«رحّالة» أولغا توكارتشوك: فضاءات مغايرة وأدب بلا تصنيف

الأحد 10 أيار 2020
من غلاف أحد نسخ كتاب «رحالة» لأولغا توكارتشوك.

حصل كتاب «رحّالة» عام 2007 على جائزة مان بوكر الدولية لعام 2018 للكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب عن العام ذاته بعد أن قطع رحلة طويلة خلال عقد من الزمن. إذ كان قد وصل إلى العالم مترجمًا من البولندية إلى الإنجليزية عام 2017، ثم عبْر رحلة «ترانزيت» تابع طريقه في جولة أخرى من الترجمة المضنية، ليصلنا بعدها مترجمًا من الإنجليزية إلى العربية عام 2019، صادرًا عن دار التنوير في بيروت. ورغم اللغات والحدود التي عبر منها وإليها، استطاع الكتاب الذي تغير عنوانه من Bieguni[1] إلى «رحلات جوية» (Flights) بالإنجليزية ثم إلى «رحّالة» بالعربية أن يحتفظ بالألق الأدبي والإنساني، مؤكدًا على ما قالته توكارتشوك في كلمة ألقتها في افتتاحية معرض فرانكفورت للكتاب عام 2019 عن إيمانها بذاك النوع من «الأدب الذي يربط بين الناس، ويبرز التشابه بينهم رغم الاختلافات في اللون والميول الجنسية، وكل تلك الأشياء السطحية التي تفرق بيننا… الأدب الذي يخترق السطح ويربط بيننا على مستوى أعمق عبر خيوط لا مرئية، ولكنها موجودة. الأدب الذي يصور عالمًا حيًا موحدًا ومتغيرًا بشكل دائم، ورغم أننا نمثل جزءًا صغيرًا من هذا العالم، إلا أنه ليس جزءًا تافهًا وبلا أهمية».

تقدم الكاتبة نصًا رحّالة بطبعه، يسافر بين أجناس أدبية متعددة كالقصص الخيالية واليوميات والمقالات الفلسفية، ناهيك عن الخرائط التي وضعت بين الفصول كحدود جغرافية وهمية.

ما يبدو جديرًا بالملاحظة هو أن رحلة ترجمة الكتاب ليست الجزئية الوحيدة التي تتماشى مع ثيمته الأساسية؛ وهي الحركة والهجرة والسفر عبر الزمان والمكان، بل إن فحوى الكتاب الذي يمثل حصيلة رحلات وتجارب الكاتبة نفسها ينعكس من خلال أسلوب أدبي تجريبي متشظ، لا يكف عن القفز من جزء إلى آخر، ويتقاطع فيه الجانب التوثيقي مع الخيالي. تقدم الكاتبة نصًا رحّالة بطبعه، يسافر بين أجناس أدبية متعددة كالقصص الخيالية واليوميات والمقالات الفلسفية، ناهيك عن الخرائط التي وضعت بين الفصول كحدود جغرافية وهمية. هذا الكتاب هو من النوع الأدبيّ المربك الذي لا يقبل التصنيف بيسر وسلاسة، حيث أن أقصى محاولة لتصنيفه تنتهي باستخدام ملصق «ما بعد حداثي» وإدراجه تحت خانة «الرواية» في معارض الكتاب والمكتبات، على اعتبار أن الرواية جنس أدبي فضفاض يجمع كل ما لا يسهل تصنيفه.

عبر 116 جزءًا مفكّكًا تعمد الكاتبة إلى تصوير عالم السفر الحديث الذي لم يعد «خطيًا» كما كان قديمًا، بل أصبح عبارة عن «قفزات» زمكانية،[2] كما تسافر عبر الزمن مازجة التاريخ بالخيال، ملقية الضوء بذلك على العديد من القضايا السياسية والاجتماعية وحتى السيكولوجية التي سقط الإنسان الحديث في مأزقها.

جمهورية المطار

تصف توكارتشوك المطارات في إحدى جزئيات الكتاب قائلة: «إنها أكثر من مجرد مراكز لتجمع المسافرين: إنها جنس خاص من المدينة-الدولة، حيث المكان ثابت، بينما المواطنون في حالة تدفق. إنها جمهوريات- مطارات… مثال على نظام منفتح، حيث يظهر الدستور جليًا على كل تذكرة، وحيث بطاقة كل ركوب كل مسافر هي تحقيق شخصيته الوحيد بوصفة مواطنًا» وتتساءل: «فبأي حق ننظر إلى المطارات بوصفها أدنى درجة من المدن الحقيقية، في أيامنا هذه؟».[3] من الطبيعي أن تغوص توكارتشوك بداية في عالم المطارات وأدق تفاصيله، إذ إنه المكان الأول والأخير الذي تطأه أقدام المسافرين حين يهبطون في بلد جديد أو حين يغادرونه، والانطباع الأول الذي يتركه البلد على زائريه، عالم مصغر قادر على أن يحمل تناقضات واختلافات العالم الخارجي، بينما يمسي الحجم والوزن في أرجائه هاجسين مقلقين قد ينغّصا على المسافر فرحته. تلخّص المطارات مشكلة الإنسان الحديث مع الحيّز الذي يشغله، بدايةً من أمتعة السفر وانتهاءً بمقعده المخصص على متن الطائرة، «فالعالم مليء بالأشياء. وتقتضي الحكمة تقليصه بدلًا من توسيعه أو تكبيره». لذا كلما كان المسافر خفيفًا وضئيلًا، تمكّن من العبور بسرعة وسهولة. من هنا تصحبنا توكارتشوك إلى عالم مستحضرات تجميل السفر المنمنمة، على شاكلة علبة الشامبو الصغيرة، فرشاة الأسنان التي يمكن طيّها وكل تلك القوارير الصغيرة بحجم الأصبع، لتضمن لنا العبور بخفة وراحة بال: «يبدو وكأن صناعة مستحضرات التجميل تنظر إلى ظاهرة السفر بوصفها حياة استقرار معكوسة في مرآة، إنما بصورة مصغرة، نسخة ضئيلة وظريفة من الأصل.»

تمثل مقاربة المرآة التي تخلقها توكارتشوك من حياة الاستقرار المعكوسة أثناء السفر نظرة ميشيل فوكو إلى المرآة بوصفها «فضاءً مغايرًا»، وذلك في محاضرة ألقاها عام 1967 ونشرت تحت عنوان «عن الفضاءات الأخرى: اليوتوبيا واليوتوبيا المغايرة». المرآة، كما يراها فوكو، فضاء مغاير للفضاء الحقيقي لأنها «تجعل المكان الذي (تشغله) الآن حقيقيًا ومتصلًا مع الحيز الذي يحيط به، ولكنه غير حقيقي في الوقت ذاته نظرًا لأن إدراكه يتطلب العبور الافتراضي نحو النقطة الأخرى هناك.»[4] يسعى فوكو إلى تحليل علاقة الإنسان التي ينسجها مع المكان في إطار المجتمع، ومن خلال توظيف الثنائية الضدية يطرح فكرة الفضاءات المغايرة، التي بخلاف فضاءات اليوتوبيا غير الحقيقية، فهي أماكن حقيقة وموجودة في كل ثقافة، ولكنها مغايرة بوصفها قابلة لإعادة التمثيل والتأويل والاختراع. وعلى الرغم من إمكانية تحديد موقع هذه الأماكن على الخريطة، إلا أنها خارج المكان، من منطلق أنها لا تخضع لمعايير واستخدامات المكان المعتاد، إذ يكون المكوث في هذه الأماكن مؤقتًا كالفندق و المسرح والمستشفى والمطعم، كما أن بعضها مرفوض من المجتمع أو السلطة، مثل السجن أو بيت الدعارة. وتبعًا للمبادىء التي يحددها فوكو للفضاء المغاير، فإن المطار وحتى الطائرة في نظري يعتبران من تلك الفضاءات المغايرة بامتياز، بحيث يخلق المسافر علاقة مؤقتة معهما من خلال الاستعانة بوظائف ومفاهيم العالم الخارجي/ الحقيقي. لكن السؤال الذي تدفعنا توكارتشوك لطرحه هو: من نكون في هذه الفضاءات المغايرة؟ أمجرد جواز سفر ورقم مقعد في طائرة؟ 

علم نفس السفر

تحدثنا توكارتشوك عن مصادفتها لمجموعة من الباحثين في برنامج تواصل تعليمي على مستوى العالم يتحدثون أمام مجموعة من المسافرين في المطار عما يسمى بعلم نفس السفر: «إذا أردنا فهرسة البشرية بطريقة معينة، لا يمكننا أن نفعل ذلك إلا بوضع الناس في حركة من نوع ما، وهم ينتقلون من مكان صوب آخر. إذ إن الظهور المتكرر للكثير والكثير من التوصيفات غير المقنعة للشخص المستقر الثابت يجعلنا نعيد النظر في الذات بمعزل عن علاقاتها… أحد المفاهيم الأساسية في علم نفس السفر هو الرغبة، فهي التي تضفي على البشر الحركة والاتجاه…» إن رغبة الرحّالة في الحركة الدائمة والانتقال بعيدًا عن البيت أو مكان الاستقرار الثابت تدفعه ليكتشف أبعاد ذاته في فضاء مغاير، إذ عبر الانفصال عن كل ما هو مضمون وثابت ومألوف، يتسنّى للمسافر مساءلة هويته وإدراكها أو حتى محاولة إعادة تشكيلها، من خلال الدخول إلى عالم الثنائيات المتضادة: الثقافة الأصلية/ الثقافة الأجنبية، اللغة الأم/ اللغة الأجنبية، أنا/الآخر، إلخ. فيما يعبر المسافر خلال تلك الفضاءات المغايرة مثل المطار والطائرة إلى حيز اللامكان؛ الحيز الانتقالي المؤقت الذي لا يستطيع العيش والاستقرار فيه، والذي يراه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه فرصة «للالتفات إلى الذات، والابتعاد عن المشهد والمشاهِد في الوقت ذاته».[5] 

وبينما تبدو كل رغبات البقاء والتمركز في داخل الحدود مشابهة لـ«حالة الجزيرة وهي حالة بقاء المرء داخل حدوده غير مثقل بأي تأثير خارجي، إنها تشبه نوعًا من النرجسية أو حتى التوحّد»، تنظر توكارتشوك إلى التجذر والتمركز على أنه سجن يخدم مصالح الدولة، إذ لطالما كانت الرغبة في الترحال الدائم عند بعض القبائل والجماعات تهديدًا للسلطة والقوانين، فتوضّح: «لذلك يضمر الطغاة بكل أصنافهم كرهًا عميقًا للبدو والرحّل، وهذا هو سبب اضطهادهم الغجر واليهود. يرغموننا على الإقامة واتخاذ مكان ثابت لنا كي نقضي فيه أحكام سجننا». إلا أنها تدرك كذلك أن فكرة السفر والترحال في العصر الحديث لم تسلم بالمطلق من النظام الإحداثي الرأسمالي، فقد أضحت تجربة السفر الحديثة كسلعة تجارية مستهلكة، تأتي جاهزة ومجرّبة من خلال كتب الإرشاد والتعليمات.

بأسلوب ساخر غير مباشر تدرج توكارتشوك مقطعًا قصيرًا بعد الحديث عن علم نفس السفر تروي فيه حلمها الغريب، والذي جعلني أتساءل إن كان علينا تأويله من خلال الاستعانة بعلم نفس السفر نفسه: «حلمت بأنني أتصفح مجلة أمريكية تحتوي على صور لبرك ومسابح. رأيت كل شيء، كل تفصيلة. كانت الحروف (أ) و (ب) و (ج) تصف بدقة كل عنصر في الخرائط والمخططات. وبدأت بلهفة قراءة مقالة عنوانها: «كيف تبني محيطًا: تعليمات».

البحث عن الزمن المفقود

لا يتخذ الزمن وتيرة واضحة ومحددة في الكتاب، وكتلك الفضاءات التي تكتبها فإنه يبدو مغايرًا للمألوف. إذ لم تنجز أجزاء الكتاب تبعًا لخط زمني معين، وحتى تلك الشذرات التي تسرد فيها الكاتبة يومياتها خلال السفر فهي ليست مؤرخة ومتسلسلة. أما بالنسبة للأجزاء التي تخلق فيها الكاتبة سرديات خيالية متداخلة مع شخصيات تاريخية، مثل قصة قلب «شوبان» بعد وفاته، والذي سافر من فرنسا إلى بولندا بعد أن احتفظت به أخته لودفيكا في جرة وحملته معها، فإنها تحمل زمنًا داخليًا خاصًا بها، تمامًا كبقية القصص الخيالية التي تضمنها توكارتشوك في الكتاب. لكن ما يبدو أسلوبًا مبتكرًا في السرد هو أن تبدأ الكاتبة قصة معينة في بلد ما، وتسافر بعد ذلك إلى أجزاء من يومياتها وتبدأ حكايات أخرى، ثم تعود بنا إلى القصة بشكل اعتباطي ودون أي مقدمات، وقد تنتهي بعض هذه القصص مفتوحة ومتروكة تمامًا لخيال القارئ، مثل قصة الرجل البولندي «كونيك» الذي يفقد -أو ربما يهيّء له أنه فقد- زوجته وطفله فوق جزيرة في كرواتيا ويبدأ رحلة عقيمة في البحث عنهما.

الزمن في الكتاب ليس خطيًا، بل يظهر على شكل قفزات أو خيوط متقطعة، بعضها مفقود تمامًا كتلك الساعات التي تضيع على متن الطائرة في الهواء.

الزمن في الكتاب ليس خطيًا، بل يظهر على شكل قفزات أو خيوط متقطعة، بعضها مفقود تمامًا كتلك الساعات التي تضيع على متن الطائرة في الهواء. تعتقد توكارتشوك أن دراية المسافر المتحضّر بتغير الزمان والمكان واللغة هو مؤشر على الحضارة التي تميزه عن البرابرة الذين «لا يسافرون… ويذهبون إلى وجهات معينة أو يشنّون غارت». كما تلفت النظر إلى أن الكيفية التي يتحرك بها الزمن في مكان ما تخبرنا الكثير عنه، وذلك تبعًا لنظرية الزمن التي تشرحها لها امرأة صادفتها في محطة: «إن الشعوب المقيمة كالمزارعين يفضلون مباهج الزمن الدائري، الذي يجب أن يعود فيه كل غرض وحدث إلى مبتداه، يلتف ثانية على نفسه بصورة جنينية، ويكرر عملية البلوغ والموت. لكن البدو والتجار، عندما كانوا ينطلقون في رحلاتهم كانوا بحاجة إلى ابتداع زمن يلائمهم، زمن يستجيب على نحو أفضل لاحتياجات أسفارهم. ذلك الزمن هو زمن خطي، عملي أكثر لأنه قادر على قياس التقدم صوب هدف أو وجهة.»

لكن منظور توكارتشوك إلى الزمن الخاص بكل مسافر مختلف تمامًا، وهو باعتقادي مقارب لمفهوم الزمن الذي حاولت إسقاطه على الكتاب بحيث يكون «مجموعة أزمنة في زمن واحد… زمن جزيري، أرخبيلات من النظام وسط محيط من الفوضى، إنه الزمن الذي تنتجه الساعات في محطات القطارات، زمن مختلف في كل مكان، زمن تقليدي، زمن متوسط، يجب ألا يأخذه أحد على محمل الجد». ينطوي هذا المنظور الواسع إلى زمن المسافر الحديث على عديد من علامات الاستفهام حول ماهية تحديد هوية الإنسان الحديث ووجوده في زمكانية مغايرة. من نكون في هذه الهوة الغامضة التي تختفي فيها الساعات على متن الطائرة، لتمتد في الصحراء والبراري المهجورة بطيئة كسولة؟ ومجرد التفكير بأن أحدًا لا يجب أن يأخذ هذا النوع من الزمن على محمل الجد، يجعلني أتساءل إذا ما كان علينا أن نأخذ أنفسنا على محمل الجد خلال ذلك الزمن المفقود أصلًا. في النهاية كما تقول توكارتشوك، عندما نكون على متن طائرة أو جزيرة معزولة قد نختفي عن الرادارات، ولا أحد يعرف مكاننا، حتى هواتفنا النقالة لا تكف عن تصريحاتها المذعورة: «لم يتم العثور على شبكة».

أين أنا؟

في إحدى أجزاء اليوميات المعنونة بـ«أين أنا» تصف توكارتشوك المراحل التي مرت بها خلال ترحالها وتغييرها لأماكن إقامتها: «تدهورت حالتي. في البداية عندما كنت أستيقظ من النوم في مكان جديد، كنت أظنني في البيت. كان الأمر يستغرق دقيقة لأتبين التفاصيل غير المألوفة التي انكشفت في ضوء النهار… لكن بعدها دخلت في المرحلة التي يطلق عليها علماء نفس السفر مرحلة «لا أعرف أين أنا». أصبحت أستيقظ بذهن مشوش تمامًا. مثل مخمور يستفيق، أحاول تذكر ما فعلته الليلة السابقة، أين كنت وكيف وصلت إلى هناك… كان هذا الاستيقاظ أشبه بالحصول على ختم على تذكرتي للقسم الثاني من الرحلة… ثم جاءت المرحلة الثالثة التي يسميها علم نفس السفر المرحلة المفتاحية، مرحلة التتويج. في هذه المرحلة، أيًا كان مقصدك، تسير دائمًا في ذاك الاتجاه. «لا يهم أين أنا»، لا يصنع ذلك فارقًا. أنا هنا».

بأسلوب بارع استطاعت توكارتشوك أن تخلق من كتابها تجربة مماثلة للقارىء، إذ من خلال ما وصفته بالمجموعة الكوكبية، وضعت اليوميات والمقالات والقصص الخيالية كنجوم متفرقة في سماء القارىء وتركت له حرية الربط بينها والقول: «أنا هنا». بعد انتهائي من قراءة الكتاب، كنت قد استمعت إلى توكارتشوك تتحدث عن كتابها في مقابلة لها، وكان طريفًا بالنسبة لي أنني استخدمت الأسلوب ذاته للقراءة دون أن أعرف أن هذا ما خططت له. فبعد قراءة أجزائه الأولى المتراوحة بين اليوميات والمقالات الفلسفية، ثم الاصطدام بقصة الرجل البولندي «كونكي»، أدركت أن الكتاب يحضّر لي مغامرة شيقّة، وبناء عليه شرعت أقفز بين أجزائه، أتقدم وأرجع، وأختار أن أبدأ بالجزئية التي تعجبني وقد راقتني جدًا فكرة «لا يهم أين أنا» في الكتاب.

الكتابة شكلًا من أشكال العبور

في مقال نشر على صحيفة «نيويوركر» انتقد جيمس وود كتاب «رحّالة» لأنه يغفل النظر إلى السفر والترحال من وجهة نظر اللاجئين والمهاجرين: «الذين يفضلون البقاء والتجذر» في أرضهم. ورغم إدراكه أن الكتاب قد أنجز قبل أزمة اللاجئين في أوروبا اليوم، إلا أن المقارنة في رأيي لا تصلح بين نوعين مختلفين من الحركة. إذ ثمة فرق بين الترحال الاختياري والترحيل القسري الذي يخضع له اللاجىء، ذاك الذي لا يختلف بدوره عن الإقامة الجبرية. وكبقية البولنديين الذين كانوا يعيشون في عزلة الاتحاد السوفيتي آنذاك، كان على توكارتشوك أن تنتظر طويلًا للحصول على جواز سفر تنطلق بواسطته إلى العالم، وبالتالي فإن من المبرر أن تنظر إلى الاستقرار والثبات على أنهما سجن وانعزال. ما يغفل الكتاب النظر إليه -باعتقادي- هم أولئك الراغبون بالسفر إلى بلد ما، الذين تمنعهم إجراءات الفيزا أو سياسات دول العالم الأول من تحقيق رغباتهم، ولا داعي لأن نخوض بتفاصيل حياة المسافر الأوروبي هذه الأيام وعن تلك الخيارات المفتوحة التي تجعل تنقله وتجواله أكثر حرية وراحة وبهجة.

يقترح الكتاب -قدر المستطاع- أن نتحرك وننتقل بشكل دائم، لنتأكد بأعيننا إذا ما كان العشب أكثر اخضرارًا على الضفة الأخرى أم لا. في النهاية، تعكس حرية السفر والترحال، حرية من نوع آخر؛ حرية الانعتاق من الثابت والمضمون. فكما يعتقد الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو في كتابه «مينما موراليا»[6] أو «الأخلاقيات الدنيا» عام 1951، نحن نأخذ الوطن واللغة على أنهما من المسلمات، مما يدفع كل الفرضيات الناجمة عما هو مضمون ومسلم به إلى التقهقر والانحدار نحو نطاق دوغمائي وأرثوذكسي. وعليه، يتفق أدورنو مع رؤية توكارتشوك عن الحدود والحواجز التي تحوّل المألوف والمضمون إلى سجن، فيما يضحي الدفاع عنه ضرورة عواقبها مريعة. لذا يعتقد أدورنو أن الاغتراب الدائم كفيل بكسر حواجز الفكر والتجربة، بينما يعتبر الكتابة، رغم كل الهشاشة والضعف الذي يمكن أن تمثله، الوطن الوحيد في هذه الحالة.

في آخر أجزاء الكتاب تخلق توكارتشوك فضاءً مغايرًا منعكسًا وهي تراقب مسافرًا آخر يدوّن ملاحظاته على متن الطائرة: «أخرج كرّاسي أنا أيضًا وأشرع في الكتابة عن هذا الرجل الذي يكتب. الأغلب أنه يكتب الآن: «امرأة تكتب شيئًا. لقد خلعت حذاءها ووضعت كتابها عند قدميها…». وعبر مرآة الكتابة تلك، تؤكد توكارتشوك على كل تلك التشابهات بيننا والتي لا يمكننا إدراكها إلا عبر السفر والكتابة «فنحن ببساطة نكتب بعضنا البعض، وهي أأمن طريقة للتواصل والمرور العابر؛ سوف نحول بعضنا بعضًا… نخلّد بعضنا بعضًا… نلد بعضنا بعضًا».

تمسي تلك التشابهات التي توحّدنا أكثر وضوحًا اليوم مع جائحة فيروس «كورونا» المخيّم على العالم، بل أليست مفارقة أن سبل السفر التي تقرّبنا من بعضنا كانت ذاتها سببًا مباشرًا لانتشار الوباء عبر القارات وإبعادنا عن بعضنا؟ بلا شك أن ما يحدث الآن لن يثنينا عن السفر والترحال مستقبلًا، إذ أكاد أجزم أن الكثيرين ينتظرون بفارغ الصبر أن تعود الأمور إلى مجاريها وتعود معها عجلات حقائب السفر المزعجة للتدحرج فوق أراضي المحطات وبلاط المطارات، لكن دعونا لا ننسى أن السفر هو أحد جوانب الحياة العديدة التي اعتبرناها مضمونة في وقتٍ ما دون أن نتساءل عما يترتب علينا من عواقب عند استحالتها.

أما الآن فعلى ما يبدو أن الكتابة اليومية بأشكالها تمثل عبورًا آمنًا أكثر من أي وقت مضى، إذ أنها تتيح لنا السفر إلى بعضنا وقطع كل تلك الحدود الجغرافية التي يصعب قطعها دون أن نبرح أماكننا.

  • الهوامش

    [1] كلمة باللغة السلافية تشير إلى طائفة أرثوذكسية قديمة تؤمن بأن الحركة والتنقل بشكل مستمر يقي من الشرور الإنسانية.

    [2] زمانية ومكانية. وتبعًا لأفكار فوكو عن الفضاءات المغايرة، فإنه يتطرق لمفهوم الزمكانية المغايرة، حيث يكون المكان مغايرًا ويجري فيه الزمن بشكل مغاير للمعتاد كذلك.

    [3] رحّالة، أولغا توكارتشوك، ترجمة إيهاب عبد الحميد.

    [4] Foucault, Michel. “Of Other Spaces: Utopias and Heterotopias.”

    [5] Augè, Marc. Non-Places: Introduction to an Anthropology of Supermodernity.

    [6] Adorno, Theodor W. Minima Moralia.