فن «التجهيز»: مقاومة منطق الاقتناء الفردي

الأحد 21 شباط 2021
معرض «التنبؤ بمستقبل المناخ» في صالة عرض «كياسما» في هلسنكي. تصوير بيرجي مايكانين.

يبدو المكان كصالة فنّ عفا عليها الزمن. بدل اللوحات المعلقة على جدران ناصعة، نجد غرفة معتمة تتآكلها مستعمرة نباتات استوائية، بينها عشرات الشاشات التلفزيونية. المكان أشبه ببلاد عجائب سبعيناتيّة تتخاطفنا فيها صور ريتشارد نيكسون وراقصين كوريين وتسجيلات رديئة لموسيقى بيتهوفن، تبثها الشاشات بألوان فاقعة وسط الأدغال.

«حديقة التلفاز» هذه جاءت على يد الفنان الكوري نام جون بيك (1973)، بالتزامن مع ولادة مفهوم العولمة، مثل هلوسةٍ بمستقبل تنصهر فيه الطبيعة بالثقافة والثقافات ببعضها، في قناة تلفزيونية عابرة للمجرات.

هذا العمل ليس رسمًا ولا سينما ولا فنًا حدائقيًا أو معماريًا. ورغم ثلاثية أبعاده وتموضعه في فضاء معماري، يصعب وصفه كمجموعة تماثيل؛ فهو ليس ثابتًا ولا مصنوعًا من مواد كالرخام أو الفخار، بل غير مصنوع أساسًا، كون النباتات والشاشات أشياء يمكن تجميعها من هنا وهناك.

إنّ التوصيف المستخدم لهذا النوع من الأعمال الفنية هو الـ«تجهيز» (Installation)، مع وجود ترجمات أخرى مثل «تنصيبية» أو «عمل تركيبي». لكن الأهم من دقة التصنيف أو التخبطات اللغوية لترجمته، هي الظروف التاريخية التي جعلت من خلق الاسم ضرورة أصلًا.

تبدأ القصة أواخر القرن التاسع عشر، حين سلك الفن المسمى بالحديث دربًا غير مطروق من قبل، أوصل به إلى التجريد، أي الابتعاد الكامل عن تمثيل الواقع وكل ما يتعلق به من قيم اجتماعية أو دينية أو سياسية. لم تعد الألوان والأشكال وسيلة نقل إلى عالم يحاكي عالمنا، بل غاية حسية بحد ذاتها.

الفصل الصارم للفن عن الحياة اليومية ومشاغلها، حركة قد تبدو متعجرفة، يجب فهمها بالعكس تمامًا. فقد دافع مفكرون مثل كليمنت جرينبرج عن الفن التجريدي كجبهة أخيرة في مواجهة فن تتجاذبه عجلة الرأسمالية المتسارعة من جهة، والأنظمة السلطوية الصاعدة من جهة أخرى.

بعزوفه عن ترويج أي صور يمكن أن تُسلّع أو تُستخدم للوعظ الإيديولوجي، يبقي الفنان التجريدي على الفن كما رغب به فلاسفة الأنوار؛ كيانًا نقديًا منزّهًا عن المصالح والغايات، متنفسًا لفكر الإنسان الغارق بين الصور والأغراض المتشابهة وسهلة الاستهلاك.

دافع مفكرون مثل كليمنت جرينبرج عن الفن التجريدي كجبهة أخيرة في مواجهة فن تتجاذبه عجلة الرأسمالية المتسارعة من جهة، والأنظمة السلطوية الصاعدة من جهة أخرى.

ترافقت عزلة الفن عن الواقع بعزلات إضافية، فولدت صالات العرض بداية القرن العشرين، كمؤسسات كل ما فيها مصمم لفصل الأعمال الفنية عن الحياة اليومية والسماح للزائر بتأملها، بمعزل عن تأثيرات الكنيسة أو المتحف الوطني. كما قضى الفن الحديث بعدم جواز مزج الوسائط المختلفة، أي السينما بالرسم أو الموسيقى بالنحت مثلًا؛ فلكل وسيط منطق مستقل يطرح مشاكله الخاصة، وعلى الفنان محاولة التعامل معها وسبر أغوارها، لا الهروب منها وتمويهها بوسائط أخرى.

كان حاصل كل ذلك الصورة النمطية لصالات الفن الحديث، كما يعرفها معظمنا؛ فقاعات معقمة وخرساء تتناثر فيها بضع لوحات متباعدة وتماثيل تجريدية بلون واحد.

لكن مشروع الفن الحديث لم يدم أبعد من الستينيات، حين عصفت الحياة اليومية بصالات العرض بعد عقود من الكبت، وجاءت عودتها متحدية ووقحة، وقاحة علب الشوربة التي رسمها آندي وارهول وعرضها عام 1962.

بقبوله فتح جبهةٍ مع الأغراض والصور اليومية (دون أن يعني ذلك تبنيها مجانًا وبدون نقد)، تجاوز الفن الحديث ذاته إلى «ما بعد الحداثة»، وطبعًا، ما إن تسمح لعلبة شوربة أن تدخل صالة العرض، حتى تأتي الأحذية ذات الكعب العالي لآرمان، أو الملصقات الشوارعية لجاك فيلجيليه، بالتزامن مع تجمعات مثل «فلوكسوس» بأعمالها الهجينة التي استعصت على التصنيف التقليدي، وهدفت إلى خلق أنواع مختلفة من الصدام بين الفن والواقع.

ولدت التجهيزات الأولى من رحم تلك التجارب، واتخذت شكل أعمال مؤقتة مخصصة لمكان وزمان معينين، «محيطات» كما سماها آلان كابرو. في عمله «فناء» (1961)، أغرق الفنان الأميركي الفناء الخلفي لصالة عرض في نيويورك بمئات إطارات العجلات المستعملة، داعيًا الزائر لتجاوز الفناء دون أن يتعثر، وبذلك لاختبار الفضاء الفني بكامل جسده لا بعيونه فقط، كما عوده الفن الحديث.

اقتصر الرعيل الأول من التجهيزات على حركات مشابهة حاولت بشيء من السذاجة المتعمدة ردم الشروخ التي خلقتها الحداثة بين الجد واللعب، بين العمل الفني والمشاهد، وبين العمل الفني ومحيطه، باختصار، بين الفن والواقع. لكن مع مرور القرن العشرين، قطع فن التجهيز شوطًا كبيرًا في التفنن، ونجح عبر عدة استراتيجيات بمصالحة عناصر غربت عن بعضها لوقت طويل.

إحدى تلك الاستراتيجيات هي استخدام المواد والأغراض اليومية، كما في تجهيز «أشخاص» (2010) للفنان الفرنسي كريستيان بولتانسكي، والذي صمم خصيصًا ليعرض في حرم القصر الكبير لباريس عام 2010. يتجول المشاهد بين آلاف الألبسة المجمّعة على الأرض في مربعات منظمة، في الوسط ينزل ونش عملاق من السقف ليسحب عشوائيًا كمشة ملابس من تلّة هائلة ثم يلقي بها مجددًا.

التجربة صاعقة على بساطتها، فالملابس بالعادة هي طريقتنا لشكيل أنفسنا كأفراد، لتجميل أجسادنا وحمايتها. أمّا هنا، تثير أكداس الملابس القشعريرة بألوانها وقياساتها المختلفة، الصيفي والشتوي والجميل والعادي والكنزة الحمراء التي قد تفرح صبيًا ما يوم ميلاده، جميعها تتداخل كالقمامة، حيث لا أفراد ولا شخصيات ولا حميمية، بل معمعة يتساوى فيها كل شيء، كما في قبر جماعي. 

باستخدام مواد أقل من عادية؛ يتيح فن التجهيز لبولتانسكي أن يغير في طريقة تمثيل الموت، فهو لم يرد استحضار الأشخاص المشار إليهم بهوياتهم وأسمائهم، كما فعل الفن من أيام المصريين والآشوريين، بل على العكس، أن يغيّبهم عن المشاهد مستعيضًا عنهم بالقوالب المخصصة لاحتواء أجسادهم، وهو ما يلمح إلى تلك الأجساد دون الكشف عنها أو عن هويتها. أجساد من؟ تتسارع الأجوبة إلى خاطر الزائر على شكل صور قد يكون رآها في وثائقي ما، أو استمدها من تاريخه الشخصي أو تاريخ الفنان التي عاشت عائلته اليهودية رعب المحارق، أجوبة لا تحدد مع ذلك معنى العمل، والذي يبقى مثل باقي أعمال بولتانسكي، تجربة مفتوحة على الغياب والذاكرة.

بابتعاده عن الرسم والنحت؛ يغادر الموت عالم الأفكار والتمثيلات نحو الأرض وأشيائها اليومية، فيبدو على وقع الحركات البليدة للونش مجردًا من أي بعد روحي؛ آلة عمياء مروعة.

تعمد التجهيزات كذلك إلى مزج الوسائط المختلفة، كالرسم والسينما والعمارة، في حركة مضادة لطهرانية الفن الحديث. يجسد فنان مثل إيليا كاباكوف تلك النقلة، فبعد أن اقتصرت ممارسة الفنان السوفييتي على الرسم في الخمسينات والستينات، انشق كاباكوف تدريجيًا عن المشهد الرسمي، ثم هاجر إلى الغرب ليأخذ بإنتاج تجهيزات هجينة، تمزج كل الوسائط الممكنة لاستحضار مساحات يومية من ماضيه الشيوعي، كالشقق الجماعية والمدارس، بمزيج من الحنين والدعابة السوداء.

إضافة إلى تصالحها مع الأغراض اليومية ومزجها للوسائط المختلفة، تميل التجهيزات إلى التفاعل مع بيئة معينة فيزيائيًا ومعنويًا، بعكس اللوحات الحديثة التي تتنقل بسهولة من جدار إلى آخر.

في تجهيزه «الشفاء باللوحات» من عام 1996، يأخذ كاباكوف الزائر إلى رواق بالٍ لمستشفى حكومي سوفييتي، تنساب فيه موسيقى موتسارت وباخ. لا شيء في غرف المرضى الضيقة سوى سرير فارغ ولوحة عملاقة، تمثل مشهدًا طبيعيًا فردوسيًا على طريقة القرن السابع عشر. مثل غالب تجهيزات كاباكوف؛ يعيش المشاهد ازدواجية ما بين شعور هانئ وحميم وآخر خانق بالضيق، متسائلًا إلى أي حد تنجح المشاهد الطبيعية وموسيقى موتسارت (توليفة ساخرة بارتباطها المبتذل بالرخاء وطيب الحال) في التخفيف من قمع مكان لا تدخله الشمس. 

يمكن فهم العمل أيضًا كتعليق على طبيعة فن التجهيز وتعدد وسائطه، فاللوحات والموسيقى لم تعد هنا أصنافًا فنية مستقلة، بل جزءًا من فضاء أقل من عاديّ، يمزج العمارة بالموسيقى وبممارسة اجتماعية يومية.

يتساءل المشاهد إن كان لا يزال بإمكان المريض أن يعيش تلك اللوحات كتجربة روحية سامية كما رغب بها فلاسفة مثل كانت وهيجل، أو إن كانت اليوتوبيا قد غادرتها لتصير محاولة يائسة لرشّ سكر على الموت، تحاول تطمينه أنه حتى لو لن يعرف في عمره عالمًا فردوسيًا كما في اللوحة، فيمكنه على الأقل الفرجة عليه.

إضافة إلى تصالحها مع الأغراض اليومية ومزجها للوسائط المختلفة، تميل التجهيزات إلى التفاعل مع بيئة معينة فيزيائيًا ومعنويًا، بعكس اللوحات الحديثة التي تتنقل بسهولة من جدار إلى آخر. فقوة «الساعة الجليدية» العملاقة للفنان أولافور إيلياسون، جاءت من ذوبانها على مقربة من مؤتمر باريس لتغير المناخ عام 2015، بينما أخذ السياسيون وقتهم للنقاش. أمّا تجهيز الفنان نداء سنقرط «كا (أوسلو)»، وهو ذراعا جرافتين مرفوعتين إلى السماء بحركة تضرعية، فلم يكن ليكتسب معناه لولا وضعه في محيط المتحف الفلسطيني، على أرض يتخاطفها توتر ما بين البناء والاقتلاع.

يقودنا المثال الأخير إلى التفاوت بين القائمة الطويلة للفنانين العرب العاملين بالتجهيز مثل باولا يعقوب وبثينة علي ولورنس أبو حمدان، وبين الحضور الخجول للتجهيز في العالم العربي خارج بؤر محددة، كالمتحف الفلسطيني أو مركز بيروت للفن أو بينالي الشارقة. يمكن تفسير ذلك التفاوت بالنظر إلى كليات الفنون الجميلة لدول كمصر أو سوريا، حيث لا تزال التصنيفات الفنية تتبع التقسيمة الموروثة من الأكاديميات الأوروبية للقرن الـ17، من النحت والتصوير والحفر، تضيف إليها الجامعة الأردنية تخصص «الوسائط المتعددة» الذي تغيب عنه التجهيزات وتتوقف فيه حصص تاريخ الفن عند الستينيات. 

التجهيزات أعمال مكلفة، والأهم جماعية، بتصنيعها وتمويلها واقتنائها. وبعكس اللوحات أو المنحوتات، تقاوم التسليع ومنطق الاقتناء الفردي.

ليس من الشطح إذًا أن نعزو غياب فن التجهيز إلى ثقافات رسمية لم تهضم بعد حداثتها كي تستقبل ما بعدها، ولا تزال تفضل فنًا تقليديًا له هيبته على «التجهيز» وما يتيحه من لعب نقدي وخرق لإتيكيت الفضاء العام. لكن الأسباب قد تكون أكثر براغماتية؛ فالتجهيزات أعمال مكلفة، والأهم جماعية، بتصنيعها وتمويلها واقتنائها. وبعكس اللوحات أو المنحوتات، لا أحد سيشتري تجهيزًا ليضعه في صالون بيته، وفي ذلك ثورية التجهيز وضعفه معًا، في مقاومته للتسليع ولمنطق الاقتناء الفردي، وبالتالي اعتماده شبه الكلي على الدعم المؤسساتي والتسامح -إن لم نقل التشجيع- الحكومي. 

قد تكون ندرة التجهيزات في الوطن العربي إذًا مجرد عرَض إضافي من أعراض انحسار فضاء عام قادر على احتوائها، مما يقودنا إلى السؤال الختامي حول الحدود بين التجهيز والفضاء العام أساسًا؛ فلنتخيل كنيسة من القرن السادس عشر، كنيسة يسوع في روما مثلًا، حيث يتمازج الرسم والنحت مع المؤثرات الضوئية ورائحة البخور، وترنّ الفراغات بأصوات المصلين وموسيقى الأورجن. كذلك الصروح التاريخية والمتاحف والمساجد وغيرها من الفضاءات الحسية، التي يتكامل فيها الفني واليومي، وتتعدد فيها الوسائط والروابط المعنوية.

هل كان من الضروري على الفن إذًا المرور بالحداثة والتجريد للعودة إلى شيء كان لدينا أصلًا؟ السؤال مفخخ طبعًا، فتغريب الفن الحديث عن الواقع اليومي كان مرحلة ضرورية لكي يعود إليها، بعد أن انتزع حقه بالاستقلال، وصارت له شرعية نسج علاقته الخاصة مع الواقع، دون المرور بأجندة دينية أو سياسية رسمية، بعد أن استملك قدرته النقدية لدفعنا إلى التفكير بدل التسليم، وإلى تفضيل العواطف المتناقضة والمتغيرة على تلك السهلة المعلبة.

 لتصلك أبرز المقالات والتقارير اشترك/ي بنشرة حبر البريدية

Our Newsletter القائمة البريدية