريع ذات بعد تعاوني وتشاركي، على غرار «راديو مايكرو»، وهو جزء من إقامة فنية بدأت تشرين الثاني الماضي ومن الممكن أن تستمر حتى بعد انتهاء الستة شهور التي كانت مقررة لها. رأت المؤسسة أن البرامج التي تقدمها الإذاعة المجتمعية تتلاءم مع الظروف الحالية، وتوفر مساحة رحبة للتعبير والتشارك بين الفنانين والمصممين والكتاب والباحثين وغيرهم. تتنوع برامج الإذاعة لتشمل بعض الدردشات غير الرسمية بين الأصدقاء، وأخرى مستوحاة مما يدور حاليًا ويتناقله سكان البلد، بينما يشارك آخرون مواد معمّقة عن التاريخ والموسيقى والطرب وغيرها. توضح آية أن المحتوى الذي يقدمه الراديو لا يقتصر على المواد السمعية، فعلى منصات الراديو على إنستجرام وفيسبوك وعلى الموقع الإلكتروني، يتم مشاركة مواد بصرية ناتجة عن تعاونات ومشاريع مشتركة بين المعدّين والمصممين والمصورين. وتضيف أن «البعد المجتمعي تعزز لهذا المشروع بالتزامن مع الظروف المرافقة للأزمة». 

مشروع آخر تشاركه المؤسسة هو «مونة الغزالين»، وهو كما يوحي الاسم «مونة» يحضّرها المساهمون تحتوي على مصادر وروابط لمقاطع موسيقية ونصوص وأفلام وغيرها من المواد الباعثة على التأمل والتفكير. الهدف من هذا المشروع توفير محتوى يدعم الصحة النفسية ويريح الجمهور. تم تصميم موقع إلكتروني خاص لهذا المشروع وشاركت فيه الفنانة سارة رفقي المونة الأولى نهاية شهر آذار الماضي، بينما شارك كريم قطان المونة الثانية في الأسبوع الثاني من نيسان. تقول آية إنه تم التواصل مع حوالي 60 من الفنانين والقيمين والكتاب والباحثين لتقديم مؤن جديدة.

كما تقدم مكتبة عمّان الصُغرى، التابعة للمؤسسة، أربع زمالات كتابية لفنانين ناشئين للكتابة عن بُعد. سيتلقّى الكُتّاب إرشادًا أدبيًا مع الكاتبة والقيّمة الفنيّة سارة رفقي. الهدف من هذه الزمالة تقديم مساحة خلوة وموارد قد يحتاجها الكتّاب ليتمكنوا من مواصلة البحث والإنتاج وتطوير مشاريع كتابة إبداعية جديدة، خلال إقامة منزلية مدتها أربعة أسابيع.

بالإضافة إلى ذلك؛ تم نقل «عيادة» القيّمة والفنانة علا الخالدي من مبنى المؤسسة إلى الفضاء الإلكتروني. والعيادة هي مساحة تعاونيّة مفتوحة أمام الأفراد والمجموعات من عالم الفنون أو مستخدمي الأدوات الفنيّة أو أصحاب المشاريع. تقدم علا النصح والمشورة وتتبادل الأفكار والتجارب مع المراجعين بطرق تتنوع حسب اتفاق الطرفين، سواء باتصالات هاتفية أو اجتماعات عبر تطبيق زووم أو حتى من خلال الحديث والمشي إن كانت أحياء السكن متقاربة.

فعاليات محلية منوعة

في ظل الأزمة الراهنة، تتواصل الجهود الساعية لمواصلة النشاط الثقافي، كما تحاول أوركسترا حجرة الاتحاد تقديمه من خلال عروض حية، تقدّم مواهب موسيقية يتم تشاركها من غرف الجلوس والزوايا الدافئة في منازل الموسيقيين والموسيقيات والتي يمكن الاستماع إليها من أي مكان. 

كما تحاول بعض متاحف في الأردن مواصلة نشاطها والتواصل مع جمهورها عبر الإنترنت مثل متحف الأطفال. منذ بداية الحجر الصحي وإغلاق المبنى في حدائق الحسين، يواصل المتحف تقديم نشاطات للأطفال وأهاليهم عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يشارك المتحف قراءات قصصية يسردها الكتاب والكاتبات، وأنشطة منزلية للأطفال، وتطبيقات ومقترحات لتطبيقات تعليمية.

تتيح مؤسسة عبد الحميد شومان للمشتركين وغير المشتركين استعارة كتب رقمية وصوتية من منصة الكتب الإلكترونية التي أطلقتها حديثًا. كما تواصل تنظيم مسابقات للأطفال واليافعين وحوارات عن مواضيع مختلفة تشاركها على حسابات المؤسسة في مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وانستجرام

كما يبدو أن هناك توجهًا لإطلاق المسابقات في هذه الفترة واستغلال الطاقات والمواهب أثناء فترة الحجر المنزلي. فقد أطلقت وزارة الثقافة الأردنية مسابقة بعنوان «موهبتي من بيتي» التي تستهدف الأطفال والشباب والتي تشمل مجالات فنية وثقافية متنوعة مثل إنتاج النصوص الأدبية، والرسم والتصوير والتصميم، بالإضافة إلى صناعة الأفلام، والموسيقى والغناء.

مسابقة أخرى دعت لها السفارة اليابانية في الأردن هي النسخة الرابعة عشر من مسابقة فن رسم «المانجا» العالمية. يشجع القسم الثقافي في السفارة الفنانين والفنانات المهتمين برسم المانجا على استغلال فترة الحجر والعمل على تقديم مشاركاتهم لنسخ المانجا الخاصة بهم. 

رغم وجود نكهة خاصة للعروض الحية وبُعدًا اجتماعيًا للفعاليات الثقافية والفنية، إلا أن العديد من المؤسسات استطاعت التكيف وإيجاد طرق بديلة لمواصلة نشاطها إلكترونيًا. شجعت الجائحة العديد من المتاحف المعاهد والمؤسسات، محليًا ودوليًا، على استكشاف فضاءات إلكترونية جديدة تسمح لها بالتواصل مع جمهورها. فلم تعد مشاهدة بعض أفلام السينما المستقلة، أو زيارة بعض المتاحف العالمية حكرًا على على من لديهم القدرة المادية والجسدية للذهاب والاطلاع. قد تكون العزلة التي يشعر بها الكثيرون في هذه الأوقات غير مسبوقة، لكن الفرص التي يتيحها الإعلام الرقمي تتزايد باستمرار محاولةً تجسير المسافات بين البشر، وتقديم تشكيلة واسعة من التجارب. قد يكون بعض تلك الخيارات مرهونًا بالأزمة، لكن بعضها الآخر قيد الاختبار ليصبح بديلًا إلكترونيًا دائمًا.