في مواجهة اللغة العادية: لغة الجسد

تصميم ندى جفال.

في مواجهة اللغة العادية: لغة الجسد

الجمعة 11 أيلول 2020

نشر هذا المقال بالإنجليزية عام 1993، بعنوان «Against ordinary language: The language of the body».

مذكرات تمهيدية

أمارس رياضة كمال الأجسام منذ 10 سنوات، وبشكل جديّ، منذ خمس سنوات.

خلال السنوات القليلة الماضية، حاولت الكتابة عن رياضة كمال الأجسام. عندما عُرِضت عليّ فرصة كتابة هذا المقال، وبعد أن فشلت مرارًا وتكرارًا في كتابته، وضعت هذه الخطة: سأذهب إلى صالة الألعاب الرياضية كعادتي. وبعد كل تمرين مباشرةً، سأصف كل ما عايشته في لحظتها، كل ما فكرت فيه، كل ما فعلته. ستوفر مثل هذه التدوينات مادةً خام للكاتبة.

بعد كل تمرين، كنت أنسى أن أكتب. كنت، أو كان جزء مني، الجزء الذي يمارس كمال الأجسام، يرفض اللغة، وأي وصف لفظيّ لرياضة كمال الأجسام. 

سأبدأ بوصف كمال الأجسام والكتابة عنه بالطريقة الوحيدة الممكنة: سأبدأ من تحليل هذا الرفض لللغة العادية أو المنطوقة. ما هي صورة هذا العداء بين كمال الأجسام واللغات المنطوقة؟

لغةٌ لا نطق فيها

تخيّل أنك في بلد أجنبي. وبما أنك ستقضي بعض الوقت في هذا المكان، ستحاول تعلم اللغة. وفي اللحظة التي تشرع فيها في تعلم اللغة الجديدة، وقبل بدء فهم أي شيء، تنسى لغتك الأصلية. وسط هذه الحالة الغريبة، تجد نفسك دون لغة.

هنا، في هذه الجغرافيا منزوعة اللغة، في هذه المساحة السلبية، يمكن أن أبدأ في وصف كمال الأجسام، فأنا أصف الشيء الذي يرفض اللغة.

بدأ الروائي إلياس كانيتي، الذي نشأ بين عدد كبير من اللغات المنطوقة، سيرته الذاتية بسرد ذكرى. في هذه الذكرى المبكرة، تعرض كانيتي لتهديد فقدان اللغة: «إن ذكرياتي الأولى منغمسة باللون الأحمر. أخرج من باب بصحبة خادمة، الباب الذي أمامي أحمر اللون، وعلى اليسار سلالم لونها أحمر أيضًا ..». يسير رجلٌ مبتسم صوب الطفل. يُخرِج الطفل لسانه، فيفتح الرجل سِّكِينًا ويوجه النصل الحاد نحو اللسان الأحمر.

«.. يقول الرجل: الآن، سنقطع لسانه». وفي اللحظة الأخيرة، يسحب الرجل السِّكِين ويبعدها.

وفقاً لما يتذكره، كان هذا الموقف يتكرر كل يوم. يضيف كانيتي: «هكذا كان يبدأ اليوم، وكان هذا يحدث كثيرًا».[1]

أكون في صالة الألعاب الرياضية ثلاثة أيام من أصل كل أربعة. ماذا يحدث هناك؟ كيف تبدو اللغة في هذا المكان؟

وفقاً للصورة النمطية، فإن اللاعبين الرياضيين أغبياء، بمعنى أنهم غير قادرين على التعبير عن أنفسهم بشكلٍ فصيح. وتجعل اللغة المنطوقة للاعبي كمال الأجسام من هذه الصورة النمطية حقيقةً. تصبح اللغة اللفظية في صالة الألعاب الرياضية في حدها الأدنى، وغالبًا، بلا معنى، إذ تُختزل إلى أعداد وقليلٍ من الأسماء، مثل «مجموعات [التمارين]»، «تمارين القرفصاء»، «التكرارات»، الأفعال الوحيدة المستخدمة هي «فعلَ» أو «فشلَ»، الصفات والظروف لم تعد موجودة، والجُمل، إن وُجدت، تكون بسيطة.

تشبه هذه اللغة المنطوقة «لغة الألعاب» التي اقترحها الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين في كتابه[2] الذي يحمل اسم «الكتاب البنّي» (The Brown Book). 

 في صالة الألعاب الرياضية، تتحقق اللغة اللفظية أو اللغة التي تهدف إلى توليد المعنى، هذا إن تحققت على الإطلاق، فقط عندما تكون على وشك فقدانها. لكن عندما أكون في صالة الألعاب الرياضية، فإنني أنغمس في عالمٍ غني ومركب. 

ما الذي يحدث فعلًا عندما أُمارس رياضة كمال الأجسام؟

يستغرق الأمر بضع دقائق فقط للانتقال من عالمٍ تُعرّفه اللغة اللفظية إلى صالة الألعاب الرياضية، التي لا يُسمَح للعالم الخارجي (بكل لغاته) بدخولها (بمعنى أن صالة الألعاب الرياضية مكانٌ مقدسٌ). ما يحدث خلال هذه الدقائق هو أنني أنسى. تختفي أكوام الأفكار التي كانت تحوم في عقلي، أفكارٌ مصاغة لدرجة تجعلها تدخل حيز إدراكي، عندما يشرع العقل في تركيز انتباهه. ولكي أحلل هذا التركيز، يجب أولاً أن أصف كمال الأجسام من حيث الغرض من ممارسته. 

كمال الأجسام هو عملية، وربما رياضة، يمارسها أي شخص لإعادة تشكيل جسمه أو جسمها. ويرتبط تشكيل بنية الجسم دائمًا بنمو كتلته العضلية.

أثناء دورة التمارين الكاملة وتمارين اللياقة البدنية، نُمرّن الرئة والقلب. لكن العضلات لن تنمو بتمرينها وتحريكها فقط بل يجب أن تصل إلى مرحلة الهدم. يفيد القانون العام في رياضة كمال الأجسام بأنك إذا هدمت العضلة بطريقةٍ مُحْكَمَة، ثم زودتها بعوامل النمو الملائمة مثل العناصر الغذائية والراحة، ستنمو بدرجة أكبر من حجمها السابق.

يفيد القانون العام في رياضة كمال الأجسام بأنك إذا هدمت العضلة بطريقةٍ مُحْكَمَة، ثم زودتها بعوامل النمو الملائمة مثل العناصر الغذائية والراحة، ستنمو بدرجة أكبر من حجمها السابق.

ولكي أهدم مناطق عضلية محددة، أيما كانت المناطق التي أريد تكبير حجمها، يجب أن أُمرّن هذه المناطق، على نحوٍ منفصل، حتى تصل إلى مرحلة الفشل. ويمكن رؤية رياضة كمال الأجسام باعتبارها متمحورة حول فكرة الفشل. يتمرن لاعب كمال الأجسام دومًا حول مفهوم الفشل. إما أُمرّن كتلةً عضلية منفصلة، إحدى العضلات ثلاثية الرؤوس على سبيل المثال، حتى تكاد تصل إلى حد الفشل. لكي أفعل هذا، أُجهِد المجموعة العضلية إلى الحد، الذي تصبح فيه على وشك عدم القدرة على الحركة. 

لكن إذا مرنت نفس المجموعة العضلية حتى تصبح عاجزة فعلًا عن الحركة، يجب أن أجعلها تمر عبر مرحلة الفشل. حينها، أكون مارست ما يسمى بالـ«التكرار السلبي»، وهو أن أمرّن المجموعة العضلية متجاوزةً قدرتها على الحركة. وهذه هي الطريقة الثانية للعمل مع الفشل. 

أيما كانت الطريقة التي سأتبعها، فأنا أريد دائمًا أن أُمرّن عَضَلتي، أو المجموعة العضلية، حتى  تصبح عاجزة عن الحركة: أريد أن أفشل. وبمجرد أن أنتهي من إنجاز مهمةٍ محددة كرفع وزنٍ ثقيل لمرات عديدة خلال مدى زمنيّ معيّن، يجب دائمًا أن أزيد إحدى جوانب هذه المعادلة، سواء كان الوزن، أو عدد المرات التي أرفع فيها الوزن، أو حدّة التمرين، حتى أصل مجددًا إلى مرحلة الفشل.

أريد هدم العضلة حتى تنمو مجددًا ويصبح حجمها أكبر. لكنني لا أريد تدميرها لدرجةٍ تُعيق نموها. وكي أتجنب التعرض لإصابة، يجب أولًا أن أمارس تمارين الإحماء العضلي، ثم أدفع العضلات تدريجيًا إلى حدّ الفشل. أفعل هذا عن طريق تمرين المجموعة العضلية، بتكرار مجموعةٍ محددة من التمرينات خلال مدى زمني معين. إذا حاولت دفع المجموعة العضلية مباشرةً إلى حد الفشل عبر رفع أثقل الأوزان التي يمكن رفعها، قد أسبب الأذى لنفسي. أريد أن أصدم جسمي لتحفيز نموه، لا أن أؤذيه. 

لذا، في رياضة كمال الأجسام، يرتبط الفشل دائمًا بالعدّ. أقدّر أي الأوزان سأستخدمها، ثم أحسب عدد المرات التي أرفع فيها هذا الوزن، وعدد الثواني التي تفصل بين كل مرة وأخرى. هكذا أتحَكَّم في حدّة تمريني. 

يؤدي تحريك أثقل الأوزان التي يمكن تحملها خلال مدى زمني معيّن إلى هدم العضلات (أي نمو العضلات).

هل المعادلة بين الهدم والبناء هي أيضًا معادلة فنية؟ تتعلق رياضة كمال الأجسام بالفشل لأن كمال الأجسام، ونموها، ونحت شكلها يحدث في مواجهة الحركة المادية التي لا يمكن ردعها للجسم في اتجاه فشله النهائي، في اتجاه الموت. 

كي أهدم مجموعةً عضلية، أريد أن أُمرّن هذه المجموعة لدرجة تصل إلى حدود قدرتها على التحمل أو حتى تتجاوزها. ولكي أفعل هذا، فإن تخيّل الجزء الذي أريد تمرينه في جسمي مفيدٌ وضروري. يركز العقل أو الأفكار دائمًا أثناء ممارسة تمارين كمال الأجسام على العدّ، وغالبًا على تصورات ذهنية محددة. 

يقول بعض لاعبو كمال الأجسام إن هذه الرياضة هي نوعٌ من التأمل. 

ماذا أفعل عندما أمارس تمارين كمال الأجسام؟ أتخيل، أحصي، أقدر الوزن، أعدّ مجموعات التمارين، أعدّ المرات التي أُكرر فيها كل مجموعة، أعدّ الثواني التي تفصل بين كل مرة، أحصي الوقت، الثواني، أو الدقائق بين المجموعات: من بداية التمرين وحتى نهايته، يجب أن أواصل العدّ حتى أحافظ على حدّة التمرين.

لهذا السبب، تُختزل لغة لاعبي كمال الأجسام إلى حدها الأدنى، إلى مجموعةٍ محددة من الأسماء، إلى التكرار العددي، وإلى واحدة من أبسط لغات الألعاب. دعونا نسمي لغة الألعاب هذه لغة الجسد. 

ثراء لغة الجسد 

ولكي أفحص مثل هذه اللغة، لغة ألعاب تقاوم اللغة العادية، من منظور اللغة العادية التي تميل إلى تركيب الجمل وتوليد المعاني، يجب أن استخدم طريقًا غير مباشر.

في كتاب آخر له، يبدأ إلياس كانيتي الحديث مِن وعَن هذه المنطقة الخالية من اللغة اللفظية:

مادة لزجة، تشع بالضوء الخلاب، بقيت داخلي تقاوم الكلمات (..)
حلم: رجل يفكك لغات العالم ويتخلص منها حتى يصبح عاجزًا عن فهم ما يقوله الناس في كل مكان على الأرض.[3]

يتحقق حلم كانتي عندما كان في مراكش. يقول إنه يوجد لغات هنا لكنني لا أفهم أي منها. كلما دنوت من كل ما هو أجنبي وغريب، وكلما اقتربت من فهمه، فقدت لغتي أكثر. يحدث فقدان اللغة عندما أزور جسدي. هل جسدي أرضٌ أجنبيةٌ بالنسبة لي؟ ما هي صورة «جسدي» وصورة «الأنا»؟  قلت في بداية هذا المقال، إنني أردت وصف كمال الأجسام لسنوات، لكننى كلما حاولت فعل هذا، تهرب اللغة العادية مني. 

يقول هايدجر إن «الإنسان هو الأغرب».[4] لماذا؟ لأنه/ـا تنتمي للوجود، أو الفوضى، أو الغرابة في كل مكان، لكنه/ـا يـ/تحاول دائمًا شقّ طريقٍ عبر الفوضى: 

يصنع الإنسان لنفسه طريقًا في كل مكان، يغامر بالدخول إلى شتى مناحي الوجود، ومجابهة القوى الساحقة، وبفعله هذا، يجد نفسه ملقى خارج كل الدروب.[5]

إن كل ما هو جسديّ أو ماديّ دائم التغير على نحو غير متوقع: إنه فوضوي. تتمحور الفوضى حول الموت. فالموت يرفض كل دروبنا، وكل معانينا. 

عندما يمارس أي شخص تمارين كمال الأجسام، فإنه يحاول أو تحاول فهم ما هو مادي والتحكم فيه في مواجهة الموت. لا عجب أن كمال الأجسام يتمحور حول الفشل. 

أشار كثيرون إلى التناقض بين المعنى والجوهر. كتب فتغنشتاين في نهاية كتابه الذي يحمل اسم «الأطروحة» (The Tractatus):

 لابد أن معنى العالم موجود خارج العالم نفسه. في العالم، كل شيء كما هو، والأشياء تحدث مثلما تحدث، فلا يوجد قيمة فيها، وإذا وجد بها قيمة، فلن تكون ذات قيمة.
فكل ما يحدث هو مصادفة.[6]

إذا كانت اللغة العادية أو المعنى موجودًا خارج جوهر الأشياء، فما هو موقع لغة الألعاب التي أسميتها لغة الجسد؟ فرياضة كمال الأجسام (لغة الجسد) ترفض اللغة العادية وتُأسس بنفسها لغةً أو منهجًا لفهم ما هو مادي، الذي هو الذات أيضًا، والتحكم فيه.

يمكنني الآن أن أتحدث عن كمال الأجسام بشكلٍ مباشر (وكأن أي حديث يمكن أن يكون مباشرًا أبدًا). إن لغة الألعاب المسماة لغة الجسد ليست اعتباطية. عندما يعدّ لاعب كمال الأجسام أثناء التمرين، فهو يَعدُّ أو تَعدُّ أنفاسه أو أنفاسها.

يتحدث كانتي عن الشحاذين في مراكش، الذين يمتلكون لغةً مشابهة أو حتى لغة ألعاب أبسط: إنهم يرددون اسم الله.

في اللغة العادية، يرتبط المعنى بالسياق. في حين أن نداء الشحاذين لا يعني شيئًا سوى النداء نفسه. في نداء الشحاذ، يحدث المستحيل (الذي يتحدث عنه هايدجر وفتغنشتاين)، إذ إنّ المعنى والذات يصبحان كيانًا واحدًا. هذه هي لغة الجسد، وربما لهذا السبب يمارس لاعبو كمال الأجسام هذه الرياضة كنوعٍ من التأمل. 

يقول كانتي: «فهمت الإغراء الكامن في حياةٍ تختزل كل شيء إلى أبسط صور التكرار».[7] حياةٌ لم يعد فيها المعنى والجوهر مناقضان لبعضهما البعض. حياة التأمل.
«لقد فهمت من هم هؤلاء الشحاذون الكفيفون فعلًا: إنهم قدّيسو التكرار..»[8]

تكرار الواحد: لمحةٌ عن الفوضى أو الجوهر 

أنا في صالة الألعاب الرياضية. أبدأ في التَمرّن. إما أن أقول اسم التمرين «تمرين الضغط بالبار» ثم أسير نحو البار، أو أسير نحوه ببساطة. ربما بعدها أفكر في الوزن الذي سأبدأ في رفعه. وبما أنني أبدأ عادة بنفس الوزن للإحماء، أضع مباشرة الوزن المناسب على البار. أرفع البار عن المسند ثم أنزله إلى أسفل صدري بينما أعد «1».

أتخيل هذا البار، وأحرص على أن يلامس صدري عند المنطقة الصحيحة، ثم أُعيد وضعه على مسنده. «2». أكرر نفس الحركة. «3».. بعد تكرار الحركة 12 مرة، أَعدُّ 30 ثانية بينما أزيد الوزن على البار. «1»، تبدأ مجددًا نفس العملية، لكنني أنهي التمرين هذه المرة بعد المرة الـ«10»، تنتهي كل هذه التكرارات فقط عندما أفرغ من التمرين.

في هذا العالم المكون من التكرار المستمر للعناصر في حدها الأدنى، في هذه المتاهة الشفهية، من السهل أن يفقد المرء طريقه. عندما يتوقف الأمر كله على التكرار بدلًا من إنتاج المعنى، تصبح كل الطرق متشابهة.

عن العدّ: كل رقم يعادل شهيقًا وزفيرًا. إذا توقفت عن العدّ أو فقدت تركيزي بأي طريقة، أخاطر بإسقاط الوزن أو رفعه بطريقة خاطئة وإلحاق ضررٍ بجسدي. في هذا العالم المكون من التكرار المستمر للعناصر في حدها الأدنى، في هذه المتاهة الشفهية، من السهل أن يفقد المرء طريقه. عندما يتوقف الأمر كله على التكرار بدلًا من إنتاج المعنى، تصبح كل الطرق متشابهة.

كل يوم في صالة الألعاب الرياضية، أكرر نفس الحركات بنفس الأوزان، ونفس عدد المرات، ونفس نمط التنفس. لكن من حين لآخر، بينما أهيم في متاهات جسدي، أواجه شيئًا ما، شيئًا أستطيع معرفته لأن المعرفة تبنى على أساس الاختلاف. حدثٌ غير متوقع. رغم أنني أكرر نفس الحركات خلال مدى زمنيًا معينًا، لا يبقى جسدي، كونه ماديّ، على حالةٍ واحدة. إن جسدي محكومٌ بالتغيير والصدفة.

على سبيل المثال، بالأمس، كنت أُمرّن عضلات الصدر. عادةً أؤدي تمرين الضغط بالبار بسهولة، أرفع 60 رطلًا ستّ مرات. بالأمس، وعلى غير المتوقع، تمكنت بالكاد من رفع الوزن عند المرة السادسة. بحثت عن سببٍ. هل هو النوم؟ هل هو نظامي الغذائي؟ كان كلاهما كالمعتاد. هل هو الطقس؟ لم يكن جيدًا بما يكفي. سمح لي فشلي غير المتوقع في رفع الوزن عند المرة السادسة أن أرى، كأنني أنظر عبر نافذة لا إلى أي شيء خارجي، بل إلى داخل جسدي والطريقة التي يعمل بها. سمح لي أن ألقي نظرةً على القوانين التي تحكم جسدي، قوانين التغيير والصدفة، القوانين التي نعرفها بالكاد، هذا إن كنّا نعرفها أصلًا

عندما حاولت التحكم في جسدي وتشكيل بنيته العضلية عبر الأدوات والمناهج المحسوبة بدقة في رياضة كمال الأجسام خلال مدى زمني معين، وفشلي في تحقيق هذا، تمكنت من ملاقاة ما لا يمكن التحكم فيه ومعرفته في النهاية: الجسد. وفي هذا اللقاء يكمن سحر كمال الأجسام، إن لم يكن الغرض منه، وهو مواجهة الفوضى وجهًا لوجه، مواجهة فشلي، أو مواجهة شكلٍ من أشكال الموت. 

يصف كانتي التصميم المعماري لإحدى البيوت التقليدية الموجودة في المتاهة الجغرافية لمدينة مراكش. إن داخل المنزل مظلم، وجوّه معتدل. ويطلّ عدد قليل من الشبابيك على الخارج صوب الشارع، لأن بنية المنزل كلها، مثل الشبابيك وغيرها، موجهة للداخل، إلى الساحة الرئيسية، حيث ينفتح قلب البيت في مواجهة الشمس. 

تماثل هذه العمارة الجسم. عندما أختزل اللغة اللفظية إلى الحد الأدنى الذي يحقق المعنى المقصود، عندما أختزلها إلى التكرار، أكون بهذا قد أغلقت النوافذ الخارجية للجسد. يقترب المعنى من الذات وتتقلص الفجوة بينهما، بينما أمارس تمارين كمال الأجسام وأبدأ في التحرك عبر متاهات جسدي، لملاقاة، حتى ولو للحظة واحدة، ما يعجز وعيي عن رؤيته في الأوقات العادية.

يقول هايدجر «إن تجربة وجود الإنسان تعني: أن يُطرح وجوده هذا كفجوة تتجلى عبرها قوة الكون المهيمنة، كي تتحطم هذه الفجوة نفسها وتتلاشى في مقابل الوجود».[9]

 في ثقافتنا، نحصر اللاعب الرياضي في صورة نمطية ونزدريه، فهو بالنسبة لنا عاملٌ في جسد. لا نزال نعيش تحت شعار الفيلسوف ديكارت. هذا الشعار هو أيضًا شعار المجتمع الأبوي. طالما نواصل اعتبار الجسد، الخاضع لمعايير التغيير والصدفة والموت، كشيء منفر وعدوٍ لنا، سنظل ننظر لأنفسنا باعتبارنا آخرين خطيرين.

  • الهوامش

    [1] Elias Canetti, The Tongue Set free, New York: The Seabury Press, 1979, p.5.

    [2] هنا وفي سائر المقال، حين استخدم تعبير «لغة الألعاب»، فأنا أشير إلى نقاش لودفيغ فتغنشتاين لذلك في «الكتاب البني».
     (Wittgenstein, The Blue and Brown Books, New York: Harper and Row, Publishers, 1960).

    [3] Elias Canetn, TO Voices of Marrakesh, New York. The Seabury Press, 1978, p.23.

    [4] Marñn Heidegger, An introduction to Metaphysics, New York: Anchor Books, 1961, p. 125. By «man», Heidegger means «human».

    [5] Ibid., p. 127.

    [6] Ludwig Wittgenstein, Tracatus Logico-Philosphicus, London: Routledge and Kegan Paul Ltd., 1972, p. 145.

    [7] Canetti, The Voices of Marrakesh, p. 25.

    [8] Ibid., p. 26.

    [9] Heidegger, An introduction to Metaphysics, p. 137.