«متحضّرات» لرندة الشهّال: في تخريب صورة اللبناني في المرآة

الجمعة 17 تموز 2020
فيلم متحضرات لرندة الشهال الممنوع من العرض
مشهد من فيلم «متحضّرات». المصدر: جريدة الأخبار

بعد تسعة أعوام على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1990، قدّمت المخرجة اللبنانية الراحلة رندة الشهال فيلمها الروائي الثاني «متحضّرات». وفيه تعرض رؤيتها الخاصة للحرب في إطارٍ ساخر وسوداوي. عُرِض الفيلم مرّة واحدة في بيروت ضمن فعاليات مهرجان بيروت السينمائي الدولي في العام 1999، قبل أن يقرّر الأمن العام اللبناني منع عرضه وتوزيعه في الصالات. قدّم الأمن العام وقتها مضبطة اتهام طويلة للعمل، فهذا الفيلم «أظهر اللبناني بلا أخلاق»، وهو فوق ذلك «بذيء ويخرج عمّا يحتمله الذوق العام»،[1] والأسوأ أنّه «يصدّر صورة سيئة عن لبنان إلى الخارج».

إلى حدٍّ كبير يمكن القول إنّ هذه «الاتهامات» بمعظمها صحيحة، وهذا تمامًا ما يمنح «متحضّرات» قيمة مضافة. كان الفيلم سبّاقًا في شدّة معاداته للسردية الرسميّة حول الحرب، «التي لم يكن لنا نحن اللبنانيين فيها ناقة ولا جمل، وكنا فوق ذلك ضحاياها الوحيدين». تقف المخرجة على طرف النقيض من هذه السردية، ومن هنا تأتي صعوبة تقبّل الفيلم. تقول الشهّال في مقابلة صحفية: «جميع اللبنانيون مسؤولون عن الحرب، وعليهم أن يعترفوا بمسؤوليتهم عن كلّ رصاصة أطلقت، وإلّا لن نصير أمّة أبدًا».

فيلم «متحضّرات» ممنوعٌ من العرض

هاجمت معظم الصحف المحلية «متحضّرات» دون مشاهدته، وصدرت تهديدات بالقتل للمخرجة ودعوات لمعاقبتها ومحاكمتها مع فريق عملها. لم يُعرض الفيلم مرّة ثانية في بيروت حتى العام 2018، حين عرض لمرة واحدة ضمن دورة استعادية لأفلام الشهال التي توفيت في العام 2008. مؤخّرًا، وفي إطار موجةٍ واسعةٍ من مشاركة أعمالٍ فنيّة وأفلام مجّانًا مع الجمهور خلال أزمة كورونا، قرّر القيّمون على إرث المخرجة مشاركة الفيلم مع الجمهور على منصة «فيميو».

الآن، وبعد أكثر من 20 عامًا على عرض «متحضّرات» لأوّل مرّة، وبينما ينهار البلد على رؤوس من فيه، يبدو الفيلم كما لو أنّه صدر البارحة، جديدًا كلّ الجدة، وعلى ارتباطٍ مباشر مع اللحظة الراهنة في لبنان.

الآن، وبعد أكثر من 20 عامًا على عرض «متحضّرات» لأوّل مرّة، وبينما ينهار البلد على رؤوس من فيه، يبدو الفيلم كما لو أنّه صدر البارحة، جديدًا كلّ الجدة، وعلى ارتباطٍ مباشر مع اللحظة الراهنة في لبنان. إنّه فيلمٌ تقدّمي في خطابه كما في اختياره لشخصياته وصورتها، وعابرٌ للزمن دون أن يدّعي أو يقصد ذلك بالضرورة. والأهم أنّه يسعى للإجابة على سؤالٍ حاضرٍ دومًا: ما معنى أن تكون لبنانيًا؟

تحمل رندة الشهّال الجواب منذ البداية، مع المشهد الافتتاحي الصادم: يحاول ولدان مسلّحان تفخيخ قطّة بأصابع الديناميت على سبيل التسلية، لكن تقع قنبلة يدوية من جيب أحدهما وتنفجر موديةً بالثلاثة معًا.

أهلاً بكم في لبنان الحرب الأهلية (وما بعدها؟) حيث يسيطر العبث وتضمحلّ القيم ويخسر حتّى الأطفال براءتهم المفترضة. لا تسعى الشهال إلى توثيق حادثة أو مرحلة معيّنة من مراحل الحرب الأهلية، ولا إلى تصوير حالة الرعب والأهوال المرافقة لها بغية استعطاف المشاهدين واستدرار دموعهم. ما يهمّها هو التقاط الحالة الذهنية والنفسية لمجتمعٍ منهارٍ وفاسد، لكن أفراده ما زالوا يكابرون.

هذا هو الجوهر الذي يقوم عليه الفيلم من دون مواربة أو سعي لتجميل الحقيقة أو تخفيفها، «قتل 270 ألف شخصٍ في الحرب اللبنانية»، تقول الجملة التي تلي المشهد الافتتاحي. رقمٌ كبير من الصعب إخفاؤه وتجاهله، أو كنسه تحت السجاد. بالتالي، يصير من الحمق أو التواطئ قبول رأي أقطاب السلطة القائل بأن عفا الله عمّا مضى، وأنّها كانت حرب الآخرين على أرضنا وأنّ المسامح كريم.

«متحضّرات» يدخل أبطالًا جددًا إلى القصة

تتنقّل الشهال على خطّ تماس بين شطريّ المدينة على وقع علاقة حبّ تجمع مقاتلًا مسلمًا من بيروت الغربية بخادمة مسيحيةٍ من الشرقية. لكنّ الفيلم ليس عن الحب ولا عن مأساة الحب المختلط دينيًا. ليس ذلك سوى ذريعة، خط سردي يجمع أطراف الحكاية. أبطال الفيلم الحقيقيون همّ المحيطون بالعاشقين. أربع خادمات من الفلبين وسريلانكا نسيهم أرباب عملهم الأثرياء عند هربهم من الحرب، وخيّاطتان مثليّتان مصريتان علقتا في المدينة، تسكنان البناء الذي سكنته عائلة مصطفى بعد تهجيرها من الجنوب. سائق مسيحي ومدبّرتا منزل لبنانية وفرنسية وعاملٌ إفريقي يسكنون مع برناديت التي جاءت للعمل معهم في قصرٍ هجره أصحابه إلى فرنسا.

ليس اللبنانيون أبطال القصّة وحدهم، فهناك آخرون ننسى عادةً وجودهم بيننا؛ العمّال الأجانب ممّن بقوا في لبنان رغم الحرب. لا تكتفي الشهال بإظهارهم في الفيلم، بل تمنحهم صوتًا وتؤنسن حضورهم. تبتعد عن التنميط السلبي والإيجابي للشخصيات، وتجعلها شخصيات من لحمٍ ودم، لا ملائكة ولا شياطين. تستحق مقارنةٌ بين صورة العاملة الأجنبية في «متحضّرات» مع صورتها في فيلم «كفرناحوم» لنادين لبكي مقالًا منفصلًا، لكن يمكن بالقول باختصار إنّ الأثيوبية راحيل في فيلم لبكي، لا تظهر إلّا كشخصية منكسرة، ضعيفة، معدومة القدرة، لا حياة لها خارج كونها ضحيّة، ولا تعاطف معها إلّا على أساس صورتها كضحيّة. على العكس من ذلك تعيش راسيكا ورفيقاتها في فيلم الشهال خارج صورتهن المفترضة هذه. بالتالي لا تتورّع هذه الشخصيات المحصورة عادةً في دور ضحيّة العنصرية، عن الكلام صراحةً في الجنس وإلقاء النكات البذيئة وحتى شتم بعضهن البعض بأوصاف وشتائم عنصريّة. وهنّ على الرغم من ذلك لا يلجأن سوى لبعضهنّ في أوقات الشدّة، لأنّ ما يجمعهنّ هو رابط إنساني أكثر عمقًا. وهو ما سيظهر كنقيضٍ لعلاقات اللبنانيين ببعضهم البعض.

في ذهابٍ وإياب ترينا الشهّال نماذج مختلفة من اللبنانيين على عداءٍ مع بعضهم البعض لكنّهم متشابهون في الجوهر، حيث يبدون في الفيلم: ضحايا فقراء خسروا أحباء وعائلات واحتمالات، لكنّهم جميعًا ممتلئون بالعنصرية والحقد والرغبة بالانتقام ورفض الآخر، وفوق ذلك مجانين منفصلون عن الواقع؛ يشغلون أنفسهم عمّا هم فيه من حرب، بمشاهدة مباريات كأس العالم والشجار على لا شيء في الشوارع وتفجير القطط. يحكي الواحد منهم بمزيج من الاشمئزاز والمتعة عن الرصاصة التي فجرت دماغ صديقه ورائحة دمه التي ما زالت مرافقة له، فيما القنّاص يزجي الوقت بلعب الورق مع جثّة متفسّخة، وتقليع أسنانها المسوّسة كأنّه طبيب. سائقٌ أكله الحقد بسبب خطف ابنه فصار لا يتورّع عن القتل. والباقون اعتادوا أصوات الاشتباكات العشوائية والقصف، كما اعتادوا الحواجز والقتل والخطف. يفزعون للحظةٍ قبل أن يكملوا يومهم كما لو أنّ شيئًا لم يحدث، إذ إنّها «مجرد حربٍ صغيرةٍ بيننا»، كما تقول إحدى الشخصيات.

لا تكتفي المخرجة بأن تقول للبنانيين انظروا إلى أنفسكم في المرآة لتروا بأنّكم معتدون بقدر ما أنتم معتدى عليكم، وظالمون بقدر ما أنتم مظلومون، بل تأتي فوق ذلك بشهودٍ عليهم، أشخاص على الهامش، ينظر إليهم عادةً بدونية واحتقار، هم المستخدمون الأجانب. هؤلاء وحدهم قادرون على فهم أن ما يجري في هذا البلد غير منطقي وغير طبيعي، وأنّ اللبنانيين المحيطين بهم «همجيون، بعيدون عن التحضّر، ولا يحترمون شيئًا»، كما يقول عاملٌ سيريلانكي بعد أن يطلق مسلّحون لبنانيون النار باتجاهه ورفاقه لأنّهم يحتفلون بفوز فريقهم في مباراة لكرة القدم.

«قِلّن إنّك لبناني»

يدمّر الفيلم صورة اللبنانيين عن أنفسهم، لذا كان من غير المتوقّع أن يحظى بقبولٍ كبير لو سمح بعرضه. يرفع الفيلم خطابًا لم يكن يود كثيرون سماعه في ذروة نشوتهم بمشروع إعادة الإعمار و«إحياء دور لبنان الحيوي»، خطاب يقول إنّ المشكلة ما زالت قائمة ويؤكد أنّ شيئًا لم يتغير، وأنّ «من جرب المجرّب كان عقله مخرب».

كان من غير المنطقي أن تقبل الرقابة بعرض الفيلم، وهي الحريصة على صورة لبناننا حيث نعيش نحن المواطنون اللبنانيون المتحضّرون والمتعلّمون والمثقفون، ونتعايش بحب وشغفٍ مع «إخوتنا» من أبناء الطوائف الأخرى.

بطبيعة الحال، ما زال هذا الحرص على الصورة قائمًا إلى اليوم، بل يمكن القول إنّه ازداد وتمدّد بمرور الوقت بين الطبقات المختلفة. هذا الهوس بصورتنا أمام أنفسنا وأمام الأخرين، بأنّنا نحن اللبنانيون مميّزون و«غير شكل». حتّى الآن في لحظة تداعٍ متسارعٍ لكلّ شيءٍ في لبنان ستجد معلّقًا تلفزيونيًا مثل جمال فياض يقول لك إنّ الأمور لا بد أن تنصلح «فاللبناني كلّ عمره بيوقع بمليون مشكلة ومليون أزمة وبيغرق بمليون جورة وبيرجع بقوم». جاء ذلك في إطار الرد على فيديو بعنوان «لبنان وطن يموت وحياة تهاجر» يتحدّث فيه عدّة أشخاص عن قرارهم ترك البلاد ويبكي بعضهم أمام الكاميرا. يهدّد هذا البكاء (بغض النظر عن لزومه أمام الكاميرا)، بالنسبة للمعلّق التلفزيوني وآخرين كثر، صورة اللبنانيين عن وطنهم ويبثّ اليأس في نفوسهم لإضعاف عزيمتهم وأملهم بإيجاد حلّ سحريّ لأزمتهم. هذا فيما تحتجز المصارف أموال الناس، وتقترب قيمة الدولار الواحد من 10 آلاف ليرة لبنانية، ويخسر عشرات الآلاف من الناس وظائفهم في غضون أشهر.

لا تكتفي المخرجة بأن تقول للبنانيين انظروا إلى أنفسكم في المرآة لتروا بأنّكم معتدون بقدر ما أنتم معتدى عليكم، وظالمون بقدر ما أنتم مظلومون، بل تأتي فوق ذلك بشهودٍ عليهم، أشخاص على الهامش، ينظر إليهم عادةً بدونية واحتقار، هم المستخدمون الأجانب.

في «متحضّرات» تغضب الست فيفيان الثرية من اندلاق فنجان القهوة على ثوب ديور الذي ترتديه دون أن تخاف أو تغضب من القصف والاشتباكات. وتتزيّن الخادمة تريز وتتعطر لأنّها على موعدٍ مع عثمان -الذي كانت ستحبه حتّى الموت لو لم يكن أسود- لتتخلّص معه من جنديين سوريين خطفهما السائق ميشيل. تتشابه المرأتان رغم اختلاف مواقعهما ظاهريًا في هذا الهوس بالصورة.

اليوم أيضًا، يسود هذا الاستلاب لصورتنا كلبنانيين فيما يفترض أنّهما جهتان متضادتان؛ الأحزاب التقليدية والطبقة السياسية الحاكمة قبالة المنتفضين عليهما. على امتداد الأشهر التي تلت مظاهرات 17 تشرين الأوّل 2019 احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية،  كانت أغنية عاصي الحلاني «قلّن إنّك لبناني» الأكثر تردادًا في ساحة الشهداء، وهي أغنية تختزل كلّ الأفكار اللبنانية عن اللبناني، بدءًا من الجبين الذي «يغطي فيئه الشمس» من شدّة علوّه وفخاره، فهو بطل السلم والحرب (أيّ حرب؟) وهمزة الوصل بين الشرق والغرب، مع التأكيد في الختام على قدرة اللبناني الدائمة على التجدّد، فهو القادر أن «يخلق بعد الأزمة عيدًا»، يسمّيه الحلاني «عيد المجد اللبناني».

هذه الحماسة اللبنانية هي نفسها التي تحرّك فئات من المتظاهرين للتصريح بكلامٍ عنصري ضدّ اللاجئين تارة وضدّ العمّال الأجانب تارةً أخرى، وهي التي تدفع العديد منهم لرفض أيّ ربطٍ بينهم وبين أعمال العنف التي تحصل من وقتٍ لآخر، فتكسير زجاج مصرف «فعلٌ غير حضاري» و«ما بيشبه ثورتنا الحضارية». فيما يصرخ آخرون على الميكروفونات بعد كل هجومٍ من قوى الأمن عليهم بأنّه من المعيب معاملة «الثوار» بهذه الطريقة فـ«نحن متعلمون وخريجو جامعات». كأنّ الشهادة الجامعية تمنح صاحبها إعفاءً من التعرض للعنف الذي لا يستحقه سوى «أولئك الفشلة ممّن تخلفوا عن قطار العلم والمعرفة».

منذ سنوات الحرب، يرافقنا هذا الاحتفاء المتواصل بلبنانيتنا التي تسمو بنا، والترديد المتواصل للسردية الوطنيّة عن عبقريتنا واستثنائيتنا، مع الكيتش المعاد عن طائر الفينيق الذي ينبعث من الرماد كلّما احترق.

اليوم، وقد تجيّف طائر الفينيق وتفسّخت جثته وتعفّنت وفاحت الرائحة في كلّ مكان، تبدو مشاهدة فيلم «متحضّرات» ضرورة. إنّه فيلم يهدم باستهزاء ودون هوادة معنى أن تكون لبنانيًا، فهو معنى لا ينتج سوى حلقات متكرّرة من العنف والذكورية والجنون. تصير المشاهدة أشبه بطقسٍ تطهيري من قبح الفكرة اللبنانية وزيفها، طقسٌ يختتم بإشعال النار في الجثّة المتفسخة التي تنتظر منذ وقتٍ طويل من يخلّصها منّا.

  • الهوامش
    [1] أعمال الرقابة، ص 111، كتابة مشتركة: نزار صاغية، نائلة جعجع، رنى صاغية، كانون الأوّل 2010.